د. صلاح عوض: الحرب كشفت هشاشة الدولة وضعف مشروعها الوطني

يرى د. صلاح عوض عمر أن السودان يمر اليوم بإحدى أخطر اللحظات في تاريخه الحديث، ليس بسبب الحرب الدائرة فحسب، وإنما لأن هذه الحرب كشفت بصورة عارية أزمة الدولة السودانية التاريخية، وأظهرت هشاشة بنيتها المؤسسية وضعف مشروعها الوطني واختلال علاقتها بالمجتمع والاقتصاد والقوة المسلحة. وبحسب رؤيته، فإن ما يجري لا يمكن التعامل معه بوصفه أزمة عابرة أو ظرفاً استثنائياً مؤقتاً، بل هو تعبير عن أزمة دولة تشكلت تاريخياً على نحو غير متوازن، وظلت تعاني من اختلالات بنيوية عميقة تراكمت عبر عقود طويلة.
ويشير إلى أن مؤسسات الدولة السودانية تعيش اليوم حالة من الإنهاك العميق، وفقدت بصورة جزئية أو كاملة قدرتها على أداء وظائفها الأساسية. فالحرب لم تقتصر آثارها على تدمير البنية التحتية، وإنما عطلت أيضاً الوظائف الجوهرية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، بما في ذلك الأمن والعدالة والخدمات العامة والتنظيم الاقتصادي والإدارة المدنية، الأمر الذي جعل قدرة الدولة على إدارة شؤون المجتمع أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
وفي تقديره، فإن السودان تجاوز عملياً مرحلة الدولة الضعيفة، وبدأ يقترب من خصائص الدولة الفاشلة وفق المعايير المتعارف عليها في أدبيات العلوم السياسية، مثل فقدان احتكار العنف، وتآكل الشرعية، وانهيار الخدمات، والعجز الاقتصادي، واتساع دوائر النزوح واللجوء. ومع ذلك، يؤكد أن البلاد لم تصل بعد إلى مرحلة الانهيار الكامل، إذ ما تزال بعض عناصر الدولة قائمة، وفي مقدمتها الاعتراف الدولي وبعض الهياكل الإدارية، فضلاً عن وجود مجتمع حي يمتلك قدراً من القدرة على التنظيم الذاتي والمقاومة المجتمعية.
ويعتبر أن تآكل احتكار الدولة للقوة يمثل أحد أخطر مظاهر الأزمة السودانية الراهنة، فالدولة الحديثة تقوم أساساً على احتكار العنف المشروع، غير أن السودان يشهد تمدداً متزايداً للمليشيات والجيوش الموازية والقوات ذات الولاءات المتعددة. وبذلك تحولت القوة المسلحة من أداة تعمل داخل إطار الدولة إلى قوى تتنازع الدولة نفسها على السلطة والنفوذ، وهو تطور لا يهدد الاستقرار فحسب، بل يهدد وجود الدولة الوطنية ذاتها ويفتح الباب أمام التشظي الجهوي والاجتماعي.
وفي الجانب الاقتصادي، يرى أن الانهيار الاقتصادي لم يعد مجرد أزمة معيشية أو تراجع في المؤشرات المالية، بل أصبح عاملاً مركزياً في تفكك الدولة والمجتمع. فقد تمدد اقتصاد الحرب والاقتصاد الموازي بصورة واسعة، وأصبحت شبكات التهريب والسلاح والذهب والجبايات غير الرسمية أكثر تأثيراً في بعض المناطق من المؤسسات الرسمية نفسها. كما ساهم تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وانهيار العملة الوطنية، واتساع رقعة الفقر، وانقطاع الرواتب والخدمات، في دفع المجتمع نحو مزيد من التفكك وإضعاف الثقة في الدولة باعتبارها مؤسسة قادرة على الحماية والتنظيم وإدارة الشأن العام.
ويلفت د. صلاح إلى أن الحرب الحالية لم تنتج دماراً مادياً فقط، وإنما أعادت إنتاج الانقسامات القبلية والجهوية والإثنية بصورة خطيرة، كما توسع خطاب الكراهية والتجريم والعنف بشكل غير مسبوق، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ويرى أن النزوح واللجوء الجماعيين يمثلان بدورهما تحولاً اجتماعياً عميقاً، لأن ملايين السودانيين اقتلعوا من بيئاتهم الطبيعية وفقدوا مصادر رزقهم وشبكاتهم الاجتماعية، وهو ما ستكون له آثار بعيدة المدى على الهوية الوطنية والاستقرار الاجتماعي في المستقبل.
أما فيما يتعلق بمؤسسات العدالة والقضاء والخدمة المدنية، فيرى أنها تعرضت لتآكل شديد خلال الحرب، لكنها في الحقيقة كانت تعاني من التسييس والضعف منذ سنوات طويلة. ومع ذلك، يعتقد أن بعض القطاعات داخل الدولة ما تزال تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية، سواء عبر المؤسسات الفنية المتبقية أو المبادرات المجتمعية أو شبكات العاملين في الخدمات الأساسية.
ويؤكد أن الأزمة السودانية لم تعد شأناً داخلياً خالصاً، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية. فالتدخلات الخارجية، العسكرية منها والسياسية والاقتصادية، أسهمت في تعقيد الأزمة وإطالة أمد الحرب. غير أنه يلفت إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود التدخل الخارجي، وإنما أيضاً في هشاشة الداخل السوداني نفسه، حيث أدى ضعف المشروع الوطني وغياب التوافق السياسي إلى جعل البلاد أكثر عرضة للاختراق والتأثيرات الخارجية.
ورغم حجم الدمار الذي لحق بالدولة والمجتمع، فإن د. صلاح عوض عمر يرى أن إعادة بناء الدولة السودانية ما تزال ممكنة، لكنها تتطلب شروطاً صعبة ومعقدة، تبدأ بوقف الحرب بصورة شاملة، وتأسيس مشروع وطني جديد قائم على المواطنة والعدالة، وإعادة بناء الجيش على أسس قومية ومهنية، وتفكيك اقتصاد الحرب والمليشيات، وإعادة تأسيس الخدمة المدنية والقضاء، وإطلاق مشروع تنموي يعالج اختلال العلاقة بين المركز والهامش، وصولاً إلى بناء عقد اجتماعي جديد يعترف بالتعدد السوداني ويؤسس لشرعية ديمقراطية مستقرة.
ويشدد على أن الأولوية القصوى في هذه المرحلة تتمثل في منع الانهيار الكامل للدولة والمجتمع، وذلك من خلال وقف الحرب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والحفاظ على ما تبقى من المؤسسات العامة، والعمل على مواجهة خطاب الكراهية والانقسام عبر المبادرات المدنية والمجتمعية.
وحول المستقبل، يحذر من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يقود السودان خلال السنوات المقبلة إلى سيناريوهات شديدة الخطورة، تشمل مزيداً من التفكك الجغرافي والاجتماعي، واتساع سلطة المليشيات واقتصاد الحرب، وانهيار التعليم والصحة والخدمات العامة، وتصاعد الهجرة والنزوح، وتراجع فكرة الدولة الوطنية نفسها. ومع ذلك، فإنه لا يغلق باب الأمل، مؤكداً أن المجتمع السوداني، رغم كل ما تعرض له من أزمات وصدمات، ما يزال يمتلك طاقات اجتماعية ومدنية وثقافية كبيرة يمكن أن تشكل أساساً لمشروع وطني جديد، متى ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية التاريخية القادرة على تحويل هذه الطاقات إلى قوة لبناء المستقبل.
///////////////////////////

“أبو وطن”:
السودان الآن منقسم راسيا وافقيا وهذا هو الخطر الحقيقي
الأستاذ مناضل الطيب “أبو وطن” يقول إن السودان يعيش اليوم مرحلة شديدة الخطورة من تاريخه المعاصر، حيث لم تعد الأزمة مقتصرة على الحرب الدائرة بين الأطراف المتصارعة، بل امتدت لتطال جوهر الدولة نفسها ومؤسساتها ووحدتها الوطنية. ويعتقد أن مؤسسات الدولة السودانية تعيش حالة من الشلل شبه الكامل والتشظي الهيكلي، بعد أن فقدت العاصمة الخرطوم، التي ظلت تاريخياً المركز الإداري والسياسي للدولة، دورها التقليدي وثقلها المؤسسي. وباتت أجهزة الحكم، وفق رؤيته، تعمل في إطار إدارة أزمة بالحد الأدنى من بعض الولايات الآمنة، بينما تراجعت الكفاءة الإدارية بصورة حادة نتيجة تدمير البنية التحتية المادية والمعلوماتية، وندرة الموارد، وغياب التنسيق المركزي الفاعل بين أجهزة الدولة المختلفة.
ويؤكد أن الحرب أحدثت انقساماً رأسياً وأفقياً غير مسبوق داخل الدولة والمجتمع، مبيناً أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تدمير المباني والمؤسسات، وإنما في انقسام الولاءات وظهور شرعيات متوازية داخل مناطق النفوذ المختلفة. ويرى أن هذا الواقع يهدد وحدة التراب الوطني بصورة مباشرة، ويدفع بالدولة نحو التحول من كيان سياسي موحد إلى جغرافيا ممزقة تحكمها سلطات الأمر الواقع، معتبراً أن هذا المسار يخدم في نهاية المطاف المشاريع الساعية إلى تفكيك الدولة الوطنية وإعادة تشكيلها على أسس جديدة.
وفي تقديره، فإن السودان تجاوز بالفعل مرحلة الدولة الضعيفة ودخل عملياً في نطاق مؤشرات الدولة الفاشلة وفق المعايير الدولية المعروفة، وذلك نتيجة فقدان السيطرة على أجزاء واسعة من الأراضي، وعجز الدولة عن توفير الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين، فضلاً عن فقدانها الاحتكار الشرعي لأدوات العنف. ويرى أن هذه المؤشرات لم تعد مجرد احتمالات نظرية، بل أصبحت واقعاً ملموساً يعيشه السودانيون يومياً.
ويشير إلى أن مظاهر تآكل سلطة الدولة باتت واضحة في مختلف القطاعات، بدءاً من غياب سيادة القانون، وعجز الدولة عن جباية الإيرادات العامة، مروراً بانتشار أعمال النهب واسعة النطاق دون مساءلة أو محاسبة، وصولاً إلى تعثر المؤسسات الخدمية في دفع رواتب العاملين بصورة منتظمة. كما يلفت إلى أن المليشيات والقوى غير النظامية أصبحت اللاعب الأكثر حضوراً وتأثيراً في مساحات واسعة من البلاد، على حساب مؤسسات الدولة الرسمية.
ويعتبر أن تعدد القوى المسلحة يمثل ضربة مباشرة لأساس قيام الدولة الحديثة، التي تقوم على احتكار الاستخدام المشروع للقوة. فوجود جيوش متعددة وحركات مسلحة ومليشيات ذات ولاءات متباينة أنهى عملياً هذا الاحتكار، وحول القوة إلى أداة لفرض الإرادات الفئوية والجهوية، الأمر الذي أسقط هيبة الدولة وأفقد المواطن ثقته في مؤسساتها الأمنية، وجعله يبحث عن الحماية لدى القبيلة أو الجماعة المسلحة بدلاً من أجهزة إنفاذ القانون.
ويربط مناضل الطيب بين استمرار الحرب والانهيار الاقتصادي، مؤكداً أن الاقتصاد المنهار أصبح الوقود الذي يغذي الصراع ويطيل أمده. فتوقف الإنتاج، وانهيار العملة الوطنية، وفقدان الملايين لمصادر دخلهم، دفعت أعداداً واسعة من المواطنين إلى اللجوء لاقتصاد الجريمة أو الانخراط في الاستقطاب العسكري باعتباره خياراً للبقاء، وهو ما ساهم في تفكيك النسيج الاجتماعي ورفع معدلات الجريمة والعنف بصورة مقلقة.
كما يرى أن الانقسامات السياسية والجهوية والقبلية تجاوزت حدود الخلافات التقليدية، وتحولت إلى أدوات تعبئة عسكرية مباشرة. ويصف توظيف البعد القبلي والجهوي في الحرب الحالية بأنه القنبلة الموقوتة الأكثر خطورة، لأنه ينقل الصراع من نزاع على السلطة إلى حرب أهلية شاملة يصعب احتواؤها أو إنهاؤها في المدى المنظور، وقد تمتد آثارها لأجيال كاملة.
وفي حديثه عن منظومة العدالة والقضاء والخدمة المدنية، يشير إلى أنها تعرضت لانهيار شبه كامل في مناطق العمليات العسكرية الرئيسية. فغياب القضاء والنيابات فتح الباب أمام ما يسميه “عدالة القوة” والمحاكم الميدانية، كما يرى أن هذه الأدوات استُخدمت في بعض الحالات لتصفية الخصوم السياسيين تحت ذرائع مختلفة. ومع ذلك، يعتقد أن الخدمة المدنية ما تزال تقاوم السقوط الكامل في بعض الولايات الآمنة، حيث تواصل تسيير الحد الأدنى من دولاب العمل، لتظل آخر مؤسسة تحاول الحفاظ على ما تبقى من الدولة.
ويؤكد أن السودان يستوفي اليوم معظم المؤشرات المعروفة لانهيار الدول، بما في ذلك النزوح الجماعي واسع النطاق، والعجز في الموازنة العامة، وفقدان السيطرة على الحدود، وظهور اقتصادات الحرب والتهريب. ويرى أن اجتماع هذه العوامل بمعدلات مرتفعة جعل السودان يتصدر تقارير الهشاشة الدولية خلال الفترة الأخيرة.
أما على المستوى الاجتماعي، فيرى أن النزوح واللجوء الجماعيين أحدثا تحولات عميقة في البنية الديموغرافية والاجتماعية للبلاد، من خلال تفريغ العديد من المناطق الحضرية والإنتاجية من سكانها، وفرض ضغوط هائلة على الموارد المحدودة في مناطق النزوح واللجوء. كما أدى هذا الوضع إلى خلق توترات اجتماعية جديدة وإعادة تشكيل الخريطة الطبقية والمهنية للمجتمع السوداني، حيث تحولت الطبقة الوسطى، التي كانت تمثل المحرك الأساسي للدولة، إلى فئات تكافح من أجل الحصول على المساعدات الإنسانية.
وفي ما يتعلق بدور الإعلام والخطاب السياسي، يرى أن وسائل الإعلام التقليدية والبديلة ومنصات التواصل الاجتماعي مارست في الغالب دوراً سلبياً عبر نشر خطاب الكراهية والتخوين والتحريض القبلي. وبدلاً من أن تكون أداة لرأب الصدع الوطني، تحولت إلى ساحة حرب موازية ساهمت في تقويض ما تبقى من القواسم المشتركة بين السودانيين.
كما يعتقد أن السودان تحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وأن التدخلات الخارجية عبر الدعم العسكري والمالي واللوجستي للأطراف المتصارعة ساهمت في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص الحل. ويرى أن النتيجة المباشرة لذلك هي ارتهان القرار الوطني لأجندات خارجية لا تضع مصالح الشعب السوداني ضمن أولوياتها.
ويؤكد أن اقتصاد الحرب والاقتصاد الموازي باتا أكثر قوة وتأثيراً من الاقتصاد الرسمي للدولة، حيث تمددت شبكات التهريب وتجارة السلاح والذهب والنهب المنظم خارج سيطرة المؤسسات الحكومية. ويشير إلى أن هذه الشبكات راكمت مصالح ضخمة مرتبطة باستمرار الحرب، ما يجعلها من أكبر القوى المناهضة لأي جهود جادة للسلام واستعادة مؤسسات الدولة.
ويحذر من أن السودان يقف أمام خطر نشوء “جيل ضائع”، نتيجة خروج آلاف المدارس والمستشفيات عن الخدمة، وتوقف برامج التطعيم، واستمرار هجرة الكوادر الطبية والتعليمية. ويرى أن هذا الدمار غير المرئي قد يكون أخطر من الدمار المادي نفسه، لأن نتائجه ستنعكس لعقود طويلة على مؤشرات التنمية البشرية ومستقبل البلاد.
ورغم هذا الواقع القاتم، يؤكد مناضل الطيب أن إعادة بناء الدولة السودانية ما تزال ممكنة، لكنها تتطلب شروطاً صارمة تبدأ بوجود إرادة سياسية وطنية جامعة تتجاوز المحاصصات والصراعات الضيقة، وتأسيس جيش وطني واحد موحد ومهني، مع دمج أو تسريح كافة التشكيلات المسلحة الأخرى، وإطلاق مشروع شامل للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، إلى جانب تبني خطة دولية واسعة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
ويرى أن الأولويات العاجلة لمنع الانهيار الكامل تتمثل في الوقف الفوري وغير المشروط لإطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وتثبيت إدارة مدنية مهنية مؤقتة لتسيير الخدمات الأساسية وصرف الرواتب، إضافة إلى حظر خطاب الكراهية وتجريم الاستقطاب القبلي والجهوي.
وفي ما يتعلق باستعادة الثقة بين المواطن والدولة، يعتقد أن ذلك لا يمكن أن يتحقق عبر الشعارات والخطابات السياسية، وإنما من خلال عقد اجتماعي جديد تلتزم الدولة بموجبه بضمان الأمن الشخصي للمواطن، وتوفير العدالة وسبل العيش الكريم والمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بعيداً عن أي تمييز جهوي أو قبلي أو ديني.
كما يدعو القوى السياسية إلى التخلي عن الصراعات الصفرية والعقلية النخبوية التي حكمت الحياة السياسية السودانية لعقود طويلة، والعمل على بناء حد أدنى من التوافق الوطني. وفي المقابل، يرى أن على منظمات المجتمع المدني والمبادرات التطوعية، وعلى رأسها غرف الطوارئ، أن تعزز تنظيمها الذاتي وأن تقود جهود البناء القاعدي وحماية الهياكل الخدمية المحلية من الانهيار.
وحول مستقبل السودان خلال السنوات الخمس المقبلة إذا استمرت الأوضاع الراهنة دون تسوية سياسية شاملة، يحذر من أن السيناريو الأقرب يتمثل في تكرار نماذج الانهيار التي شهدتها دول أخرى، عبر تفتت البلاد إلى كانتونات وإقطاعيات عسكرية متناحرة، وانهيار المركز السياسي للدولة، وظهور بؤر للتطرف والإرهاب، وتحول السودان إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الإقليمي والدولي، مصحوباً بموجات هجرة ونزوح مليونية غير مسبوقة.

نشأت الإمام: الحرب لم تعد أزمة عسكرية بل أزمة وجود تهدد فكرة الدولة
يرى الإعلامي والصحافي نشأت الإمام أن السودان يمر اليوم بإحدى أخطر المراحل في تاريخه الحديث، إذ لم تعد الأزمة الراهنة مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين متحاربين، وإنما تحولت إلى أزمة وجودية تمس بنية الدولة نفسها وتهدد مقوماتها السياسية والمؤسسية والاجتماعية. فالحرب المستمرة منذ أكثر من عام لم تؤد فقط إلى تعطيل وظائف الدولة الأساسية، بل كشفت كذلك عن هشاشة التكوين الوطني وضعف البنية المؤسسية التي تراكمت أزماتها عبر عقود طويلة من الاضطرابات السياسية والانقلابات والحروب الداخلية.
ويشير إلى أن الحالة السودانية يمكن توصيفها بأنها انتقال متسارع من مرحلة “الدولة الضعيفة” إلى مرحلة “الدولة المهددة بالفشل”، فالدولة لم تعد قادرة بالكفاءة المطلوبة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، أو حماية مواطنيها، أو ضمان استمرار الخدمات العامة بصورة مستقرة. كما أن تراجع مركزية القرار، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وانهيار أجزاء واسعة من الجهاز الإداري والخدمي، كلها مؤشرات تعكس حجم التآكل الذي أصاب مؤسسات الدولة خلال الفترة الأخيرة.
ويضيف أن الحرب أضعفت بصورة مباشرة وحدة المؤسسات الرسمية نفسها، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو داخل الأجهزة المدنية، كما أدت إلى تفكيك كثير من حلقات التنسيق والإدارة التي كانت تربط أجهزة الدولة المختلفة. وفي ظل هذا الواقع برزت سلطات الأمر الواقع في عدد من المناطق، وظهرت أنماط جديدة من النفوذ المحلي والاقتصاد غير الرسمي، الأمر الذي أضعف هيبة الدولة وقلّص قدرتها على فرض القانون وحفظ النظام العام.
ويعتبر نشأت الإمام أن من أخطر نتائج الأزمة الحالية انهيار مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. فحين تتعدد القوى المسلحة وتتوزع مصادر النفوذ العسكري والأمني، تتحول الدولة تدريجياً من كيان يحتكم إلى القانون والمؤسسات إلى ساحة مفتوحة تحكمها موازين القوة والمصالح المتصارعة. وهذا الوضع، بحسب رأيه، لا يهدد الأمن والاستقرار فحسب، بل يهدد فكرة الدولة الوطنية نفسها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يرى أن المشهد يبدو أكثر تعقيداً وخطورة، إذ لم يعد الانهيار الاقتصادي مجرد نتيجة مباشرة للحرب، وإنما أصبح أحد العوامل التي تسهم في استمرارها. فقد أدى تراجع الإنتاج وانهيار العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم والفقر إلى خلق بيئة مواتية لازدهار اقتصاد الحرب والاقتصاد الموازي، حيث تنمو شبكات التهريب والمضاربات والأنشطة غير الرسمية على حساب الاقتصاد الوطني المنظم. وفي مثل هذه الظروف تتراجع سلطة المؤسسات الرسمية لصالح قوى تمتلك المال والسلاح معاً.
كما يلفت إلى أن الانقسامات السياسية والجهوية والقبلية لعبت دوراً محورياً في إضعاف الدولة السودانية بسبب غياب المشروع الوطني الجامع وتغليب الولاءات الضيقة على مفهوم المواطنة. ويرى أن الخطاب السياسي والإعلامي المتشنج ساهم بدوره في تعميق حالة الاستقطاب، عبر توظيف خطاب الكراهية والتعبئة والانحياز، بدلاً من تعزيز قيم الحوار والتماسك الوطني.
وفي ما يتعلق بمؤسسات العدالة والقضاء والخدمة المدنية، يوضح أنها تعرضت لتآكل كبير نتيجة الحرب والاضطرابات المستمرة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على كفاءة الإدارة العامة واستقلالية المؤسسات العدلية. ومع ذلك يؤكد أن السودان ما يزال يمتلك رصيداً مهماً من الكفاءات المهنية والخبرات الوطنية القادرة ـ إذا توفرت الإرادة السياسية ـ على الإسهام في إعادة بناء مؤسسات الدولة مستقبلاً.
ويشير إلى أن أخطر مؤشرات الانهيار تتجلى اليوم في النزوح واللجوء الجماعي، واتساع رقعة الفقر، وتراجع الخدمات الأساسية، وغياب الأمن، وتفكك النسيج الاجتماعي، وهي جميعها مؤشرات ترتبط عادة بمراحل الانهيار العميق للدول. فالملايين الذين اضطروا إلى النزوح أو الهجرة لا يمثلون فقط أزمة إنسانية، بل يشكلون خسارة فادحة في رأس المال البشري والاجتماعي والاقتصادي للسودان.
كما يحذر من أن استمرار الحرب يهدد بتدمير قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة بصورة قد تحتاج إلى سنوات طويلة لمعالجتها. فالأجيال التي تُحرم اليوم من التعليم والاستقرار والرعاية الصحية ستكون الأكثر تأثراً بتداعيات هذه الحرب مستقبلاً، وهو ما يجعل الأزمة السودانية، في نظره، أزمة أجيال وليست مجرد أزمة ظرفية عابرة.
ولا يغفل نشأت الإمام أثر التدخلات الإقليمية والدولية التي أسهمت في تعقيد المشهد السوداني، سواء عبر تضارب المصالح أو من خلال دعم أطراف النزاع بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فكلما طال أمد الحرب ازداد خطر تحول السودان إلى ساحة صراع مفتوح للمصالح الإقليمية والدولية، بما يهدد سيادته ووحدته الوطنية.
ورغم قتامة المشهد، يؤكد أن إمكانية إعادة بناء الدولة السودانية ما تزال قائمة، لكنها تظل مشروطة بوجود مشروع وطني جديد يقوم على إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة على أسس العدالة والمواطنة وسيادة القانون. ويتطلب ذلك، بحسب رأيه، عملية سياسية شاملة لا تقصي أحداً، وإصلاحاً عميقاً للمؤسسات العسكرية والأمنية، واستعادة استقلال القضاء، وإعادة بناء الخدمة المدنية بعيداً عن التسييس والمحاصصة.
ويشدد على أن الأولوية العاجلة اليوم يجب أن تنصرف إلى وقف الحرب وحماية المدنيين والحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة، لأن استمرار الانهيار سيجعل تكلفة إعادة البناء أكثر تعقيداً وأعلى ثمناً. كما أن استعادة الثقة بين المواطن والدولة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر بناء مؤسسات شفافة وعادلة يشعر المواطن بأنها تعبّر عنه وتحمي حقوقه دون تمييز.
ويحمّل القوى السياسية والمجتمع المدني والنخب الفكرية مسؤولية تاريخية في هذه اللحظة المفصلية، ليس فقط في السعي إلى وقف الحرب، بل أيضاً في صياغة مشروع وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر عدالة واستقراراً.
ويختتم نشأت الإمام إفادته بالتحذير من أن استمرار الأوضاع الراهنة دون تسوية سياسية حقيقية خلال السنوات المقبلة قد يقود السودان إلى سيناريوهات أكثر خطورة، تشمل اتساع دائرة التفكك، وتصاعد النزاعات المحلية، وتآكل ما تبقى من مؤسسات الدولة، بما يهدد وحدة البلاد ومستقبلها. لكنه، في المقابل، يتمسك بقدر من الأمل، مؤكداً أن السودان بما يمتلكه من تاريخ عريق وموارد كبيرة وطاقات بشرية مؤهلة، لا يزال قادراً على النهوض مجدداً متى ما توفرت الإرادة الوطنية والرؤية السياسية الجامعة.

حاتم أيوب: إعادة بناء مؤسسات الدولة أمر ممكن اذا تم تبني مشروع وطني جديد
——
يرى الكاتب حاتم أيوب حسين أبو الحسن أن مؤسسات الدولة السودانية تعيش اليوم حالة من الإنهاك التاريخي غير المسبوق، بعد أن فقدت كثيراً من قدرتها على الإدارة والخدمة والحياد، وتحولت أجزاء واسعة منها إلى مؤسسات مرتبطة بالصراع أكثر من ارتباطها بوظائف الدولة ومقتضياتها الوطنية. ويشير إلى أن ما تبقى من الكفاءة المؤسسية يعتمد في معظمه على جهود فردية وبقايا بنية إدارية قديمة ما تزال تقاوم الانهيار، بينما يحتاج السودان في هذه المرحلة إلى إعادة تأسيس مؤسسات وطنية حقيقية يكون ولاؤها للمواطن وخدمته، لا لمراكز النفوذ والقوى المتصارعة.
ويؤكد أن الحرب الحالية لم تقتصر آثارها على إضعاف الدولة السودانية فحسب، بل ضربت فكرة الدولة نفسها في الصميم، إذ عمّقت الانقسام الجغرافي والاجتماعي، وأضعفت وحدة المؤسسات الرسمية، كما دفعت أعداداً كبيرة من السودانيين إلى البحث عن الحماية والأمان خارج إطار الدولة ومؤسساتها. ولذلك فإن المعركة الحقيقية في نظره لم تعد مجرد معركة لإيقاف الحرب، وإنما أصبحت معركة لاستعادة معنى الوطن المشترك وإعادة بناء الثقة في فكرة الدولة الوطنية الجامعة.
ويعتقد أن السودان تجاوز بالفعل مرحلة “الدولة الضعيفة”، وأصبح يقترب بصورة خطيرة من نموذج “الدولة الفاشلة”، نتيجة فقدان مؤسسات الحكم والخدمات والأمن لجزء كبير من قدرتها على إدارة البلاد بصورة موحدة وفعالة. ومع ذلك، يرى أن فرصة الإنقاذ ما تزال قائمة إذا توفرت الإرادة السياسية لبناء مشروع وطني جديد يقوم على مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية، بعيداً عن منطق الهيمنة والسلاح واحتكار السلطة.
ويشير إلى أن أبرز مظاهر تآكل سلطة الدولة خلال الفترة الأخيرة تتمثل في فقدان السيطرة الأمنية على مناطق واسعة من البلاد، وانهيار الخدمات الأساسية، وتراجع سلطة القانون، وظهور قوى مسلحة ومجتمعية أخذت تملأ الفراغ الذي تركته الدولة. كما أصبح المواطن يعتمد بصورة متزايدة على المبادرات المحلية والروابط الأهلية في تسيير شؤونه اليومية بدلاً من الاعتماد على المؤسسات الرسمية، وهو ما يعد مؤشراً خطيراً على تراجع دور الدولة المركزية وضعف حضورها في حياة المواطنين.
وفي ما يتعلق بتعدد القوى المسلحة، يرى أبو الحسن أن هذا الواقع أنهى عملياً احتكار الدولة لاستخدام القوة، وهو أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة. فقد أصبح السلاح موزعاً بين مراكز نفوذ متعددة ومتنافسة، الأمر الذي أضعف هيبة الدولة وفتح المجال أمام نشوء سلطات موازية تتحكم في الأمن والسياسة والاقتصاد. ومع مرور الوقت تحولت الدولة نفسها إلى طرف من أطراف الصراع بدلاً من أن تكون المظلة الوطنية الجامعة لكل السودانيين.
ويؤكد أن الانهيار الاقتصادي لم يعد مجرد أزمة معيشية عابرة، بل تحول إلى عامل مباشر في تفكك الدولة والمجتمع معاً. فعندما تنهار العملة وتتآكل الخدمات الأساسية ويغيب الأمان المعيشي، تتراجع ثقة المواطنين في الدولة وتتمدد سلطات السلاح والولاءات الضيقة على حساب المؤسسات الوطنية. ويرى أن الاقتصاد المنهار لا ينتج الفقر وحده، بل يخلق بيئة خصبة للحرب والانقسام والهجرة، ويضعف الإحساس بالوطن المشترك والانتماء الوطني.
كما يلفت إلى أن الانقسامات السياسية والجهوية والقبلية لعبت دوراً بالغ التأثير في إضعاف الدولة السودانية، لأنها نقلت الولاءات من إطار الوطن الجامع إلى إطار الجماعة والجهة والسلاح. ومع غياب مشروع وطني عادل يشعر فيه الجميع بالمساواة والانتماء، تحولت الخلافات السياسية والاجتماعية إلى صراعات مفتوحة أضعفت المؤسسات ومزقت النسيج الاجتماعي، حتى أصبحت الدولة عاجزة عن تمثيل جميع السودانيين بوصفهم مواطنين متساوين لا أطرافاً متنازعة.
ويرى أن مؤسسات العدالة والقضاء والخدمة المدنية تعرضت بدورها لتراجع كبير تحت ضغط الحرب والانقسام والانهيار الإداري، فأصبحت عاجزة في كثير من الأحيان عن حماية الحقوق وضمان العدالة وتقديم الخدمات بالكفاءة والاستقلالية المطلوبة. ومع ذلك يشير إلى أن بعض الكوادر الوطنية ما تزال تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من فكرة الدولة واستمراريتها، رغم بيئة يغلب عليها التسييس والفوضى وتآكل المؤسسات.
ويحذر من أن أخطر المؤشرات التي تنذر بانهيار الدول أصبحت واضحة في السودان اليوم، وفي مقدمتها فقدان احتكار السلاح، وانهيار الاقتصاد، وضعف المؤسسات، واتساع الانقسامات المجتمعية، وتراجع ثقة المواطنين في الدولة. ويرى أن هذه المؤشرات تضع البلاد أمام خطر حقيقي، لكنه ليس قدراً حتمياً إذا نجح السودانيون في بناء مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة على قاعدة العدالة والمواطنة.
أما فيما يتعلق بظاهرة النزوح واللجوء الجماعي، فيرى أنها ألحقت أضراراً عميقة بالبنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، إذ أدت إلى تفكك الأسر والمجتمعات المحلية، وتراجع فرص التعليم والعمل والإنتاج، وزادت الضغوط على المدن والخدمات والموارد المحدودة. كما خلقت الحرب موجات واسعة من الاقتلاع الإنساني أفقدت ملايين السودانيين الشعور بالاستقرار والانتماء، وهو ما يهدد مستقبل التماسك الاجتماعي وفكرة الوطن المشترك ذاتها.
ويؤكد أن الخطاب الإعلامي والسياسي يمكن أن يكون أداة لبناء الوطن أو وسيلة لتفكيكه، مشيراً إلى أن بعض الخطابات القائمة على الكراهية والتخوين والتحريض الجهوي ساهمت في تعميق الانقسام وإضعاف الثقة بين مكونات المجتمع السوداني. وفي المقابل يرى أن الخطاب الوطني الجامع القائم على الحقيقة والعدالة والمواطنة المتساوية يمثل أحد أهم مفاتيح حماية وحدة الدولة وبناء سودان جديد يتسع للجميع.
كما يشير إلى أن التدخلات الخارجية والإقليمية أسهمت بدرجة كبيرة في تعقيد الأزمة السودانية، إذ أدى تعدد المصالح والدعم المتباين للأطراف المتصارعة إلى إطالة أمد الحرب وتعميق الانقسام السياسي والعسكري. ويرى أن غياب الإرادة الوطنية المستقلة جعل السودان ساحة للتنافس الإقليمي والدولي، بينما يظل الحل الحقيقي مرهوناً ببناء مشروع وطني يضع مصلحة السودان فوق أي اصطفاف خارجي.
وفي الجانب الاقتصادي يعتقد أن اقتصاد الحرب والاقتصاد الموازي أصبحا في كثير من الجوانب أقوى من مؤسسات الدولة الرسمية نفسها. فالذهب والتهريب والجبايات والسلاح أوجدت مراكز قوة تمتلك المال والنفوذ والحماية أكثر مما تمتلكه مؤسسات الدولة. ويرى أن بناء سودان جديد لن يكون ممكناً إلا بإعادة الاقتصاد إلى سلطة الدولة والقانون، لا إلى سلطة السلاح والبندقية.
ويحذر من أن استمرار الحرب لا يدمّر الحاضر فقط، بل يسرق مستقبل السودان بالكامل، إذ إن انهيار التعليم يعني نشوء جيل محروم من أدوات المعرفة والنجاة، كما أن تدهور القطاع الصحي يهدد المجتمع بأكمله بالهشاشة والإنهاك، بينما يؤدي غياب الخدمات الأساسية إلى دفع المواطنين نحو النزوح والفوضى وفقدان الثقة في الدولة. والأخطر من ذلك أن الحقوق الأساسية للمواطن تتحول تدريجياً إلى امتيازات نادرة بدلاً من أن تكون حقوقاً مكفولة للجميع.
ورغم كل ذلك، يؤكد أبو الحسن أن إعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية تظل أمراً ممكناً، لكنها لن تتحقق بمجرد توقف القتال، بل تحتاج إلى تأسيس دولة تقوم على العدالة لا على الغلبة. ويرى أن من أهم شروط هذه العملية وجود جيش وطني واحد، ومؤسسات مستقلة، وعدالة حقيقية، واقتصاد شفاف، وإنهاء احتكار السلطة والثروة لصالح وطن يتساوى فيه الجميع. فالسودان، في تقديره، لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل إلى إعادة تأسيس فكرة الدولة نفسها.
ويشدد على أن الأولوية العاجلة اليوم تتمثل في وقف الحرب فوراً باعتباره شرط بقاء الدولة ذاتها، إلى جانب حماية المدنيين وتوفير الغذاء والدواء والمأوى لمنع الانهيار الإنساني، ثم إعادة تشغيل الحد الأدنى من الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والمياه والكهرباء بعيداً عن الصراع، وإطلاق مسار سياسي شامل يمنع احتكار السلطة من قبل أي طرف مسلح، فضلاً عن تفكيك اقتصاد الحرب الذي يغذي استمرار الأزمة ويطيل أمدها.
وفي ما يتعلق باستعادة الثقة بين المواطن والدولة، يرى أن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا عبر بناء دولة عادلة يشعر المواطن بأنها تحمي حقوقه وتخدم مصالحه دون تمييز. كما يحمّل القوى السياسية والمجتمع المدني مسؤولية كبيرة في حماية ما تبقى من مؤسسات الدولة، داعياً إلى الابتعاد عن الاصطفاف مع السلاح والعمل على حماية مؤسسات الخدمة العامة بدلاً من السيطرة عليها. ويرى أن المجتمع المدني، وخاصة المبادرات التطوعية، مطالب بلعب دور محوري في ترميم الحياة اليومية عبر التعليم والصحة والإغاثة، بينما ينبغي للقوى السياسية أن تنتقل من صراع السلطة إلى إدارة مرحلة انتقالية تحمي الدولة من التفكك.
ويختتم حاتم أيوب حسين أبو الحسن إفادته برسم صورة قاتمة لما قد يكون عليه السودان خلال السنوات الخمس المقبلة إذا استمرت الأوضاع الحالية دون تسوية سياسية حقيقية. فبحسب تقديره، تتجه البلاد نحو حالة من التفكك الوظيفي للدولة أكثر من اتجاهها إلى إعلان انهيار رسمي كامل. وستتعدد مراكز القوة، وتضعف سلطة الدولة المركزية لصالح سلطات أمر واقع تعتمد على القوة العسكرية والاقتصاد الموازي، بينما تستمر الخدمات الأساسية بصورة متباينة وغير عادلة، ويتوسع اقتصاد الحرب على حساب المؤسسات الرسمية. كما سيتحول النزوح إلى حالة دائمة تعيد تشكيل المجتمع والهوية والانتماء خارج إطار المواطنة. ويخلص إلى أن السودان، في حال استمرار هذا المسار، سيكون دولة أقل وحدة وأكثر تجزؤاً، تُدار فعلياً بالقوة والتوازنات الإقليمية أكثر مما تُدار بالمؤسسات الدستورية والقانونية.

الشفيع الأديب: الاعلام لعب الدور الأكبر في تعميق الأزمة
————————-
يرى الصحافي الشفيع الأديب أن مؤسسات الدولة السودانية تمر بمرحلة من التراجع الحاد في الكفاءة والقدرة التشغيلية نتيجة التداخل المعقد بين الحرب والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي. فالكثير من المؤسسات أصبحت عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية بصورة منتظمة، لا سيما في مجالات الأمن والصحة والخدمات العامة وإدارة الدولة، مع وجود تفاوت واضح بين الولايات والمناطق المختلفة من حيث مستوى الاستقرار وتوفر الخدمات، إلى جانب غياب المحاسبة والرقابة والعدالة.
ويؤكد أن الحرب الحالية تركت آثاراً عميقة على تماسك الدولة ووحدة مؤسساتها، إذ أدت إلى انقسام مراكز السلطة وتعطيل مؤسسات الحكم المدني والإدارة الحكومية، كما أضعفت مستويات التنسيق الإداري والأمني بين أجزاء واسعة من البلاد، وأسهمت في تراجع الشعور بوحدة الدولة لدى قطاعات كبيرة من المواطنين.
وبحسب الأديب، فإن السودان لا يزال في إطار الدولة الضعيفة، لكنه يقف على مقربة من مؤشرات الدولة الفاشلة. ويستند في ذلك إلى فقدان السيطرة على أجزاء من الأراضي، وتعدد المليشيات المسلحة، وغياب العدالة، وتدهور الخدمات الأساسية، والانهيار الاقتصادي، واتساع موجات النزوح واللجوء. ومع ذلك، يلفت إلى أن بعض المؤسسات ما تزال تعمل بصورة جزئية وتحافظ على حد أدنى من استمرارية الدولة.
ويشير إلى أن أبرز مظاهر تآكل سلطة الدولة تتمثل في ضعف السيطرة الأمنية، وانتشار السلاح، وتعدد المليشيات، وغياب معظم الخدمات الحكومية، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وضعف إنفاذ القانون، فضلاً عن تصاعد نفوذ المليشيات والحركات المسلحة، خاصة ذات الطابع القبلي، على حساب مؤسسات الدولة الرسمية.
كما يوضح أن تعدد القوى المسلحة أدى إلى إضعاف مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، وهو أحد أهم مرتكزات الدولة الحديثة، الأمر الذي انعكس مباشرة على هيبة المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية، وخلق واقعاً أمنياً معقداً تتحكم فيه قوى متعددة ذات مصالح وأجندات متباينة.
وعلى المستوى الاقتصادي، يرى الأديب أن آثار الانهيار كانت بالغة الخطورة، حيث أدى التضخم وارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة الوطنية وانخفاض فرص العمل إلى زيادة معدلات الفقر والهجرة والنزوح، كما أضعف قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية ودفع المرتبات والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
ويؤكد أن الانقسامات السياسية والجهوية والقبلية لعبت دوراً كبيراً في إضعاف الدولة السودانية، إذ أدى غياب التوافق الوطني وتصاعد الاستقطاب السياسي والجهوي إلى إضعاف الهوية الوطنية الجامعة، وفتح المجال أمام تصاعد النزاعات المسلحة والانقسامات داخل مؤسسات الدولة نفسها.
وفي ما يتعلق بمؤسسات العدالة والقضاء والخدمة المدنية، يرى أنها تعرضت لتراجع ملحوظ نتيجة ضعف الاستقرار الأمني وتعطل المحاكم ونزوح الكوادر المهنية وتراجع الموارد، كما تأثرت الخدمة المدنية بالتسييس والانقسام وفقدان الكفاءات، خصوصاً في ظل ما يصفه بتأثيرات الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة.
ورغم هذا الواقع الصعب، يعتقد الأديب أن بعض المؤسسات المدنية والخدمية والمالية ما تزال قادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الدولة، مستشهداً بخدمات السجل المدني والسفارات وبعض الإدارات المحلية، إلى جانب المبادرات المجتمعية التي تسهم في استمرار الحياة اليومية وتوفير الخدمات الأساسية.
ويحذر من أن السودان يواجه بالفعل عدداً من المؤشرات التي تنذر عادة بانهيار الدول، مثل فقدان السيطرة الأمنية، والانهيار الاقتصادي، والنزوح الجماعي، وضعف المؤسسات، وانتشار الجماعات المسلحة، وتراجع الخدمات الأساسية، وهي مؤشرات يراها متوفرة بدرجات مقلقة في المشهد السوداني الراهن.
ويشير إلى أن النزوح واللجوء الجماعيين خلفا آثاراً اجتماعية واقتصادية عميقة، تمثلت في الضغط على المجتمعات المستضيفة والخدمات المحدودة أصلاً، إلى جانب تفكك الأسر وفقدان مصادر الدخل والتعليم والاستقرار، الأمر الذي ستكون له تداعيات طويلة الأمد على المجتمع السوداني.
أما الخطاب الإعلامي والسياسي، فيرى أنه لعب دوراً مؤثراً في تعميق الأزمة، إذ ساهمت الخطابات التحريضية والاستقطابية في نشر الكراهية وتعزيز الانقسامات وتضليل الرأي العام، بينما ظل الخطاب الوطني الجامع محدود التأثير مقارنة بحجم التحديات التي تواجه البلاد.
وفي تقديره، فإن التدخلات الخارجية والإقليمية أسهمت بصورة مباشرة في تعقيد الأزمة السودانية، عبر تقديم الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري لأطراف الصراع، ما أدى إلى إطالة أمد الحرب وزيادة صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية وطنية مستقلة.
كما يرى أن الاقتصاد الموازي واقتصاد الحرب أصبحا في كثير من القطاعات أكثر نفوذاً من مؤسسات الدولة الرسمية، في ظل توسع أنشطة التهريب والفساد والأسواق غير الرسمية، مقابل تراجع قدرة الدولة على الرقابة والتحصيل وتنظيم النشاط الاقتصادي.
ويحذر الأديب من أن استمرار الحرب يهدد بإنتاج جيل كامل يعاني من ضعف التعليم والتربية الوطنية والرعاية الصحية، في ظل تدمير البنية التحتية وهجرة الكفاءات، وهو ما سيؤثر سلباً على التنمية والاستقرار لعقود مقبلة.
وعلى الرغم من حجم التحديات، فإنه يؤمن بإمكانية إعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية بعد انتهاء الحرب، شريطة توفر إرادة سياسية حقيقية، والتوصل إلى تسوية شاملة، وتنفيذ إصلاح مؤسسي واسع، وتحقيق العدالة الانتقالية، وتوفير الدعم الاقتصادي اللازم، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، إلى جانب إبعاد التيار الإسلامي عن مؤسسات الحكم بحسب رؤيته.
ويحدد الأولويات العاجلة في وقف الحرب وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والحفاظ على المؤسسات الحيوية، ومنع مزيد من التدهور الاقتصادي والأمني، إضافة إلى تشكيل حكومة مدنية قادرة على إدارة الدولة وإعادة بناء علاقاتها الخارجية.
كما يؤكد أن استعادة ثقة المواطن في الدولة تتطلب تعزيز الشفافية، وتحقيق العدالة، وتحسين الخدمات، وإشراك المواطنين في صنع القرار، وإنهاء الإفلات من العقاب، وبناء مؤسسات وطنية مهنية بعيدة عن الاستقطاب السياسي، مع حل المليشيات كافة وتأسيس جيش وطني موحد.
ويرى أن القوى السياسية والمجتمع المدني مطالبون بتغليب المصلحة الوطنية، ودعم الحلول السلمية، ورفض خطاب الكراهية، والعمل على حماية المؤسسات المدنية والخدمية، والمساهمة في بناء توافق وطني واسع يمهد لتأسيس دولة مستقرة وقادرة على النهوض من جديد.
وفي ختام إفادته، يحذر الشفيع الأديب من أن استمرار الأوضاع الحالية دون تسوية سياسية قد يقود السودان إلى مزيد من التفكك المؤسسي والاقتصادي والاجتماعي، واتساع دائرة النزوح والعنف، وتحول بعض المناطق إلى مراكز نفوذ متنافسة. لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن هذا السيناريو ليس قدراً محتوماً، وأن فرص الخروج من الأزمة ما تزال قائمة إذا توافرت إرادة وطنية حقيقية، وتم إبعاد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي، وحظي السودان بدعم إقليمي ودولي يسهم في الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة.

أبو القاسم طه: إعادة البناء تتطلب شخصية وطنية غير حزبية تتولى القيادة
يرى الصحافي ومعد البرامج أبو القاسم طه أن السودان يعيش اليوم حالة انهيار عميقة لمؤسسات الدولة، إلى درجة أنه لم يعد يرى وجوداً فعلياً لمؤسسات دولة بالمعنى المعروف. فبحسب تقديره، أصبحت مؤسسات الحكم موزعة بين القوى الموقعة على اتفاق جوبا والموالين للمؤتمر الوطني، بينما تفتقر هذه المجموعات إلى الكفاءة اللازمة لإدارة الدولة أو النهوض بمهامها الأساسية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أداء المؤسسات العامة وقدرتها على خدمة المواطنين.
ويؤكد أن الأزمة الحالية لم تبدأ مع اندلاع الحرب فقط، بل تعود جذورها إلى ما قبل ذلك، إذ يعتبر أن الدولة السودانية فقدت تماسكها منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، قبل أن تأتي الحرب لتقضي على ما تبقى من مؤسساتها وهياكلها الهشة، وتدفع البلاد إلى مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة.
ومن هذا المنطلق، لا يتردد أبو القاسم طه في وصف السودان بأنه دولة فاشلة بالفعل، معتبراً أن مظاهر الفشل لم تعد مجرد مؤشرات أو احتمالات، بل أصبحت واقعاً ملموساً يعيشه المواطن السوداني يومياً في مختلف مناحي الحياة.
ويعزو جزءاً من هذا التدهور إلى ما يصفه بسيطرة عناصر ضعيفة وغير مؤهلة على مواقع اتخاذ القرار، معتبراً أن اختيار الموالين بدلاً من أصحاب الكفاءة كان من أبرز مظاهر تآكل سلطة الدولة خلال السنوات الأخيرة، وأسهم بصورة مباشرة في تعميق الأزمة السياسية والإدارية.
كما يرى أن تعدد القوى المسلحة أدى إلى تعدد مراكز القرار داخل البلاد، حيث أصبحت كل مجموعة تتمسك بمصالحها الخاصة على حساب المصلحة الوطنية العامة، الأمر الذي انعكس سلباً على هيبة الدولة وأضعف قدرتها على فرض سلطتها وسيادتها على كامل أراضيها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يشير إلى أن المواطن السوداني أصبح يدفع الثمن الأكبر للحرب والانهيار الاقتصادي، في ظل ما يراه غياباً للجدية الحكومية في البحث عن بدائل اقتصادية أو تقديم حلول حقيقية للأزمة المتفاقمة، وهو ما فاقم من معاناة المواطنين وزاد من حدة الأوضاع المعيشية.
ويعتقد أن الانقسامات السياسية والجهوية والقبلية أسهمت بصورة كبيرة في إضعاف الدولة، إذ تحولت إلى عوامل مؤثرة في الصراع، وأصبحت العديد من المجموعات تسعى إلى فرض نفوذها والسيطرة على الأرض بقوة السلاح، بدلاً من الاحتكام إلى المؤسسات والقوانين.
وفي تقييمه لأداء مؤسسات العدالة والقضاء، يذهب أبو القاسم طه إلى أنه لم تعد هناك مؤسسات عدلية مستقلة، بل إن القضاء والنيابة ـ بحسب رؤيته ـ يعملان لخدمة استمرار الحكم العسكري وترسيخ سلطته، الأمر الذي أضعف الثقة في العدالة ومؤسساتها.
ولا يرى أن هناك مؤسسات قادرة حالياً على الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الدولة السودانية، معتبراً أن حالة الانهيار شملت معظم مفاصل الدولة، وأن المؤسسات القائمة لم تعد تملك القدرة على القيام بالدور المطلوب منها في حفظ تماسك البلاد أو حماية وحدتها.
ويحذر من أن من أخطر المؤشرات التي تنذر بانهيار الدول تمكين الفاسدين من مفاصل السلطة، معتبراً أن السودان يشهد عودة لسياسات التمكين بصورة أوسع مما كان عليه الحال في عهد الرئيس السابق عمر البشير، ويرى أن ذلك يمثل أحد أبرز ملامح الأزمة الراهنة.
أما النزوح واللجوء الجماعي، فيرى أنهما تسببا في فقدان الدولة لأعداد كبيرة من المنتجين والقوى العاملة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني نتيجة تراجع الإنتاج واعتماد أعداد متزايدة من المواطنين على المساعدات والإعانات الإنسانية.
ويلقي أبو القاسم طه باللوم على الخطاب الإعلامي الموالي للحكومة، معتبراً أنه أسهم في إطالة أمد الحرب وتعميق الانقسام، وهو ما ساعد على تسريع وتيرة الانهيار. ويرى أن البلاد تحتاج إلى خطاب إعلامي جديد يعمل على إيقاف الحرب وتهيئة المناخ لعودة الحكم المدني وبناء الدولة من جديد.
وفي ما يتعلق بالتدخلات الخارجية، يعتقد أن المصالح الإقليمية وتدخلات دول الجوار تمثل السبب الرئيسي في نشوب الحرب واستمرارها، مشيراً إلى أن كثيراً من السياسات المرتبطة بأطراف النزاع باتت تتأثر بصورة مباشرة بأجندات ومصالح خارجية.
كما يؤكد أن اقتصاد الحرب أصبح أكثر قوة وتأثيراً من مؤسسات الدولة الرسمية، وأن اعتماد الدولة على هذا النمط من الاقتصاد ساهم في انتشار الرشاوى والفساد وترسيخ شبكات المصالح المرتبطة باستمرار الصراع.
وفي نظره، فإن آثار الحرب على قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية بلغت مستويات كارثية، إذ يرى أن هذه القطاعات تكاد تكون غائبة بالكامل في الوقت الراهن، وأن استمرار الحرب سيقود إلى مزيد من الانهيار في الخدمات التي أصبحت شبه منعدمة بالفعل.
ورغم الصورة القاتمة، يعتقد أبو القاسم طه أن إعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية تظل ممكنة بعد انتهاء الحرب، لكنها تحتاج إلى تخطيط استراتيجي واضح، وإرادة قوية، والالتزام بقيم الشفافية والنزاهة في إدارة المرحلة المقبلة.
ويشدد على أن الأولوية القصوى لمنع الوصول إلى الانهيار الكامل تتمثل في وقف الحرب أولاً، إلى جانب إبعاد المؤسسة العسكرية عن إدارة الدولة وفتح المجال أمام مسار مدني قادر على قيادة عملية إعادة البناء.
أما استعادة الثقة بين المواطن والدولة، فيراها مرتبطة بظهور شخصية وطنية مستقلة وغير حزبية تتولى قيادة عملية إعادة بناء السودان على أسس جديدة، وتعيد للمواطنين شعورهم بأن الدولة تعمل من أجلهم لا من أجل القوى المتصارعة.
كما يؤكد أن القوى السياسية مطالبة قبل أي شيء آخر بتوحيد صفوفها والعمل على إنهاء الحرب بعيداً عن الحسابات الضيقة والمصالح الحزبية، معتبراً أن أي مشروع لإنقاذ السودان لن ينجح ما لم تُقدَّم المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة.
وينهي أبو القاسم طه رؤيته بتحذير شديد اللهجة من المستقبل، إذ يعتقد أن استمرار الأوضاع الحالية دون تسوية سياسية سيقود إلى اختفاء السودان بصورته المعروفة خلال سنوات قليلة. بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك حين يؤكد أن ما تبقى من الدولة قد لا يصمد لعام واحد إذا استمرت الحرب بالوتيرة نفسها، معتبراً أن البلاد تقف اليوم على حافة انهيار غير مسبوق يهدد وجودها ووحدتها ومستقبلها.

مازن عبد المنعم: تسيس المؤسسات أدى الى فقدان الثقة بين المواطن والدولة
—————–
يرى المهندس مازن عبد المنعم أن مؤسسات الدولة السودانية تعيش اليوم واحدة من أصعب مراحلها، ليس فقط بسبب الحرب وما خلفته من دمار مادي واسع، وإنما بسبب ما أصاب البنية الإدارية نفسها من اختلال عميق. فمعظم مقار المؤسسات الحكومية تعرضت للتدمير أو الضرر، كما أن فقدان الملفات والسجلات والوثائق، في ظل غياب منظومات حفظ ونسخ احتياطية فعالة، يجعل من الصعب إعادة تشغيل الجهاز الإداري بالكفاءة المطلوبة أو استعادة دورة العمل المؤسسي بالصورة التي كانت عليها قبل الحرب.
ويعتقد أن الحرب تركت آثاراً كبيرة ومباشرة على تماسك الدولة السودانية ووحدة مؤسساتها، إذ أضعفت الروابط التي كانت تجمع أجهزة الدولة المختلفة، ودفعت البلاد إلى حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار انعكست على مختلف مستويات الإدارة والحكم.
وبحسب رؤيته، فإن السودان ما يزال أقرب إلى توصيف “الدولة الضعيفة” منه إلى “الدولة الفاشلة”، غير أن هذا الضعف يرتبط بصورة أساسية بحالة عدم الاستقرار السياسي التي ظلت تلازم البلاد وتؤثر على قدرة مؤسساتها على أداء وظائفها بصورة طبيعية.
ويشير إلى أن من أبرز مظاهر تآكل سلطة الدولة خلال الفترة الأخيرة حالة التداخل الواضح في الاختصاصات، إلى جانب الهيمنة المتزايدة للأجهزة الأمنية على مختلف الخطط والقرارات العامة، وهو ما أدى إلى حالة من التخبط الإداري وإضعاف كفاءة مؤسسات الدولة، فضلاً عن تعطيل آليات اتخاذ القرار بصورة رشيدة ومنظمة.
ويرى أن تعدد القوى المسلحة وما صاحب ذلك من اضطراب سياسي وأمني انعكس بصورة مباشرة على هيبة الدولة، كما أسهم في تعميق التردي الاقتصادي وزيادة مظاهر الارتباك الإداري التي أصبحت سمة ملازمة للواقع السوداني الراهن.
ويؤكد أن الانهيار الاقتصادي كان من أكثر العوامل تأثيراً على استقرار الدولة والمجتمع، إذ أدى إلى توقف قطاعات واسعة من الإنتاج، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع النشاط الاقتصادي بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي فاقم من معاناة المواطنين وزاد من هشاشة الأوضاع العامة.
كما يلفت إلى أن الانقسامات السياسية والجهوية والقبلية لعبت دوراً خطيراً في إضعاف الدولة، حتى وصلت آثارها إلى حد ما يمكن وصفه بانشطار الدولة السودانية وتآكل وحدتها السياسية والاجتماعية.
وفي تقييمه لأداء مؤسسات العدالة والقضاء والخدمة المدنية خلال الحرب، يرى أن هذه المؤسسات أصبحت تعاني من حالة انحياز واضحة لصالح مؤيدي الحرب، وهو ما أضعف الثقة العامة في استقلاليتها وأثر على قدرتها في أداء دورها المهني والوطني.
ورغم هذا الواقع القاتم، يعتقد أن القوى المدنية ما تزال تمثل إحدى الركائز القليلة القادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الدولة السودانية، باعتبارها حاملة لفكرة الدولة المدنية والقادرة على الإسهام في حماية ما تبقى من مؤسساتها.
ويحذر من أن معظم المؤشرات التقليدية المرتبطة بانهيار الدول أصبحت حاضرة بوضوح في المشهد السوداني، مشيراً إلى أن الأخبار المتداولة حول استغلال السلطة وتجاوزات أصحاب النفوذ تمثل نماذج واضحة على مظاهر التآكل التي تصيب مؤسسات الدولة وتضعف شرعيتها.
أما فيما يتعلق بظاهرة النزوح واللجوء الجماعي، فيرى أنها تحتاج إلى دراسات علمية واستبيانات متخصصة لقياس آثارها بدقة، غير أنه يؤكد أن حجم المأساة الإنسانية وما تحمله قصص النزوح من معاناة يكفي للدلالة على التأثيرات الخطيرة التي طالت المجتمع السوداني بأسره وتركت بصماتها على البنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد.
ويمنح الخطاب الإعلامي والسياسي أهمية كبيرة في هذه المرحلة، معتبراً أن لهما أثراً بالغاً في تعزيز وحدة الدولة أو تقويضها، وأن طبيعة الرسائل التي يتم بثها إلى الرأي العام يمكن أن تسهم إما في ترميم النسيج الوطني أو في تعميق الانقسامات القائمة.
كما يذهب إلى أن التدخلات الخارجية والإقليمية تمثل، في تقديره، السبب الأول في تعقيد الأزمة السودانية، وأن تأثيرها كان حاسماً في تطور الأحداث وإطالة أمد الصراع.
ويعتقد أن الاقتصاد الموازي واقتصاد الحرب أصبحا بالفعل أقوى من مؤسسات الدولة الرسمية، حيث نجحت شبكات المصالح المرتبطة بالحرب في فرض حضورها ونفوذها على حساب الاقتصاد المنظم الذي يفترض أن تديره مؤسسات الدولة.
وعن مستقبل التعليم والصحة والخدمات الأساسية، يحذر من أن استمرار الحرب سيقود إلى تدهور كامل لهذه القطاعات، لاسيما قطاع التعليم الذي يراه الأكثر عرضة للخسائر طويلة المدى، بينما كانت قطاعات الصحة والخدمات الأساسية تعاني أصلاً من ضعف مزمن حتى قبل اندلاع الحرب.
ورغم حجم التحديات، لا يستبعد إمكانية إعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية بعد انتهاء الحرب، لكنه يربط ذلك بامتلاك السودانيين أنفسهم الإرادة السياسية والوطنية اللازمة لإنجاز هذه المهمة التاريخية.
ويؤكد أن الأولوية العاجلة لمنع الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل تتمثل ببساطة في وقف الحرب، باعتبارها المصدر الرئيسي لكل الأزمات التي تواجه الدولة والمجتمع.
أما استعادة الثقة بين المواطن والدولة، فيرى أنها لن تتحقق إلا عبر تغيير كامل وشامل لمنظومة الحكم، بما يفتح الباب أمام بناء نظام جديد يستجيب لتطلعات السودانيين ويعالج أسباب الأزمة من جذورها.
وفي ما يتعلق بدور القوى السياسية والمجتمع المدني، يشدد على أهمية استمرار الخطاب السياسي والإعلامي الهادف إلى توعية المواطنين ورفع مستوى إدراكهم بحجم المخاطر التي تواجه البلاد، بما يساعد على حماية ما تبقى من مؤسسات الدولة ومنع انهيارها.
ويختتم رؤيته بالتحذير من أن استمرار الأوضاع الحالية دون تسوية سياسية حقيقية قد يقود السودان خلال السنوات الخمس المقبلة إلى سيناريو بالغ الخطورة يتمثل في الانهيار الكامل للدولة وتفككها إلى دويلات متعددة، وهو مصير يراه وارداً إذا استمرت الحرب وتواصل غياب الحلول الوطنية الشاملة.





