خندق أخضر كيف تحولت بساتين المنازل في الدمازين إلى خط دفاع أخير ضد تداعيات الحرب

 

بقلم: البشير دهب

بينما كانت المدافع تعيد رسم حدود الجغرافيا بالحديد والنار في إقليم النيل الأزرق، كانت زينب غزالي تعيد رسم حدود فناء منزلها في حي السوق الشعبي بالدمازين ليس بالأسلاك الشائكة بل بأشجار الليمون والمانجو  لم تعد الزراعة مجرد نشاط اقتصادي أو هواية ريفية بل تحولت إلى “فعل مقاومة” واستراتيجية بقاء ذكية لمواجهة تداعيات نزاع أنهك القدرة الشرائية للمواطنين .

تحت ظلال متقطعة يلقيها شريط النيل الأزرق على أرض أرهقها الصراع، تقف زينب تراقب شتلاتها بخفة تقطف ثمار المانجو والليمون الناضجة وهي تنبض بحياة أكبر من مساحة فناء منزلها الصغير وُلد هذا المشهد من رحم سنوات الحرب الطويلة، حيث افترش الناس الأرض وتغيرت علاقتهم بالبيئة المحيطة  بالنسبة لزينب لا تُعتبر الأشجار فقط مصدر للغذاء  بل أصبحت رئة يتنفس من خلالها الأمل وسط غبار المعارك.

“قبل الحرب كانت هذه الأرض  مساحة عادية نزرعها  عفوياً تهمس زينب “لكنها اليوم أصبحت شريان حياتنا  في الأيام التي حوصرنا فيها وانقطعت عنا الإمدادات  كانت هذه الثمار هي ما يسد رمقنا  وتحت ظلها وجدنا الملاذ حين انقطعت الكهرباء واشتد الهجير” تحول هذا بفعل الضرورة القاسية إلى “خطة طوارئ” يومية ترمم ما أفسده ضعف خدمات الدولة  بدأت زينب الزراعة المنزلية قبل عشرة سنوات بشتلة مانجو، لكنها موخرًا أضافت شتلات جديدة.

بحت المقصلة: كيف تنهيئة تش الحرب رئة الإقليم؟

خلف أسوار منزل زينب يواجه الإقليم بأكمله كارثة بيئية صامتة الحرب التي استنزفت البشر لم تترك الحجر ولا الشجر في حالهما  بالرغم من هشاشة النظم البيئية النهرية في النيل الأزرق قبل النزاع نتيجة التصحر وتآكل الضفاف  إلا أن الصراع المسلح الأخير عمل كـ “مسرّع” لهذا الانهيار ويتطابق هذا التدهور الميداني مع تحذيرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) الذي أشار إلى أن النزاعات المسلحة تسرع فقدان التنوع الحيوي، مما يجعل استعادة النظم البيئية مهمة تستغرق عقوداً.

مع تواري مؤسسات الحوكمة البيئية وغياب الرقابة، تعرض الغطاء النباتي لضغوط غير مسبوقة:

القطع القهري: تحولت الغابات إلى مصدر وحيد للطاقة (حطب وفحم) بعد توقف إمدادات الغاز.

النزوح والضغط الرعوي: أدى التشريد الجماعي للسكان والماشية إلى رعي عشوائي جائر استنزف قدرة الأرض على التجدد.

تآكل البنية التحتية: إهمال “الكنتورية” والمصائد المائية التقليدية جعل التربة عرضة للانجراف مع كل فيضان.

قال الرشيد عبد المجيد  رئيس الجمعية السودانية لحماية البيئة بالنيل الأزرق لجيسكا :  “قبل الحرب كانت هناك جهود رسمية رغم محدوديتها لحماية الغابات  لكن الصراع خلق فراغاً إدارياً أتاح استغلال الموارد بلا ضوابط، ما أثر بشكل مباشر على توازن المياه والتربة”. وتتجلى مأساة هذا الفراغ في مناطق مثل “العزارة” شرق الروصيرص حيث تسبب قطع غابة “النور” في تقلص المساحات الزراعية للأهالي بنسبة 40%، محولاً الأرض المنتجة إلى مساحات قاحلة، بحسب الرشيد. 

إرث الأجداد.. “شيفرة” البقاء في زمن الفوضى

مع صعوبة الواقع لم ينتظر المزارعون حلولاً من الخارج  بل استدعوا معارفهم التقليدية المتوارثة كخط دفاع أخير  هذه “المقاومة بالخضرة” تعتمد على أدوات أثبتت فعاليتها حيث فشلت الحلول التقنية الحديثة. من الزراعة الموسمية المرنة التي تتحسس نبض الأمطار إلى تقنيات حصاد المياه التقليدية (التروس) التي توجه المياه إلى جوف الأرض بدلاً من تركها تجرف السطح.

ويتجلى هذا الوعي البيئي الفطري في تجربة زينب مع النحل؛ فبعد أن كانت تحاول طرده، أدركت أنه “شريك إنتاج”. تقول زينب: “فهمنا أن وجود النحل يعني تلقيحاً أفضل لثمارنا، فتركناه يشاركنا المكان، فزادت بركة  ثمار اشجارنا “. هذا التناغم يثبت أن المعرفة المحلية قادرة على التطور والاستجابة للتحديات الجديدة.

 

ولم يكتفِ السكان بالبذور، بل أعادوا تدوير مخلفات المطبخ وروث الماشية لإنتاج سماد عضوي (كمبوست) محلي  يوزع على الشتلات والأشجار كما فعل  زينب وسامي متجاوزين أزمة انقطاع الأسمدة الكيميائية المستوردة  في دورة زراعية مغلقة تعيد للتربة حيويتها دون تكلفة 

النظام البيئي المصغر كخيار استراتيجي

الكثير من الجيران بدأوا يتبادلون خبراتهم حول الزراعة المنزلية، ما خلق شبكة صغيرة للصمود المجتمعي في حي السوق الشعبي. لم تتوقف تجربة زينب عند عتبة بيتها، بل تحولت إلى نموذج ملهم لجيرانها. سامي العاقب  أحد سكان الحي  قرر بعد رؤية “واحة زينب” أن يبني نظامه الغذائي الخاص، زرع تشكيلة متنوعة (ليمون، مانجو، جوافة، رمان، وموز)، وأرفقها بقفص لتربية الحمام والدجاج  هذا “النظام البيئي المصغر” هو إعلان استقلال عن أسواق أرهقها الغلاء وعدم اليقين  إنه  كبناء “أمن غذائي” داخل أسوار المنزل.

ويتماشى هذا مع تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) التي تشير إلى أن تعطل حركة التجارة الداخلية في السودان أدى إلى عجز حاد في المدخلات الزراعية  مما جعل المبادرات المنزلية آلية دفاعية أساسية لمواجهة الفجوة الغذائية. بالنسبة لسامي توفر حديقة المنزل ما يعادل 40% من احتياجات الأسرة الغذائية الأساسية.

في ظل تضخم جامح تجاوز 300%، تحولت هذه الثمار من رفاهية إلى عملة صعبة؛ فما تنتجه شجرة ليمون واحدة في فناء زينب يعادل شراء سلة خضروات أسبوعية كانت ستكلف الأسرة نصف دخلها المحدود، مما يجعل الحديقة (بنكاً غذائياً) لا يتأثر بانهيار العملة  حيث يتبادل الجيران الفائض من المانجو مقابل الليمون مما خلق شبكة تضامن اجتماعي تبدو كأنها “دبلوماسية خضراء” غير رسمية ساعدت على ترميم التمزق الذي أحدثته الحرب في النسيج المجتمعي للمدينة.

على غرار الجهود الفردية، كانت المبادرة الجماعية لتشجير الطرقات الرئيسية في مدينة الروصيرص بأشجار المانجو تواجه تحديات كبيرة على الأرض  بحسب  عضو المبادرة إيهاب سيسيبو لجيسكا القرن قال : ” إن ضعف التنسيق بين الجهات المعنية  مثل إدارة الكهرباء والمياه والجهات النظامية، إضافة إلى الحاجة لإقناع المواطنين بجدوى المبادرة، جعل الإنجاز بطيئًا  خاصة مع تأثير الوضع الأمني ونقص الموارد  توقف العمل مؤقتًا بسبب نقص الأقفاص والشتول وتدخل بعض المواطنين نتيجة فهم خاطئ لأهداف المشروع”

 

أي توقف طويل يعرض العديد من الأشجار للفقدان، مما يزيد الضغط على البيئة المحلية ويرفع درجات الحرارة نتيجة التعرية وقطع أشجار النيم المنتشرة على الطرقات، ما يؤكد أن نجاح المبادرات البيئية يعتمد على تضافر جهود الجميع وليس على العمل الميداني فقط.

 

الزراعة على الحافة: هاشم يعاتب النيل

 

على بعد 18 كيلومتراً من خزان الروصيرص  تأخذ المعركة شكلاً آخر في مزرعة هاشم محمد  هناك يواجه هاشم تقلص أرضه بسبب تغير مجرى النهر والتعرية الناتجة عن تعلية سد الروصيرص، حيث كانت فيضانات خريف 2025 قاسية حسب وصفه؛ فبدلاً من جلب “الطمي” الذي يخصب التربة، كانت الفيضانات تجرف الأرض وتقتلع الأشجار.

 

اليوم يحاول هاشم استعادة أمتار من أرضه التي ابتلعها النهر في معركة صامتة ضد التعرية لا تقل ضراوة عن معارك الميدان، خاصة في ظل انقطاع طرق التصدير وتوقف تجارة الموز التي كانت تصل يوماً إلى السعودية  يشير هاشم بيده إلى نقطة في باتجاه ضفاف النيل الأزرق ويقول: “هناك كانت تقع حدود مزرعتي قبل عشر سنوات” تداخل الحرب مع نقص عمليات (الترس والمكافحة) لتعرية الضفاف جعل النهر يزحف سنوياً بمعدل أمتار داخل الأراضي الزراعية هذا التآكل الهيدروليكي للتربة  مضافًا إليه غياب الآليات الحكومية التي كانت تقوم بتنظيف القنوات جعل المزارع في مواجهة منفردة مع الطبيعة الغاضبة، مما حول الاستثمار في الأشجار الدائمة مثل الموز إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر ما يواجهه هاشم هو ما يصفه معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) بـ “الهشاشة البيئية المزدوجة”.

 

الحياة تضرب جذورها بعمق

يقدر المهندس الزراعي معاوية إبراهيم أن المناطق التي شهدت مبادرات زراعية مجتمعية أظهرت تعافياً جزئياً بنسبة تصل إلى 20%. وهذا الرقم، رغم تواضعه، يحمل دلالة كبرى؛ فحماية البيئة في النيل الأزرق  هي فعل مقاومة هادئة وضرورة للبقاء.

في أوقات الأزمات عندما ينجح  السكان في تحويل أفنية المنازل إلى وحدات إنتاجية مستقلة يمثل درسًا للمؤسسات الدولية بضرورة الانتقال من “منطق الإغاثة” إلى “منطق السيادة” عبر توطين المدخلات ودعم المعرفة المحلية.

إن تجربة “الخندق الأخضر” تثبت أن الصمود البيئي يمكن أن يكون أداة للبقاء وأن إرادة الإنسان حين تتحد مع الطبيعة تصنع الأمل. البذور التي تُغرس في عز الحرب بوعي أصحابها هي وحدها التي ستثمر كرامة وسلامًا حين تصمت المدافع، مؤكدة أن الاستثمار في الإنسان والأرض هو الضمانة الوحيدة لتقليل تكلفة التعافي المستقبلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى