هلال مريخ بين ركام الحرب ومدرجات الحياة..

الخرطوم – الزين عثمان
من ليبيا إلى تنزانيا، ومن جنوب السودان إلى موريتانيا ورواندا، طاف الهلال والمريخ، قطبا أم درمان والسودان، في جغرافيا المنافي الكروية قبل أن ينتهي بهما المطاف في الخرطوم؛ المدينة التي شهدت ميلاد بطولات إفريقيا وميلاد اتحادها القاري. وبعد ثلاث سنوات من الغياب، عاد الموج الأزرق والمارد الأحمر إلى موطن الحكاية الأولى، مرددين العبارة التي تختصر معنى العودة كله: “الوطن هو المكان الذي تنتهي عنده كل محاولاتك للهروب”.
في الأربعاء الفائت، بدت شوارع الخرطوم جميعها وكأنها تنتهي عند “الاستاد”. مفارقة المكان أنه كان في زمن مضى مجرد موقف مواصلات تعج أركانه بالضجيج، لكنه ظل في ذاكرة السودانيين مساحة مكتظة بالفخر. ففي هذا المكان ولدت أول بطولة لكأس الأمم الإفريقية، ومن هنا خرجت إلى النور فكرة تأسيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم “كاف” في خمسينيات القرن الماضي.
هنا الخرطوم؛ “جنة رضوان” التي نسي أحدهم أن يكتب على بواباتها: “مرحباً بكم في الجحيم”. جحيم بنت مقرن النيلين الذي بدأ في الخامس عشر من أبريل مع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ومنذ تلك اللحظة، ما يزال أهلها ينتظرون شروق أحدٍ جديد يحمل معه السلام والأمان، بينما يخبئون وسط الموت عبارتهم الأثيرة: “وأجمل ما في الحرب نهايتها”.
قطع الستيني عبد القادر أكثر من أربعين كيلومتراً ليصل إلى منطقة الاستاد في قلب الخرطوم لمتابعة نهائي بطولة النخبة بين الهلال والمريخ. وبينما كان يهبط من الحافلة القادمة من جبل أولياء، قال لـ”أفق جديد”: “نحن نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلاً”، قبل أن يضيف بإصرار: “سننتزع حياتنا انتزاعاً”.
وعند أطلال المكان التي ما تزال آثار الحرب وحريقها تحيط بها من كل جانب، جلس الرجل يحتسي كوباً من العرديب في طريقه إلى المباراة، ثم ابتسم قائلاً: “من قرروا أن يدفنوننا مع طلقة حربهم الأولى نسوا أننا بذور”. وأضاف: “سننبت من أول جديد”. وبينما كان يناقش صبياً صغيراً حول مآلات المباراة ونتيجتها، ختم حديثه قائلاً: “أنا لا أصدق أننا عدنا مرة أخرى… وعادت الخرطوم”.
ولم تكن قصة عبد القادر سوى مرآة لقصص عشرات الآلاف من السودانيين الذين توافدوا إلى المنطقة يومها. عبارة “هرمنا في انتظار هذه اللحظة” كانت تتردد على ألسنة جماهير الهلال والمريخ التي احتشدت في استاد حليم شداد بالعاصمة الخرطوم لمتابعة أول مواجهة تجمع الغريمين داخل السودان منذ اندلاع حرب أبريل.
المباراة التي أقيمت في نهائي دوري النخبة السوداني بدت وكأنها تعيد صياغة رسالة الشعب إلى نخبة سياسية تصنع الموت وتمتطي الدماء في طريقها نحو السلطة والتسلط.
فما جرى يوم الأربعاء لم يكن مجرد مباراة كرة قدم انتهت بتتويج الهلال بالبطولة وخسارة المريخ، بل بدا وكأنه مجموعة من المواجهات المتداخلة داخل مواجهة واحدة. كان تجسيداً لمعركة أخرى تخوضها الخرطوم في وجه الموت، ورسالة واضحة من الذين وصلوا إلى المدرجات مفادها أن الحياة هي الخيار الذي يستحقونه، لا الموت الذي فرض عليهم.
عودة الهلال والمريخ إلى السودان لم تكن حدثاً عادياً في بلد يعيش أوضاعاً غير عادية. المباراة نفسها تحولت إلى مادة للدعاية بين المتنازعين على جثة الوطن. فهناك من رأى فيها دليلاً على عودة الحياة إلى طبيعتها وأن الأمور أصبحت تحت السيطرة، مستشهداً بالحشود التي ملأت المدرجات.
ولم تترك الحكومة المناسبة تمر دون استثمارها سياسياً؛ إذ دفعت برئيس الوزراء كامل إدريس إلى الملعب لتسليم الكأس للبطل ومخاطبة الجماهير. وكان قد سبقه إلى المكان ذاته رئيس مجلس السيادة الذي حضر مباراة أهلي مدني وهلال بورتسودان وتعهد بتذليل العقبات التي تواجه النشاط الرياضي.
اختار كامل إدريس والوزراء المرافقون له الجلوس في المقصورة الرئيسية لملعب جرى تجهيزه على عجل، بينما كان الشعب السوداني في المدرجات يصنع الحدث بطريقته الخاصة، بعيداً عن المنصات الرسمية والخطابات السياسية.
وبالنسبة لياسر، مشجع الهلال الشاب، فإن ما يحدث يتجاوز حدود مواجهات الهلال والمريخ المعتادة. يقول وهو يتوشح شعار فريقه: “أنا غير مصدق أننا عدنا مرة أخرى إلى مدرجات الكرة السودانية”. ويضيف أن هذه الكرة قد لا تشبه كثيراً ما يشاهده الناس في ملاعب العالم، لكنها تظل جزءاً أصيلاً من حياتهم ووجدانهم.
ويرى ياسر أن الحدث يمثل استعادة لجزء مفقود من تفاصيل الحياة اليومية، وخطوة نحو تطبيع الواقع، لكنه يستدرك قائلاً: “حياتنا نحن من يطبعها، وليست سياسات الحكومة”. ثم يشير إلى الجماهير المحتشدة حوله ويضيف: “هؤلاء اقتطعوا من أجسادهم ليكونوا هنا”. ويختم حديثه قائلاً: “أنا وكثيرون وصلنا إلى الملعب ركوب رأس، ورسالتنا واحدة: رغم كل الصعوبات ما زلنا قادرين على أن نعيش حياتنا”.
حديث ياسر عن “ركوب الرأس” بدا واقعاً ملموساً لكل من تتبع طرق الوصول إلى الاستاد. ففي ظل حرارة تلامس حد الغليان، وأزمة وقود خانقة تلقي بظلالها على تعرفة المواصلات، ومخاوف مستمرة من استهداف التجمعات بمسيرات الدعم السريع التي عادت لتزيد من ضغوط الحياة في الخرطوم، لم يكن الوصول إلى الملعب مهمة سهلة.
يقول معتز إن حضوره المباراة كلفه نحو أربعين ألف جنيه بين المواصلات وثمن التذكرة. ورغم أنه لا يعمل حالياً، شأنه شأن آلاف المقيمين في الخرطوم، فإنه كان أكثر إصراراً على الحضور، ليس فقط لمتابعة المباراة، بل للاطمئنان على منطقة وسط الخرطوم التي لم يزرها منذ الطلقة الأولى للحرب.
وفي المقابل، انتقد كثيرون إقامة المباراة في ظل الظروف التي تعيشها العاصمة. فبالنسبة لهم، لا تمثل كرة القدم أولوية في بلد يواجه أزمات اقتصادية وتعليمية وصحية متفاقمة، بينما تعاني مؤسسات تقديم الخدمات من صعوبات كبيرة، وتنقطع الكهرباء بصورة مستمرة، ويضطر المواطنون إلى قطع مسافات طويلة للحصول على مياه الشرب.
ومن هذا المنطلق، يرى منتقدو الحدث أن وجود رئيس الوزراء في استاد الخرطوم لا يعدو كونه محاولة للهروب من الملاعب الحقيقية التي ينبغي أن يكون حاضراً فيها.
انتهت مباراة القمة في بلد تبدو فيه السلطة عند قاع الاهتمام بحياة مواطنيها. بلد يدفع فيه الناس فاتورة حضور المباريات كما يدفعون قبلها فاتورة الحرب وفاتورة السلام المنقوص. يدفعون ثمن الكهرباء لشحن هواتفهم حتى يتمكنوا من قراءة خبر جديد أو تصريح منسوب لرئيس مجلس السيادة يتحدث عن جهات متورطة في صناعة الأزمات.
لكن وسط كل ذلك يظل سؤال أكبر معلقاً في فضاء الخرطوم: إذا كانت الحكومات تعرف أن هناك من يصنع الأزمات، أليست مهمتها الأساسية أن تجعل حياة الناس أكثر سهولة، وأن تضبط وتحاسب من يقفون وراء صناعة تلك الأزمات؟
في مساء الأربعاء، لم تكن مباراة الهلال والمريخ مجرد نهائي بطولة، بل كانت استفتاءً شعبياً على الحياة نفسها. وكانت المدرجات تقول، بصوت أعلى من الهتافات، إن السودانيين الذين نجوا من الحرب ما زالوا يتمسكون بحقهم في الفرح، ويصرون على انتزاع حياتهم من بين أنياب الموت، مهما كانت الكلفة.





