الافتتاحية
ثم ماذا بعد؟
الحرب لم تعد حدثاً سياسياً أو عسكرياً يُتابَع عبر البيانات العسكرية ونشرات الأخبار، وكذلك لم تعد آثارها تُقاس فقط بعدد القتلى والنازحين والخراب الذي أصاب المدن والبنى التحتية. أربعة أعوام من الصراع المستمر، انتقلت فيها الحرب إلى مستوى أكثر عمقاً وأشد قسوة؛ إلى تفاصيل الحياة اليومية، إلى الأسواق، إلى المائدة، وإلى قدرة الأسر على تأمين أبسط احتياجاتها.
الغلاء الذي يضرب البلاد اليوم ليس موجة عابرة ولا أزمة موسمية ترتبط بندرة سلعة أو اضطراب مؤقت في الأسواق، وإنما نتيجة تراكم طويل لانهيارات اقتصادية متسارعة لفقدان الاستقرار وتراجع الإنتاج وتآكل مؤسسات الدولة تحت ضغط الحرب. وما يعيشه المواطن السوداني اليوم ليس مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تبدل كامل في شروط الحياة.
في الأسواق تتغير الأسعار بوتيرة غير مسبوقة، وأصبح كثير من التجار عاجزين عن تثبيت قيمة السلع حتى لساعات محدودة. المواطن الذي يخرج إلى السوق بميزانية مضبوطة على أسعار الأمس يعود غالباً بقائمة أقل مما خطط له، أو يعود خالي اليدين. الرواتب إن وُجدت فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، والدخول المحدودة لم تعد قادرة على ملاحقة واقع اقتصادي يتحرك بسرعة تفوق قدرة الناس على التكيّف.
هذه ليست مجرد أزمة أرقام أو مؤشرات مالية؛ إنها أزمة اجتماعية وإنسانية عميقة. حين تبدأ الأسر في تقليص وجباتها، أو الاستغناء عن العلاج، أو إخراج الأطفال من المدارس، فإن الاقتصاد يتحول من ملف حكومي إلى قضية تمس بنية المجتمع ومستقبله.
على امتداد السنوات الماضية ظل السودانيون يبتكرون وسائل للبقاء: شبكات التكافل، ودعم الأقارب، والاقتصاد المنزلي، وإعادة ترتيب الأولويات، والتعايش مع النقص المستمر في الخدمات. لكن كل أدوات الاحتمال هذه أصبحت تُستنزف تدريجياً أمام موجة الغلاء الحالية، فحين تتراجع القدرة الشرائية بصورة حادة ويصبح الحصول على الضروريات تحدياً يومياً، فإن المجتمع كله يدخل في حالة إنهاك ممتدة.
الحرب بطبيعتها تعطل الإنتاج وتربك الأسواق وتؤثر على حركة التجارة والنقل والاستثمار، لكن استمرارها دون أفق واضح للحل يجعل الأزمات تتحول من ظروف استثنائية إلى واقع دائم. هنا تكمن الخطورة، لأن المجتمعات تستطيع تحمل الصدمات المؤقتة، لكنها تدفع ثمناً باهظاً عندما تتحول الأزمات إلى كونها الحالة الدائمة.
الاقتصاد السوداني اليوم يواجه تحديات مركبة، تراجع النشاط الإنتاجي، وارتفاع تكاليف الاستيراد، واضطراب أسواق النقد، وضعف الخدمات الأساسية، وانخفاض مستويات الدخل، لكن خلف كل هذه العناوين توجد قصة إنسانية أكبر؛ ملايين الأفراد الذين يحاولون الحفاظ على الحد الأدنى من الحياة الكريمة وسط ظروف تتغير كل يوم نحو الأصعب.
في الأحياء والأسواق يمكن سماع الجملة ذاتها بصيغ مختلفة: الناس لم تعد تشتري كما كانت، تغيرت أنماط الاستهلاك، تقلصت الكميات، وأصبحت الأولوية للضروريات فقط، وهذا التحول لا يعكس فقط أزمة مالية، بل يعكس تغيراً في المزاج العام وفي قدرة المجتمع على الاستمرار بالوتيرة نفسها.
ولا يمكن النظر إلى أزمة الغلاء باعتبارها منفصلة عن المشهد العام في البلاد، فالاقتصاد لا ينفصل عن الاستقرار السياسي، ولا يمكن معالجة تدهور المعيشة عبر إجراءات جزئية أو مؤقتة بينما تستمر الأسباب الأساسية للأزمة دون معالجة.
اليوم يحتاج السودان إلى ما هو أبعد من تفسير ارتفاع الأسعار أو تبادل الاتهامات حول أسبابها؛ يحتاج إلى استعادة فكرة الأولوية الوطنية لمعاش الناس، وإلى رؤية تعيد الاعتبار للإنتاج والاستقرار والخدمات والحماية الاجتماعية، لأن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة المعارك العسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية مواطنيها من الانهيار.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن المجتمع السوداني يمتلك قدرة كبيرة على الصمود، لكن الصمود ليس مورداً لا ينفد، وكل يوم إضافي من الحرب والاضطراب الاقتصادي يضاعف الكلفة التي يدفعها المواطن العادي.
ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة أسعار، بل اختبار حقيقي لقدرة البلاد على الحفاظ على تماسكها الاجتماعي والإنساني، فبعد أن أصبحت المعيشة نفسها معركة يومية، لا يكون السؤال: إلى متى تستمر الحرب؟ بل كم تبقى من قدرة الناس على الاحتمال؟