تحت الجلباب كديس

قلم: يوسف الغوث

تزخر الثقافة السودانية بعبقريتها الفطرية في صياغة الحكمة الشعبية، حيث تمتلك القدرة على تكثيف أعقد التناقضات الإنسانية في جملة قصيرة لاذعة لا تتجاوز الثلاث أو الأربع كلمات، وهذه الخاصية تجعل المثل السوداني ليس مجرد قول يتوارثه الأبناء عن الآباء، بل موسوعة نقد اجتماعي متكاملة تسبر أغوار النفس البشرية وتكشف ما تخفيه من مثالب وعيوب، ولعل من أبلغ هذه الأمثال وأكثرها إيلاماً في آن واحد ذلك المثل الذي يقول: تحت الجلباب كديس، فهو بحق واحد من أعمق ما أنتجه العقل الجمعي السوداني في رحلته الطويلة مع مراقبة السلوك البشري وتفكيك زيف المظاهر.

المثل كما هو معلوم مركب من طرفين متناقضين، فالجلباب في الوجدان السوداني ليس ثوباً عادياً يقي صاحبه حر الصيف وبرد الشتاء، بل هو رمز ثقافي واجتماعي شامخ، يحمل دلالات الهيبة والتقوى والوجاهة الاجتماعية، فهو ثوب العلماء والفقهاء وأهل الدين والمشايخ ممن يفترض فيهم القدوة والنزاهة والأمانة، بينما الكديس يمثل النقيض التام لكل هذه المعاني، فالقط بطبيعته كائن مراوغ يختبئ في الأماكن الدافئة ويبدو من الخارج كتلة ناعمة هادئة رابضة لا تؤذي أحداً، لكنه في اللحظة التي يأمن فيها صدق من حوله يثب وثبة خاطفة يخرج فيها مخالبه الحادة ليخدش ما يصادفه، ومن ثم يختفي من جديد.

إن الجمع بين هذين الرمزين المتباعدين يخلق صورة صادمة مفادها أن ما يبدو في العلن رمزاً للصلاح قد يكون في الخفاء مصدراً للأذى والفتنة.

التأمل في هذا المثل يقودنا إلى التساؤل عن سر استمراريته في الذاكرة الجمعية، والحقيقة أن السر يكمن في أنه يعبر عن حقيقة وجودية مؤلمة عانى منها المجتمع السوداني على مر العصور، فهو يصف بدقة متناهية ظاهرة النفاق الاجتماعي التي طالما أتعبت البشر، ظاهرة ارتداء الأقنعة وإظهار عكس ما يبطن الإنسان، فقد يكون الشر مختبئاً تحت أكثر الثياب قداسة، وهذا ما يجعل المثل ليس مجرد حكمة عابرة بل نظرية كاملة في نقد السلطة.

إذا انتقلنا من هذا التأمل النظري إلى التطبيق الفعلي على واقع السودان المعاصر فسوف نجد أنفسنا أمام مشهد مهول، فلا يمكن لسوداني يتابع ما جرى في بلاده منذ عقود إلا أن يستشعر صدق هذا المثل في كل تفصيلة من تفاصيل كارثة الحرب التي حلت ببلادنا.

لقد عانى السودان لأكثر من ثلاثين عاماً كاملة من حكم حركة إسلامية سياسية ارتدت جلباب الدين ولبست ثوب التدين العلني، ثم جعلت من الشعارات الدينية البراقة غطاءً لممارساتها التي لا تمت إلى الجلباب الذي ترتديه بصلة.

خرجت تلك الحركة إلى الناس في المساجد والإعلام وهي تردد: (هي لله وشريعة سريعة ولا نموت)، ونظر إليها الناس في مجتمع سوداني محافظ باعتبارها جلباباً طاهراً نقياً يرتديه أهل الله، لكن كان تحت ذلك الجلباب الأبيض الفضفاض كديس ماكر يعمل لتدمير البلاد بلا كلل.

كان للكديس مخالب حادة لا تتوقف عن الخدش والتدمير، بدأ بتفكيك مؤسسات الدولة التي استغرق بناؤها قروناً، وحولها واحدة تلو الأخرى إلى مجرد أجهزة تخدم التنظيم الحاكم.

تحول القضاء إلى أداة للتمكين السياسي يتم عبرها الانتقام من خصومهم السياسيين، ومن ثم تحول الإعلام إلى بوق دعائي يصدح بأكاذيب النظام، أما وزارات الدولة فقد تحولت إلى جوائز توزع على المنسوبين مقابل ولائهم الأعمى لزعيم الجماعة وليس لشعب السودان.

إن أخطر ما فعله الكديس كان بناء الجيوش الموازية والمليشيات المسلحة التي نمت تحت غطاء الجلباب نفسه، ولعل أخطر هذه المخلوقات التي تحولت من قطط صغيرة إلى وحوش ضخمة هو ما يعرف بقوات الدعم السريع، والتي نمت وتضخمت تحت غطاء الجلباب لسنوات دون أن يجرؤ أحد على التساؤل عن مصيرها.

جاءت ثورة ديسمبر المجيدة عام 2018، والتي خرج فيها ملايين السودانيين إلى الشوارع وذلك لخلع ونزع ذلك الجلباب المزيف الذي أتعبهم ثلاثين عاماً ومارس عليهم الخداع والقمع، وقد نجحوا في خلع ذلك الجلباب حتى ظن كثير من السودانيين أن الكابوس قد انتهى وأن الكديس قد ذهب إلى مزبلة التاريخ بلا رجعة، ولكن القطط بطبيعتها كائنات بسبعة أرواح ولا تموت بسهولة، فالكديس لم يمت بل تسلل إلى الخلف ثم توارى في الظل منتظراً فرصة العودة والانقضاض مرة أخرى.

جاء الخامس عشر من أبريل عام 2023 ليكون هو يوم انقضاض الكديس بكل ما أوتي من قوة، ففي ذلك اليوم اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والكديس من وراء الستار يراقب ويوزع أوراق اللعب على الطرفين معاً، فبعض أبناء الكديس انضموا إلى قوات الدعم السريع، وآخرون بقوا في صفوف الجيش يقودون المعركة من الخلف، والهدف واحد وهو إطالة أمد الحرب إلى أقصى حد وإشعال كل جبهات البلاد حتى لا يبقى مكان آمن أو مستقبل مطمئن لأي إنسان سوداني.

ختاماً، لا يسعنا إلا أن نقف بإجلال أمام عبقرية الشعب السوداني الذي صاغ هذه الحكمة الخالدة منذ قرون. إن تحت الجلباب كديس ليست مجرد مثل شعبي بل هي وصية أخلاقية وسياسية لكل إنسان في كل زمان ومكان، فهي دعوة لعدم الانخداع بالمظاهر وعدم التسليم بقداسة الثياب قبل النظر ملياً إلى ما يختبئ تحت ثناياها.

رحم الله السودان وأهل السودان وعلومهم التي لا تنضب، فقد علمتنا الحكمة أن الخطر لا يكمن دائماً في العدو الظاهر، بل في الكديس الذي يختبئ تحت الجلباب، ولهذا فإن يقظة الشعوب هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار المأساة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى