السودان حرب مستعرة ومآلات مفتوحة

نمارق سعد الجاك

في بلد أدمته سياط الجوع، تجمعت فيه آليات السلطة في أفراد من مؤسسة لم تخض حرباً خارجية، بل شاركت في حروب أهلية متجددة، نتاج فشل الحكومات المتعاقبة، في ترسيخ دعائم الحكم المدني والتنمية العادلة، إبان ديسمبر 2019 انتفض الشعب مطالباً بالحرية والسلام والعدالة، لكن حرب 15 أبريل أظهرت العجز المؤسسي، وانشطرت القوى إلى معسكرين نقيضين، لكن بحسب نيتشه “الوجه السيئ للأشياء ضروري”، قد يكون مدخلاً إلى إعادة صياغة أسئلة وجودية: من نحن وماذا نريد؟ لا سيما مع معضلة الشرعية، من يمتلك أحقية التمثيل في ظل التخوين والعسكرة والاحتراب.

مع انتشار الزبونية السياسية وبيروقراطية الجيش المتطرفة المتحكمة في دولاب الدولة وشعارات بذرائع عرجاء “بل بس”، كنس النسيان مشروع الدولة الديمقراطية إلا في أذهان قلة عاملة في المجال المدني والسياسي، مع عزوف الشباب عن العمل السياسي، وتركزهم على العمل الإنساني، وهي خطوات من شأنها أن تقوض الممارسة وتحدث شقوقاً عميقة في الثقة والمتخيل، مع اختيار المجتمع الدولي الحياد القيمي أو الأخلاقي الوسط بين الأطراف، لكنه ليس محايداً بخصوص حقوق الإنسان وحماية المدنيين، كما يزعم، من خلال البيانات والتصاريح التي تركز على حقوق الإنسان أو تقارير عن المجاعة والاغتصابات، لكن ما من مغيث، “على سبيل طق الحنك”.

أن إحدى آليات إعادة بناء الدولة المتآكلة إدارة الثراء اللغوي والثقافي وتحويلهما إلى رصيد وفاعلية إيجابية، ما يسهم في إثراء الوعي بالذات والآخر والتاريخ، يخترق منظومة التكفير وسلوك التنشئة، ومن ثم يؤثر على السلوك السياسي، وإدراك أهمية التعايش عبر الأغاني والأحاجي الشفاهية، ذلك في حال كان هنالك تصور لمشروع وطني طموح تتاح فيه المعلومات وتناقش فيه الأجندات وترتب فيه المصالح الوطنية، في ظل تغبيش أدوار القواعد الشعبية حيث هي الرافعة المغيبة، أو الحاضرة بلا ذهن يدرك فداحة ومآلات الأشياء والأمور.

اختلط الحابل بالنابل كما اعتدت القول دائماً، استشرى الفساد، وحاصرت الأبيض المسيرات، واختنقت الفاشر، وانقطعت الكهرباء عن مدني عدة أيام، كلها مؤشرات تدل على أن البلد تمشي عطشى بأنفاس متقطعة رمادية الرؤية، بقيادة وأفكار ميتة، تخلفت عن ركب التنمية والحكم الرشيد، لكنها تعافر بإصرار قلة مؤمنة وأخرى مشيطنة وأخرى مبعدة، لكنها سوف تنتصر رغم أنف التاريخ ونظرية المؤامرة والعسكرة والإمبريالية والأنا، وسنرى.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى