الفنان عوض صديق

السر السيد

السر السيد

لم يغب الممثل الكبير عوض صديق عن خاطري؛ فهو مقيم في الذاكرة والقلب، كفنان عظيم الالتزام، وكشخص حاز ـ بالإجماع أو قريبًا منه ـ على تقدير واحترام أبناء جيله ومجايليه من الفنانين والمثقفين، وباقٍ بشخوصه التي جسدها في المسرح ودراما الراديو والتلفزيون والسينما.

عوض صديق، المولود في أم درمان عام 1938، دخل إلى عالم التمثيل في خضم خمسينيات القرن الماضي مع فرقة السودان للتمثيل والموسيقى التي أسسها الرائد المسرحي ميسرة السراج عام 1946. ومن يومها استمر في هذا الدرب الوعر حارسًا لأبجدية التفتح الإنساني، وداعيًا إلى الجمال وقيم الخير والعدالة، حتى رحيله في صباح يوم الاثنين الموافق 22 يوليو 2002

عوض صديق.. كونٌ من الشخوص

يُعد الممثل عوض صديق واحدًا من أهم الأسماء التي ساهمت في ترسيخ فنون التمثيل واستمرارها في السودان. فعوض صديق، صاحب السنوات الطويلة موظفًا بوزارة المالية، والرياضي المطبوع، وفارع القامة، وصاحب الصوت المعبر، هو الاسم المتكرر في المسرح ودراما الراديو والتلفزيون والسينما.

وبالنظر إلى الأدوار المختلفة التي قام بأدائها، نقف على العبء العظيم الذي تحملته روحه وتحمله جسده، وهو يجسد كونًا من الشخصيات الدرامية المتنوعة: الأب، والأخ الأكبر، والخال، وتاجر المخدرات، وضابط الشرطة، وما تنطوي عليه هذه الشخصيات من خير وشر، ومن ملهاة ومأساة، ومن بساطة وتعقيد. ويتجلى ذلك ـ على سبيل المثال ـ في المسلسل الإذاعي الحيطة المايلة، والمسلسل التلفزيوني بائع السموم، والتمثيلية التلفزيونية أقنعة من زجاج، ومسرحية الخفافيش، والفيلم السينمائي تاجوج.

إنه كون من الشخوص الدرامية المتعددة والمتنوعة؛ البسيطة والمركبة، الطيبة والشريرة. وقد أتيح لنا عبرها أن نراه في قوته وفي ضعفه، وأن نقف على مقدرته الفائقة في المراوحة بين المشاعر والحالات المتناقضة. ففي التمثيلية التلفزيونية آخر العنقود استطاع، وبمهارة عالية، أن يراوح في أدائه بين الضعف والقوة وهو يواجه أزمة بداية ضياع أخيه الأصغر وانحرافه.

أما في مسرحية خطوبة سهير، فكان عليه أن يجسد شخصية تقف بين شخصيتين هما: المتزمت دينيًا حسنين، والد عاصم، ومدمن الخمر خليل، والد سهير. ولأن الأمر يتعلق بمسألة حساسة هي خطوبة عاصم لسهير، وبما أنه خال عاصم وعلى صداقة قديمة مع خليل، كان عليه أن يدير هذه اللحظة الحرجة، وقد فعل ذلك بجدارة عندما حاول، عبر أدائه الخلاق، أن يزيل التوتر بينهما تدريجيًا بمسحة من الأداء الكوميدي المقتصد. وفي مسرحية مهر حنينة بدأ مغلوبًا، لكنه يقاوم.

إن الشخوص التي جسدها الممثل الكبير عوض صديق في المسرح أو الراديو أو التلفزيون أو السينما من الكثرة والتنوع بحيث يصعب الإحاطة بها في مثل هذا المقال..

الفنان عوض صديق، الرائد، والأخ الأكبر، والأب، والمعلم، والإنسان الجميل، يكاد يكون قد التقى بمعظم الممثلين والممثلات أمام الكاميرا، وخلف الميكروفون، وعلى خشبة المسرح. كما يكاد يكون قد عمل مع معظم المخرجين في مختلف الوسائط، القدامى منهم والجدد، لأن من صفاته النادرة جدًا أنه شخص لا تحركه الأجندة الشخصية، وكان الفيصل عنده دائمًا هو جودة العمل شكلًا وموضوعًا.

في المسرح شارك ممثلًا في مسرحيات: سنار المحروسة، السلطان الحائر، عودة شايلوك، خطوبة سهير، الخضر، أحلام الزمان، نبتة حبيبتي، جوابات فرح، ناس السماء الثامنة، الخفافيش، البرجوازي النبيل، حالة طوارئ، الدهباية، مهر حنينة.

في دراما التلفزيون شارك ممثلًا في مسلسلات: بائع السموم، المال والحب، اللواء الأبيض، سكة الخطر، الشاهد والضحية، الغول، أقمار الضواحي، النقيض، آخر قطار.

في دراما الراديو شارك ممثلًا في معظم تمثيليات وبرامج فرقة السودان للتمثيل والموسيقى، وفي العديد من المسلسلات، مثل مسلسل الحيطة المايلة، كما كانت له مشاركات مستمرة في برنامج ركن الأطفال.

في السينما شارك ممثلًا  في  

أفلام: تاجوج، عرس الزين، بركة الشيخ

الخاتمة

يُجمع الوسط المسرحي السوداني ـ الذي غالبًا لا يجمع على شيء ـ على أن الممثل عوض صديق علمهم الالتزام؛ فقد كان يحضر إلى البروفات وأماكن التصوير والاستديوهات ومواقع العرض المسرحي قبل الموعد المحدد، وكان دائمًا من أوائل الحاضرين، بل أحيانًا قبل المخرج نفسه.

نسأل الله الغفور الرحيم أن يشمله بعفوه ورضوانه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى