تحت الأشجار وفي العراء.. النزوح يفاقم معاناة سكان النيل الأزرق

أفق جديد
لم يكن أمام آلاف الأسر في إقليم النيل الأزرق سوى الفرار، تاركةً خلفها المنازل والمزارع ومصادر الرزق، مع اتساع رقعة المواجهات المسلحة وتصاعد وتيرة العنف.
حاليًا يجد عشرات الآلاف من النساء والأطفال وكبار السن أنفسهم عالقين في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية.
وبينما تحذر الأمم المتحدة من تفاقم الأزمة، تكشف شهادات النازحين عن معاناة يومية تتجاوز أرقام النزوح والإحصاءات الرسمية، لتروي فصولًا مؤلمة من رحلة البحث عن الأمان والبقاء؟
وولاية النيل الأزرق من ولايات السودان الجنوبية حسب تقسيم السودان بعد انفصال الجنوب في 2011، وتجاورها من الشمال ولاية سنار، ومن الشرق إثيوبيا، ومن الغرب والجنوب دولة جنوب السودان، وعاصمتها هي الدمازين.
تنقسم الولاية إداريًا إلى 7 محليات هي: محليات (الدمازين، الروصيرص، باو، الكرمك، التضامن، ود الماحي، وقيسان).
تقول سعاد المختار، وهي نازحة تقيم في أحد التجمعات المفتوحة بالقرب من مدينة الروصيرص لـ”أفق جديد”: “نشعر بالخوف لغياب الحماية. النساء يواجهن صعوبات كبيرة، خاصة عند البحث عن المياه أو استخدام المرافق البدائية المتوفرة. نأمل أن تصل المساعدات الإنسانية سريعًا لأن أوضاعنا تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.
ويقول الزين عبد الله، أحد كبار السن النازحين لـ”أفق جديد”: “عشت سنوات طويلة من النزاعات، لكنني لم أشهد أوضاعًا بهذه القسوة. نحن بحاجة إلى مأوى يحفظ كرامتنا وإلى رعاية صحية لكبار السن والأطفال. كل ما نريده هو الأمن والعودة إلى منازلنا”.
فرار من العنف
أعلنت منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة عن تفاقم حاد للأزمة الإنسانية في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة أن عدد الفارين من موجة العنف الأخيرة ارتفع إلى نحو 60 ألف شخص، يمثلون قرابة 12 ألف أسرة، في واحدة من أكبر حركات النزوح التي شهدها الإقليم خلال الأشهر الماضية.
وأفاد تقرير المنظمة بأن نحو 72% من النازحين الجدد يقيمون حاليًا في تجمعات غير رسمية ومواقع مفتوحة في العراء نتيجة النقص الحاد في مراكز الإيواء، بينما لجأ 21% منهم إلى أسر مضيفة، واستقرت نسبة 7% فقط داخل المدارس والمباني العامة.
وتعود موجة النزوح الحالية إلى مطلع العام الجاري، عقب هجوم واسع شنّه تحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال على محلية باو.
وتصاعدت حركة فرار المدنيين بصورة ملحوظة بعد هجمات لاحقة استهدفت محلية الكرمك ومناطق قريبة من قيسان خلال مارس الماضي، ما أدى إلى انتشار النازحين في سبع محليات بالولاية، تصدرتها الدمازين والروصيرص.
ووفقًا للمنظمة الدولية، اضطر 57% من الفارين إلى الانتقال نحو مناطق ريفية معزولة داخل الإقليم، في حين استقر 43% منهم في المراكز الحضرية. وحذرت المنظمة من التداعيات الخطيرة لاستمرار إقامة آلاف الأسر تحت الأشجار وفي المزارع المفتوحة، حيث تفتقر تلك المواقع إلى الحد الأدنى من الحماية الأمنية والخدمات الأساسية، وتعاني نقصًا حادًا في مياه الشرب والمرافق الصحية.
كما نبه التقرير إلى أن النساء والفتيات يشكلن 53% من إجمالي النازحين الجدد، الأمر الذي يزيد من مخاطر تعرضهن للعنف القائم على النوع الاجتماعي والانتهاكات المرتبطة بظروف النزوح.
أبعاد إقليمية
مؤخرًا حذر فرع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أن السودان سجل أكبر عملية نزوح داخلي في العالم..
ويعيد التصعيد العسكري إقليم النيل الأزرق، الواقع على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، إلى واجهة المشهد الأمني المعقد في السودان..
الإقليم يحمل إرثًا طويلًا من النزاعات المسلحة بين الحكومة المركزية والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، بدأت فصوله خلال الحرب الأهلية السودانية الثانية في ثمانينيات القرن الماضي، وتجددت عقب انفصال جنوب السودان عام 2011 بسبب تعثر ملفات الترتيبات الأمنية والمشورة الشعبية..
ومع اندلاع الحرب الراهنة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ازدادت تعقيدات المشهد في النيل الأزرق مع انخراط فصائل مسلحة محلية في القتال وتبدل التحالفات الميدانية. كما تصاعدت اتهامات بوجود دعم عسكري يعبر الحدود المفتوحة مع إثيوبيا لصالح تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية، وهي اتهامات نفتها أديس أبابا.
وفي ظل استمرار القتال وتعثر المسارات السياسية، لم تعد أزمة النيل الأزرق مجرد قضية نزوح داخلي، بل تحولت إلى تحدٍ إنساني وأمني ذي أبعاد إقليمية. فالإقليم الذي يضم منشآت استراتيجية حيوية، أبرزها خزان الروصيرص الذي يمثل ركنًا أساسيًا في منظومتي الكهرباء والري بالسودان، يواجه مخاطر متزايدة قد تنعكس على الاستقرار في المناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا..
وبينما تتواصل الجهود الإنسانية وسط إمكانات محدودة، يبقى عشرات الآلاف من النساء والأطفال وكبار السن في مواجهة ظروف معيشية قاسية، حيث تحولت أبسط مقومات الحياة، من مأوى آمن ومياه نظيفة ورعاية صحية، إلى تحديات يومية تثقل كاهل أسر أنهكتها الحرب والنزوح المتكرر، في انتظار حلول توقف دوامة العنف وتمنحهم فرصة للعودة إلى حياة أكثر أمنًا واستقرارًا.
.





