مشروع الدولة المدنية الديمقراطية والأسئلة الكبرى .. طبيعة العلاقة بين الجيش والسياسة

الهادي الشواف
هيمنة المؤسسة العسكرية:
أبرز التحديات السياسية أمام مشروع الدولة المدنية الديمقراطية في السودان تتمثل في الصراع بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، فاستمرار تدخل الجيش في السياسة يمثل العقبة الأكبر أمام التحول المدني الديمقراطي، كما أن الانقسامات الحزبية والأيديولوجية وضعف الثقة بين الأطراف المدنية أضعفت الفترات الانتقالية المؤسسة لمشروع الدولة المدنية، بالإضافة إلى تأثير التدخلات الإقليمية والدولية وتقاطع مصالحها في السودان. هذه التحديات تجعل الانتقال الديمقراطي هشًا ومهددًا بالانزلاق نحو الفوضى أو عودة الاستبداد مرة أخرى.
ظل الجيش يسيطر على مفاصل السلطة بقوة السلاح لمعظم سنوات حكم البلاد منذ الاستقلال عبر سلسلة من الانقلابات المتكررة (آخرها في أكتوبر 2021م)، ما يؤكد أن المؤسسة العسكرية ترى نفسها وصية على الدولة، بل صرحت بذلك بعض قيادات الجيش في أكثر من مناسبة، والممارسة اليومية للقوات المسلحة وتدخلها المباشر في السياسة والاقتصاد يعضد ذلك الزعم، وهو ما يتعارض مع قانونها والدستور وفكرة الدولة المدنية الديمقراطية ويضعف فرص قيام سلطة مدنية مستقلة. والتحدي السياسي هنا هو: كيف يمكن إخراج الجيش من المعادلة السياسية دون تفكيك الدولة أو إشعال حرب جديدة؟ لأن تمسك العسكر وحلفائهم من ما يسمى بالإسلاميين وشريحة الرأسمالية الطفيلية بالسلطة يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التفكيك أو الحرب.
علاقة الجيش بالسياسة:
يمثل سؤال علاقة الجيش بالسياسة أحد أكبر الأسئلة أمام بناء دولة مدنية ديمقراطية، خاصة في البلدان التي شهدت انقلابات عسكرية أو حروبًا أهلية أو ضعفًا في المؤسسات المدنية، فحين يتحول الجيش من مؤسسة وطنية مهنية مسؤولة عن حماية حدود السودان والحفاظ على الأمن القومي والمشاركة في إدارة الأزمات الداخلية والخارجية والدفاع عن السيادة الوطنية ومواجهة التهديدات المسلحة والمساهمة في الاستقرار السياسي والاجتماعي إلى فاعل سياسي، تختل موازين الدولة وتصبح القوة المسلحة منافسًا للشرعية الشعبية. لذلك فإن الخروج الحقيقي للجيش من السياسة لا يتم بالشعارات، بل عبر مشروع وطني شامل يعيد تعريف الدولة وتحديد دور المؤسسة العسكرية داخل النظام المدني الديمقراطي.
دخول الجيش إلى السياسة لم يحدث من فراغ، إنما نتيجة عوامل متراكمة مرتبطة بطبيعة القوات المسلحة وظروف تأسيسها وحدود الدور المرسوم لها في هذا السياق، ومثل تمددها في الجانب الاقتصادي رافعة من روافع إصرارها على التدخل في السياسة للمحافظة على المكتسبات التي تحصلت عليها نتيجة لهذا التدخل. كما أن ضعف أو إضعاف الأحزاب والقوى المدنية وعجزها عن إدارة خلافاتها الذاتية شكل عاملًا أساسيًا من عوامل استمرار تدخل الجيش في السياسة، وغياب الدستور المستقر والمؤسسات القوية للدولة المدنية الديمقراطية. وكذلك يعتبر تسييس المؤسسة العسكرية نفسها عبر الامتيازات الاقتصادية والتحالفات واستمرار النزاعات المسلحة والحروب الداخلية التي تمنح العسكر نفوذًا إضافيًا وتخلق له مبررًا غير منطقي للتدخل في السياسة. إذن المشكلة ليست في الجيش وطموح قياداته السياسية والاقتصادية فحسب، بل في البيئة السياسية الكلية التي تسمح له بالتدخل.
كيف نخرج الجيش من السياسة؟:
لكي يخرج الجيش من السياسة نحتاج إلى معالجة الأسباب بشكل جذري، بداية من القوانين ومرورًا بوضع الضمانات للتقيد بها وعدم الارتداد. فمراجعة النصوص القانونية والدستورية التي تعرف وتحدد مفاهيم الدولة ومؤسساتها وعلاقتها وحدود سلطاتها وصلاحياتها هي العتبة الأولى. إذن نحتاج إلى تنظيم وبناء عقد دستوري واضح ينص بوضوح على أن الجيش مؤسسة وطنية مهنية يخضع للسلطة التنفيذية المدنية ويمنع على أفراده ممارسة النشاط السياسي الحزبي ويمنع التدخل في الانتخابات أو الحكم. فالإصلاح الدستوري هو أول خط دفاع ضد عسكرة السياسة.
وتأتي أهمية إصلاح المؤسسة العسكرية في المرحلة التالية، فلا يمكن إخراج الجيش من السياسة دون إصلاح داخلي يشمل تفكيك البنية الحزبية والأيديولوجية وإعادة هيكلة القيادة على أساس المهنية لا الولاء، وتحديث العقيدة العسكرية لتكون حماية الوطن والدستور لا حماية الحكام، وتوحيد القوات المسلحة وإنهاء الجيوش الموازية والمليشيات والأجسام المسلحة وتحسين شروط الخدمة والاحترافية.
ومن ثم الرقابة المدنية الديمقراطية؛ فأي جيش محترف في العالم يخضع لرقابة مدنية عبر البرلمان ولجان الدفاع والأمن ومراجعة الميزانية العسكرية ومساءلة قانونية عند الانتهاكات، والرقابة لا تعني إضعاف الجيش بل تحصينه من الانحراف.
وأيضًا تأتي على رأس المعالجات التي تبعد الجيش عن ممارسة السياسة معالجة الاقتصاد العسكري، فحين يمتلك الجيش شركات وإمبراطوريات اقتصادية يتخلى عن واجبه الأساسي ويصبح لاعبًا اقتصاديًا وسياسيًا وينصرف لحماية مصالحه باستخدام قوة الدولة وسلاحها. لذلك يجب إخضاع الشركات العسكرية لوزارة المالية وفصل النشاط التجاري عن المؤسسة العسكرية وتحويل الموارد للدولة والخزينة العامة، ومن ثم وضع ميزانيات واضحة للقوات النظامية والإشراف عليها من قبل وزارة المالية مثلها ومثل مؤسسات الدولة الأخرى.
ويمثل نجاح المدنيين في الحكم وفي إدارة خلافاتهم السياسية واحدة من أدوات حماية وتحصين السلطة المدنية ومن أهم عوامل إبعاد الجيش من السياسة. إذا فشلت القوى المدنية في إدارة الدولة المدنية تفتح الطريق أمام المغامرون ويعود خطاب “المنقذ العسكري”. لذلك فإن أفضل وسيلة لإبعاد الجيش هي نجاح المدنيين في تقديم الخدمات ومكافحة الفساد وإدارة التنوع واحترام القانون.
كيف نعيد تعريف دور الجيش في الدولة المدنية الديمقراطية؟:
الدولة المدنية لا تعني إلغاء الجيش أو إضعافه، بل وضعه في مكانه الصحيح وتحديد دوره الطبيعي الذي يشمل حماية السيادة الوطنية والدفاع عن الحدود والاستقلال الوطني ضد أي تهديد خارجي وحماية الدستور والنظام الديمقراطي، وليس حماية شخص الحاكم أو الحزب الحاكم أو ممارسة السياسة أو الانحياز إلى أي طرف سياسي أو اجتماعي وغيره، بالإضافة إلى التدخل في حالات الطوارئ والكوارث مثل الفيضانات والزلازل والإنقاذ والإغاثة والدعم اللوجستي والمشاركة في حفظ السلام والأمن عبر أطر قانونية ودولية معتمدة.
ومن أهم المفاهيم التي يجب تكريسها في أذهان الجميع هو أن القوات النظامية بما فيها الجيش تعتبر رمزًا للوحدة الوطنية تمثل كل الأقاليم والمكونات المجتمعية دون تمييز قبلي أو جهوي أو سياسي أو ديني.
ما المطلوب في الحالة السودانية؟:
في الحالة السودانية تعتبر هذه القضية مركزية بسبب التاريخ الطويل للانقلابات والحروب، والمطلوب يشمل إعادة تأسيس جيش قومي مهني واحد موحد عبر دمج وتسريح القوات المتعددة والحركات المسلحة والمليشيات وفق برنامج مهني احترافي يعيد تعريف وتسكين المفاهيم المخلوطة عن احتكار العنف وتوظيفه وعلاقته بالدولة الحديثة والمواطن، بالإضافة إلى إنهاء النشاط السياسي والاقتصادي للعسكر بشكل قاطع وصارم ونهائي.
إنجاز اتفاق توافق وطني على الانتقال المدني الديمقراطي وتحديد ثوابت للدولة السودانية لا تراجع عنها، والتوافق على عقد اجتماعي يؤسس لمواطنة متساوية دون تمييز ودولة مؤسسات وعدالة اجتماعية وانتقالية تضمن معاقبة الجناة وكل من ارتكب جرمًا في حق الشعب السوداني والتأكيد على عدم الإفلات من العقاب. وتأتي عملية إصلاح الأحزاب من الواجبات المقدمة لضمان استدامة الديمقراطية، فلا ديمقراطية دون أحزاب ديمقراطية وقوية.
ما المخاطر إذا لم يحدث ذلك؟:
إذا بقي الجيش داخل السياسة فإن النتائج غالبًا تكون تكرار الانقلابات العسكرية، وتعطيل الحياة الديمقراطية وقطع الطريق أمام دمقرطة المجتمع واستمرار الإصلاح والتطور، واستمرار الحروب والنزاعات المسلحة والانقسامات الاجتماعية، واقتصادًا مغلقًا ومحتكرًا لصالح نخب محدودة متحالفة ومسنودة بقوة السلاح، والنتيجة الحتمية ضعف الثقة بين الشعب والدولة.
خاتمة:
إخراج الجيش من السياسة ليس معركة ضد الجيش، بل معركة من أجل جيش موحد ومهني ومحترف ومحترم، ومن أجل دولة مستقرة يحكمها الشعب عبر المؤسسات الديمقراطية. فالجيش القوي في الدولة الديمقراطية هو الذي يبتعد عن السلطة ويقترب من واجبه الوطني المقدس، أما حين يحكم الجيش فإنه يضعف السياسة ويضعف نفسه، وبالتالي فالطريق الصحيح هو: السياسة للمدنيين لا للعسكر، والسلاح للدولة لا للمليشيات، والجيش للوطن لا جيش حزب أو أي مجموعة أو كيان، والسلطة للشعب.
وإعادة تعريف مفهوم الدولة في السودان مسألة جوهرية لأن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة سلطة وجيش أو انقلابات عسكرية وحكومات متعاقبة، بل أزمة فهم للدولة نفسها: هل هي غنيمة تسيطر عليها النخب؟ أم جهاز قمع؟ أم ملك لحزب أو قبيلة أو جيش؟ أم إطار جامع لكل المواطنين؟ ومن دون حسم هذا السؤال سيظل تدخل الجيش في الحكم يتكرر، لأن الفراغ المؤسسي دائمًا يفتح الباب للقوة المسلحة.





