هل النفاج باب المحبة؟

أمير أحمد السيد

النفاج أو باب الحريم أو تلك الفتحة الصغيرة في الجدار الفاصل بين المنازل المتجاورة، وله أشكال مختلفة، قد يأتي في شكل مزيرة تفصل بين بيتين أو باب صغير يوصل لعدد كبير من المنازل، وقد تدخل في حي وتخرج عبره في حي آخر.

يعتبر النفاج رمزًا للتكافل الاجتماعي وعمق العلاقات الأسرية، وليس بالضرورة أن يفتح النفاج بين أسر ممتدة، بل تفتح نفاجات المحبة تلك بين جيران قد لا تربط بينهم أي صلة دم.

أشهر النفاجات كانت في أم درمان وأحيائها القديمة، وقد عرفت أم درمان بالمدينة الجامعة والتي شهدت أكبر تجمع لجميع قبائل السودان المختلفة، فقد جمعت الثورة المهدية كل تلك القبائل في أم درمان، وفيها انصهرت وتمازجت تلك القبائل وأخرجت أجيالًا مختلفة وثقافات مختلفة امتزجت كلها في ذلك المكون الجديد، لذا نجد أن ذلك النفاج وتلك الطاقة قد أسهمت إسهامًا كبيرًا في التربية والتنشئة والمحبة بين سكان تلك البقعة.

وللنفاجات دور كبير جدًا حتى إبان فترة الحركة الوطنية والتحرر من الاستعمار الذي كان وقتها يجثم على صدر الوطن، فكانت هناك كثير من القصص والحكاوى عن تلك الحقبة، وأيضًا كتبت أعظم الأشعار عبر تلك النفاجات وأسهمت في تطور العلاقات بين الناس.

وقد تأثر بتلك النفاجات شاعر الشعب المتفرد محجوب شريف عليه رحمة الله، وقد كان له عمود راتب بالصحف باسم النفاج، وأيضًا يتضح ذلك جليًا من خلال كتاباته وأشعاره، مثلًا في رثائه لعبد الكريم ميرغني حين كتب:

النفاجو فاتح ما بين دين ودين

نفحه محمدية دفئًا كالضريح

ميضنة كم تلالي

جيدًا في الليالي

مجدًا في الأعالي

مريم والمسيح

ونفاجات عبد الكريم ميرغني اكتسبت شهرة كبيرة لأنها فعلًا فتحت ما بين قبطي وبوذي.

أيضًا في رثاء البروفيسور علي المك كتب شاعرنا محجوب شريف:

ود باب السنط والدكة والنفاج

والحوش الوسيع للساكنين أفواج

هكذا كان النفاج يجمع بين الناس بمحبة كبيرة وتآخٍ وتقارب لا يعرف قبيلة ولا دين.

قبل أكثر من خمسة عشر عامًا كنت قد أنتجت برنامجًا بإذاعة FM100 تحت عنوان النفاج، واستضافت حلقاته عددًا من الشخصيات من ضمنهم دكتور كمال عبد الكريم ميرغني الذي تحدث عن تجربته ونفاج منزلهم الشهير، والذي أشار إليه شاعرنا محجوب شريف في رثائه لوالده.

وكذلك استضاف البرنامج الشاعر الكبير صديق مدثر والذي تحدث عن نفاجات حي البوستة الشهيرة وقصة قصيدة ضنين الوعد.

وأنا شاهدًا على تلك الحقبة، وقد عشت وجريت ولعبت وأكلت وشربت وتربيت عبر تلك النفاجات، وكنا وقتها ما بين أبوي فلان وأمي فلانة، الجميع آباء وأمهات وإخوان وأخوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى