قانون السلام في السودان.. الأشواق والمخاوف!

حسام حامد

عاد الملف السوداني إلى واجهة الاهتمام الدولي مع تصاعد الحديث عن مشروع أمريكي جديد يحمل اسم “قانون السلام في السودان”، في وقتٍ لا تزال فيه الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على البلاد، مخلفةً أوضاعاً إنسانية معقدة وانهياراً واسعاً في الخدمات والبنية التحتية، فضلاً عن موجات النزوح واللجوء التي طالت ملايين المواطنين.

ويأتي المشروع في إطار تحركات سياسية ودبلوماسية متسارعة تسعى إلى إيجاد مخرج للأزمة السودانية، وسط تزايد القناعة الدولية بأن استمرار الحرب يمثل تهديداً للاستقرار الإقليمي، ويزيد من تعقيدات المشهد السياسي والإنساني. وبينما ينظر كثيرون إلى القانون باعتباره فرصة لفتح نافذة جديدة نحو السلام، تبرز في المقابل مخاوف من أن يتحول إلى أداة لإعادة رسم التوازنات السياسية وفقاً لرؤى خارجية قد لا تحظى بإجماع داخلي.

ما هو قانون السلام في السودان؟

بحسب المعطيات المتداولة، يركز مشروع القانون على جملة من الأهداف السياسية والأمنية، أبرزها دفع الأطراف المتحاربة نحو تسوية تنهي النزاع، وتعزيز المساءلة القانونية عن الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب، إضافة إلى ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية على الجهات التي يُنظر إليها باعتبارها معرقلة لمسار السلام.

ويتضمن المشروع دعوات لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه الأطراف المتورطة في الانتهاكات الجسيمة، مع توسيع نطاق العقوبات المحتملة، إلى جانب دراسة وضع بعض الجماعات المسلحة ومدى انطباق معايير التصنيف الإرهابي عليها وفقاً للقوانين الأمريكية.

كما يفتح المشروع الباب أمام مراجعة أوسع لطبيعة التمثيل السياسي للسودان في المحافل الدولية، الأمر الذي يعكس توجهاً يتجاوز مجرد وقف الحرب إلى محاولة التأثير في شكل المرحلة السياسية المقبلة.

أشواق السودانيين إلى السلام

إزاء ذلك، لا يختلف اثنان على أن أكبر أمنية لدى السودانيين اليوم تتمثل في وقف الحرب. فبعد أكثر من عامين من الصراع، أصبح السلام مطلباً شعبياً يتجاوز الانتماءات السياسية والحزبية، إذ يدرك الجميع أن استمرار القتال يعني مزيداً من الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية.

وينظر البعض إلى قانون السلام باعتباره فرصة لإحياء الجهود الدولية بعد تعثر المبادرات السابقة، خاصةً إذا نجح في خلق ضغوط حقيقية تدفع الأطراف المتصارعة إلى الجلوس على طاولة التفاوض والتوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار.

كما ترتبط آمال المواطنين بإمكانية أن يقود أي اتفاق سياسي إلى إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة، تعيد تأهيل البنية التحتية المدمرة وتوفر الخدمات الأساسية وتفتح المجال أمام عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم.

وتزداد هذه التطلعات في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد، حيث تشير التقارير إلى اتساع دائرة الفقر وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن المخاطر التي تهدد الأطفال والنساء والفئات الأكثر هشاشة.

العدالة كمدخل للاستقرار

من أبرز الجوانب التي تحظى باهتمام في مشروع القانون مسألة العدالة والمحاسبة. إذ إن الكثير من السودانيين يرون أن أي عملية سلام لن تكون مستدامة ما لم تترافق مع إجراءات قانونية تضمن عدم الإفلات من العقاب، وتحقق الإنصاف للضحايا.

ويعتقد أنصار هذا التوجه أن معالجة ملفات الانتهاكات عبر آليات قضائية محلية أو دولية يمكن أن تسهم في طي صفحة الحرب بطريقة أكثر استقراراً، وأن غياب العدالة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع في المستقبل.

لكن في المقابل، يثير هذا الملف جدلاً واسعاً، إذ يرى بعض المراقبين أن الإفراط في التركيز على المسارات العدلية قد يعقد فرص التسوية السياسية إذا شعرت أطراف النزاع بأنها مستهدفة بشكل مباشر.

مخاوف من إعادة هندسة المشهد السياسي

رغم الترحيب بأي جهد يهدف إلى إنهاء الحرب، فإن هناك مخاوف متزايدة من أن يؤدي مشروع القانون إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني وفق ترتيبات تُصاغ خارج الحدود.

وتتركز هذه المخاوف حول إمكانية استخدام أدوات الضغط الدولية لإعادة ترتيب موازين القوى الداخلية، أو فرض صيغ سياسية لا تعكس بصورة كاملة التوافق الوطني المطلوب.

ويخشى بعض الفاعلين السياسيين من أن تتحول قضية الشرعية والتمثيل الدولي إلى ورقة ضغط تؤثر على مستقبل المؤسسات الوطنية، بينما يرى آخرون أن أي ترتيبات انتقالية يجب أن تنطلق من توافق سوداني واسع يضمن الاستقرار ويمنع عودة الصراع.

كما تبرز تساؤلات حول طبيعة القوى التي ستشارك في المرحلة المقبلة، ومدى قدرة أي حكومة انتقالية محتملة على تحقيق التوازن بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية والعسكرية.

مصير القوى المسلحة والحركات

وفي السياق، فإن أحد أكثر الملفات حساسية يتعلق بمستقبل الحركات المسلحة والقوى التي نشأت في سياق النزاعات الممتدة بالسودان. إذ إن التوجهات المطروحة تضع هذه القوى أمام استحقاقات جديدة تتعلق بإعادة الدمج أو إعادة التموضع داخل العملية السياسية.

ويرى مؤيدو هذا المسار أن بناء جيش وطني موحد يمثل شرطاً أساسياً لاستقرار الدولة ومنع تكرار الحروب، بينما تحذر أطراف أخرى من أن أي معالجة غير متوازنة قد تؤدي إلى خلق بؤر توتر جديدة أو شعور بالتهميش لدى بعض المجموعات.

لذلك فإن نجاح أي مشروع للسلام سيظل مرتبطاً بقدرته على تقديم ضمانات عادلة لجميع الأطراف، وتحقيق توازن بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، ومتطلبات المشاركة السياسية من جهة أخرى.

الولايات المتحدة ودور المجتمع الدولي

إلى ذلك، يكشف مشروع القانون عن استمرار اهتمام الولايات المتحدة بالملف السوداني، لكنه يعكس أيضاً وجود توافقات أوسع داخل المجتمع الدولي حول ضرورة الوصول إلى تسوية تنهي الحرب.

ومع ذلك، فإن نجاح أي مبادرة خارجية يظل رهيناً بمدى قبولها داخلياً، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الحلول المستدامة لا يمكن أن تقوم على الضغوط الدولية وحدها، بل تحتاج إلى إرادة وطنية حقيقية واستعداد من الأطراف المختلفة لتقديم تنازلات متبادلة.

كما أن المجتمع الدولي يواجه تحدياً يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين دعم السلام واحترام السيادة الوطنية، وهي معادلة ظلت حاضرة في معظم الأزمات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.

مخاوف تجدد الصراع السياسي

وعليه، فإن السودان يمر بلحظة مفصلية قد تحدد ملامح السنوات المقبلة؛ وبين أشواق المواطنين إلى وقف الحرب واستعادة الحياة الطبيعية، ومخاوف القوى السياسية من إعادة تشكيل المشهد وفق أجندات خارجية، يظل مشروع “قانون السلام في السودان” واحداً من أكثر الملفات إثارة للنقاش.

فإذا نجح في دفع الأطراف نحو تسوية عادلة وشاملة، فقد يشكل بداية طريق طويل نحو الاستقرار وإعادة البناء؛ أما إذا تحول إلى ساحة جديدة للصراع السياسي والتجاذبات الدولية، فقد يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى أزمة تبحث منذ سنوات عن مخرج آمن ودائم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى