العقوبات الأمريكية والسودان .. هل بدأت مرحلة السلام القسري وتحديد المسؤوليات الفردية؟

حاتم أيوب أبو الحسن
في الحروب الطويلة تأتي لحظة يتغير فيها معنى الصراع نفسه. فلا يعود السؤال: من يسيطر على مدينة أو يحقق تقدمًا عسكريًا، بل من يستطيع تحمل كلفة الاستمرار، ومن يملك القدرة على النجاة من تبعات النهاية. ويبدو أن الحرب السودانية تقترب من هذه اللحظة مع تصاعد الحديث عن توسيع العقوبات الدولية واستهداف شخصيات وقيادات من مختلف أطراف النزاع، في تحول يعكس تغيرًا جوهريًا في طريقة فهم المجتمع الدولي للأزمة السودانية.
ففي السنوات الأولى للحرب انشغل العالم بتحديد المسؤوليات المباشرة عن اندلاع القتال ومتابعة خرائط السيطرة العسكرية والتحولات الميدانية. لكن بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والتشظي الاجتماعي والكارثة الإنسانية، لم يعد الاهتمام الدولي منصبًا على سؤال من بدأ الحرب بقدر ما أصبح منصبًا على سؤال من يمنع نهايتها.
وهنا يكمن التحول الحقيقي.
فالعقوبات الجديدة لا تبدو مجرد رد فعل على أحداث بعينها، بل تعكس انتقالًا من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إدارة ما بعد الأزمة. فالمجتمع الدولي بات يتعامل مع استمرار الحرب باعتباره مشكلة مستقلة بذاتها، بغض النظر عن الروايات المتنافسة حول أسباب اندلاعها. وكلما طال أمد النزاع أصبحت المسؤولية مرتبطة ليس فقط بالفعل الذي أشعل الحرب، وإنما أيضًا بالفعل الذي يمنع إطفاءها
هذه النقلة الفكرية والسياسية بالغة الأهمية لأنها تنقل مركز الثقل من المسؤولية الجماعية إلى المسؤولية الفردية. ففي السابق كانت الإدانات تُوجَّه إلى الأطراف والتنظيمات والمؤسسات. أما اليوم فإن الاتجاه الدولي المتصاعد يقوم على تحديد الأشخاص الذين يمتلكون سلطة القرار أو التأثير أو التمويل أو التعبئة، وربط استمرار الحرب بخياراتهم الفردية لا بالشعارات العامة التي يرفعونها.
وفي هذا السياق تتحول العقوبات من وسيلة للضغط إلى وسيلة لإعادة تعريف المسؤولية السياسية نفسها. فالقائد الذي كان يختبئ خلف مؤسسته أو جماعته أو خطابه السياسي يجد نفسه تدريجيًا أمام واقع جديد يربط اسمه الشخصي بنتائج الحرب وتكاليفها. وبذلك تصبح العقوبات جزءًا من عملية أوسع تهدف إلى تفكيك الحصانة السياسية والأخلاقية التي كثيرًا ما توفرها الحروب لقادتها.
لكن الأبعاد الأعمق للعقوبات لا تتوقف عند هذا الحد.
ففي عالم ما بعد الحرب الباردة لم تعد الشرعية السياسية تُنتج بالكامل داخل حدود الدول، بل أصبحت تتشكل جزئيًا من خلال منظومة الاعتراف الدولي. ولذلك فإن العقوبات لا تعني فقط تقييد الحركة أو تجميد الأصول، بل قد تعني سحب جزء من الشرعية الدولية من أفراد أو مجموعات بعينها. وعندما يحدث ذلك يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد القدرة على البقاء في السلطة، ليصبح متعلقًا بالقدرة على العودة إلى الحياة السياسية الطبيعية بعد انتهاء الحرب.
ولهذا تبدو العقوبات في الحالة السودانية أقرب إلى عملية فرز سياسي مبكر للقوى المرشحة للمشاركة في المستقبل، والقوى المهددة بالإقصاء عنه. فالمجتمع الدولي لا يبحث فقط عن وقف إطلاق النار، بل يبحث أيضًا عن شركاء محتملين لأي عملية سياسية قادمة. ومن هنا فإن العقوبات تتحول تدريجيًا إلى أداة لإعادة رسم حدود المقبول وغير المقبول في مرحلة ما بعد النزاع.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن العقوبات لا تُفرض عادة عندما تكون الأطراف في ذروة قوتها، بل عندما يبدأ الاقتناع الدولي باستحالة الحسم العسكري. فكلما تراجع احتمال الانتصار الكامل لأي طرف، زادت الرغبة الدولية في فرض تسوية سياسية. وعندما تعجز أدوات الوساطة التقليدية عن تحقيق ذلك، تبدأ أدوات الإكراه السياسي والاقتصادي في الظهور
ولهذا يمكن النظر إلى التصعيد الدولي الراهن باعتباره اعترافًا ضمنيًا بأن الحرب السودانية دخلت مرحلة الاستنزاف التاريخي. وهي المرحلة التي يصبح فيها الجميع قادرين على القتال، لكن غير قادرين على الانتصار. ويصبح الجميع قادرين على التعطيل، لكن غير قادرين على بناء دولة قابلة للحياة.
الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في العقوبات ذاتها، بل في احتمال وصول جميع الأطراف إلى ما يسميه علماء الصراعات بـ”فخ الخسارة المتبادلة”. وهي اللحظة التي يدرك فيها الجميع أن الحرب لم تعد تحقق مكاسب حقيقية، لكنهم يعجزون عن التراجع خوفًا من كلفة التراجع نفسها. وفي هذه المرحلة تصبح الحسابات الشخصية للقادة أكثر تأثيرًا من المصالح الوطنية، لأن إنهاء الحرب قد يعني بالنسبة لبعضهم خسارة النفوذ أو التعرض للمساءلة أو فقدان القدرة على التأثير في ترتيبات المستقبل.
ومن هنا تبرز أهمية التحول نحو المسؤولية الفردية. فالمجتمع الدولي يحاول أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن كلفة استمرار الحرب لن تُحمَّل للشعوب وحدها، بل ستنتقل تدريجيًا إلى الذين يتخذون قرارات استمرارها. وبعبارة أخرى، فإن العالم يحاول نقل ثمن الحرب من المجال الجماعي إلى المجال الشخصي.
لكن التاريخ يعلمنا أن العقوبات وحدها لا تصنع السلام. فهي تستطيع رفع كلفة الحرب، لكنها لا تستطيع خلق السلام من العدم. فالسلام يحتاج إلى مشروع سياسي، وإلى ضمانات، وإلى تصور لمستقبل الدولة يتجاوز مجرد إسكات البنادق. وإذا غابت هذه العناصر فقد تتحول العقوبات إلى مجرد عامل إضافي في تعقيد الأزمة بدل حلها
ومع ذلك فإن ما يحدث اليوم يحمل دلالة لا ينبغي تجاهلها. فالسودان لم يعد يُنظر إليه دوليًا باعتباره ساحة حرب مفتوحة يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، بل باعتباره أزمة وصلت إلى مرحلة تتطلب إعادة تعريف المسؤوليات وتحديد من يتحمل كلفة الإبقاء عليها
وربما يكون السؤال الأهم الآن ليس من سينتصر في الحرب، بل من سيبقى مؤهلًا للمشاركة في صناعة السلام عندما تنتهي. فالتاريخ لا يتذكر فقط من ربح المعارك، بل يتذكر أيضًا من امتلك الشجاعة السياسية للانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة. أما الذين يراهنون على إطالة الصراع إلى ما لا نهاية، فقد يكتشفون متأخرين أن أكبر خسائرهم لم تكن في ساحة القتال، بل في المستقبل الذي تشكل من دونهم
وعندما تبدأ العقوبات في ملاحقة الأفراد بدل الاكتفاء بإدانة الجماعات، وعندما تضيق مساحة المناورة أمام أمراء الحرب ومهندسي الصراع، وعندما يصبح البقاء السياسي مرتبطًا بالقدرة على صناعة السلام لا بإدامة الحرب، فقد نكون أمام بداية مرحلة جديدة في السودان؛ مرحلة لا يُفرض فيها السلام لأن الجميع اقتنعوا به، بل لأن كلفة رفضه أصبحت أعلى من كلفة قبوله.





