حين يطالب صانع الأزمة بالصبر على نتائج الأزمة

حيدر المكاشفي

في زيارته لأهالي منطقة العيلفون، دعا الفريق أول عبد الفتاح البرهان المواطنين إلى عدم التضجر من أزمات الكهرباء والوقود الأخيرة، معتبراً أنها نتيجة (أفعال مقصودة) دون أن يسمي هذه الأفعال المقصودة. بهذا التصريح المبني للمجهول بدا البرهان وكأنه خارج للتو من عزلته في البدروم، ليتفاجأ بأن البلاد تعيش حرباً وانهياراً اقتصادياً وانقطاعاً للخدمات، وليس صادراً من البرهان الذي يقود الدولة والجيش بوضع اليد منذ سنوات ويشرف على حرب دخلت عامها الرابع وحولت البلاد إلى أكبر كارثة إنسانية في تاريخها الحديث.

والغريب المثير للخطر في حديث البرهان هذا ليس تحميله المسؤولية لـ(أفعال مقصودة) مبنية للمجهول، بل تجاهله المتعمد للحقيقة الأكثر وضوحاً من الشمس، وهي أن الحرب نفسها هي أكبر فعل مقصود أدى إلى انهيار الخدمات وانقطاع الكهرباء وشح الوقود وتراجع الاقتصاد.

فأزمة الكهرباء لم تهبط من السماء فجأة، ولم يختفِ الوقود بفعل ساحر مجهول، ولم يُصب الخراب البنية التحتية بفعل المردة والأبالسة، بل هي الحرب التي أصبحت فيها المحطات وخطوط النقل ومرافق الإنتاج أهدافاً مباشرة أو غير مباشرة للصراع، وعطلت الإنتاج والنقل والتوزيع ودفعت الاقتصاد كله إلى حافة الانهيار.

والمواطن السوداني الذي يقف في صف الوقود لساعات، أو يقضي ليله في الظلام، لا يحتاج إلى تصريح من البرهان ولا لغير البرهان ليعرف سبب معاناته. هو يرى ويعيش الحرب في كل تفاصيل يومه، في الأسعار التي تقفز بلا رحمة، وفي الخدمات التي تنهار، وفي المدن التي تحولت إلى ساحات قتال، وفي ملايين النازحين الذين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم.

المفارقة الساخرة في حديث البرهان أن حكومته التي ظلت تقدم الحرب باعتبارها الطريق إلى الاستقرار أصبحت تطالب الناس بتحمل نتائج غياب الاستقرار. وكأن المطلوب من المواطن أن يتقبل الظلام والجوع والعطش وانعدام الخدمات باعتبارها مجرد آثار جانبية لا تستحق التذمر والتضجر..

الحقيقة التي يحاول البرهان القفز فوقها بسيطة للغاية، وهي أنه لا يمكن فصل أزمات الكهرباء والوقود عن الحرب، تماماً كما لا يمكن فصل الدخان عن النار. وكل حديث عن النتائج دون الاعتراف بالسبب الرئيسي ليس سوى محاولة للهروب من السؤال الأكبر: من الذي أوصل السودان إلى هذه المرحلة أصلاً؟.

لذلك لم يكن مستغرباً أن يستقبل كثيرون تصريحات البرهان بالسخرية. فحين يطلب قائد الحرب من المواطنين ألا يتضجروا من آثار الحرب، يصبح المشهد أقرب إلى رجل أشعل الحريق ثم خرج ليعظ الناس عن فضائل التعايش مع الحريق.

إن الحقيقة التي يعرفها راعي الضأن في الخلاء هي أن الحرب لا تنتج استقراراً، ولا تولد كهرباء، ولا تملأ خزانات الوقود. الحرب تنتج ما يراه السودانيون ويعايشونه اليوم ويتضجرون ويتذمرون منه، خراباً ونزوحاً وفقراً وتعطيلاً للاقتصاد، وانهياراً للخدمات الأساسية.

وقد حق للناس أن يسألوا البرهان، إذا لم تكن الحرب هي السبب الرئيسي لانهيار الخدمات فمن يكون إذن، وما المقصود بـ(أفعال مقصودة) إن لم تكن هي فعايل الحرب ومترتباتها وإفرازاتها ونتائجها، لكن يبدو أن البرهان يريد فرض فلسفة جديدة على المواطنين مؤداها: تحملوا نتائج الحرب وانسوا وجود الحرب نفسها.

المؤسف أن خطاب البرهان وصل إلى مرحلة لم يعد يناقش فيها أسباب الكارثة، بل يكتفي بمطالبة الضحايا بتحسين سلوكهم تجاه الكارثة. وكأن المشكلة ليست في الحرب، بل في تذمر المواطنين من نتائج الحرب (فتعجب وأدِّ ربك العجب).

والمواطن الذي يقضي نهاره بين صفوف الوقود وليله في ظلام دامس، لا يحتاج إلى خطابات وعظية عن الصبر. المواطن يحتاج إلى إجابة عن سؤال غاية في البساطة وهو: من المسؤول عن هذا الواقع الأليم المزري؟

المشكلة ليست في أن السودانيين يتضجرون، فأي شعب في العالم سيتضجر من واقع كهذا. المشكلة الحقيقية أن سلطة الأمر الواقع ما زالت تتحدث عن نتائج الحرب وكأنها ظاهرة طبيعية لا علاقة لها بالقرارات السياسية والعسكرية التي أوصلت البلاد إلى هذا الدرك.

ولعلم البرهان والبلابسة كافة، ما من حرب وقعت في هذه الدنيا سابقاً وما هو واقع منها حالياً مثل حرب غزة والسودان وكرواتيا وروسيا وما ستقع في المستقبل، كانت وستكون حرباً نظيفة خالية من الانتهاكات والفظائع.

فأيما حرب هي بالضرورة رديفة الانتهاكات والموبقات والفظائع. فالحرب تتسبب في طيف واسع من الانتهاكات الفظيعة مما يشكو منه الناس الآن في السودان، مثل سقوط الأبرياء قتلى وفقدان الأحياء لكل ما يملكون، وتشريدهم من بيوتهم، فيضربون في الأرض هائمين على وجوههم بحثاً عن المأوى الآمن داخل الوطن وخارجه، وفقدان الرعاية الطبية والصحية، مما يتسبب في انتشار الأوبئة والأمراض في ظل تدهور بل وانعدام الخدمات العلاجية وانهيار كامل المنظومة الصحية.

وتفشي حالات الاغتصاب التي تقع على الحرائر، كما تشمل آثار الحرب الأضرار الجسدية والنفسية طويلة المدى على الأطفال والبالغين على حد سواء، فضلاً عن تفشي الفقر وسوء التغذية والإعاقة والتدهور الاقتصادي والأمراض النفسية والاجتماعية الناجمة عن صدمة الحرب، وتدمير كامل البنية التحتية، وخاصة تلك التي تدعم الصحة العامة للمجتمع، مثل قطاعات الأنظمة الغذائية والرعاية الطبية والنظافة وتدهور البيئة والنقل والاتصالات والطاقة الكهربائية.

لهذا فلنكن معنيين بمناهضة ومكافحة كل إفرازات الحرب السالبة والضارة، ولملمة هذه الجراح المتفتقة ومحاولة مداواتها، بتعزيز الخطاب الديمقراطي وإفشاء روح وثقافة السلام، ومناهضة خطاب الكراهية المنتن، وإفشاء قيم التسامح المجتمعي في ضوء الخلخلة والزلزلة الاجتماعية التي ضربت كافة مكونات المجتمع السوداني، التي نخرت في وحدته وهلهلت نسيجه الاجتماعي وهددت وحدته الوطنية، وما يرافق ذلك من نشر ضار وسالب وتضليل إعلامي، لدرجة جعلت من الحقيقة المجردة أكبر ضحايا هذه الحرب.

وبعبارة جامعة، لا بد من إيقاف الحرب لنوقف كل هذا الخراب والدمار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى