تفكيك الدولة العميقة: بين عمق التشخيص ومأزق غياب الحلول البديلة

قراءة تحليلية في أطروحة بابكر فيصل حول الحركة الإسلامية والعملية السياسية

طارق فرح

طالعتُ باهتمام كبير المقال التحليلي الرصين الذي تناول معضلة “الحركة الإسلامية والعملية السياسية” في سياق الحرب الكارثية التي تدخل عامها الرابع في السودان. ولا يسعني في البداية الا الإشادة بالتشخيص الدقيق والعميق الذي قدمه الأستاذ بابكر فيصل لطبيعة الأزمة؛ فقد نجح برؤية ثاقبة في تفكيك المقارنة الشائعة بين تجربة جنوب إفريقيا (الأبارتايد) وحالة الحركة الإسلامية السودانية، مستنداً إلى واقع تاريخي يوضح الفارق الشاسع بين نظامٍ امتلك شجاعة الاعتراف بالنهاية وقَبِل بتفكيك نفسه، وتنظيمٍ عقائدي ما زال يستميت للحفاظ على دولته العميقة ومفاصلها الأمنية والعسكرية.
إن ما أورده بابكر فيصل حول تجربة الحزب الشيوعي الأوكراني يمثل إسقاطاً تاريخياً في غاية الذكاء؛ فهو يضع الأصبع على الجرح الحقيقي: الأيديولوجيات التي تؤمن بامتلاك “الحقيقة المطلقة” يصعب احتواؤها بمنطق الحوار التقليدي لأنها ترى في الآخر عدواً وجودياً لا شريكاً في الوطن.
لكن، وبالرغم من الاتفاق التام مع هذا التشخيص الهيكلي والفكري، إلا أن المقال توقف عند عتبة التشخيص وترك القارئ أمام مأزق الأسئلة المعلقة. إن الأصوات التي تنادي اليوم بضرورة الحوار والتفاوض مع “المختلف” لا مع “المتفق”، لا تنطلق بالضرورة من باب الجهل بالتاريخ أو الرغبة في إعادة إنتاج النظام القديم، ولا يمكن خلطها بمواقف المستفيدين من الحرب؛ بل هم سودانيون يتقاسمون معنا نفس “الوجعة الوطنية”، ويدفعهم السعي لإيقاف هذه المحرقة الإنسانية قبل أن تأتي على ما تبقى من جسد الوطن.
ومن هنا تكمن المخاوف الحقيقية؛ إن رهان المقال على انتظار مراجعة من الحركة الإسلامية ككتلة واحدة، والقول بأن “الكرة في ملعبهم”، هو أمر صحيح نظرياً، لكنه عملياً يتجاهل وجود جناح متصلب ورافض يقود المشهد الدموي على الأرض، والبديل الحتمي لتعنته في ظل غياب استراتيجية تعامل مدنية واضحة هو استمرارية هذه الحرب العبثية وصولاً إلى التفتت الكامل للكيان الوطني.
وما يزيد من تعقيد هذا المأزق هو ما أشار إليه الكاتب نفسه بشأن “تباطؤ خطوات الرباعية الدولية والآلية الخماسية”. ومع كامل التقدير لجهود المجتمع الدولي والإقليمي كميسرين، إلا أن هذا التباطؤ يذكرنا بأن الحل المستدام لا يأتي جاهزاً من الخارج. إننا أصحاب القضية، وصناعة الحل يجب أن يكون بإرادة وقرار سوداني-سوداني، دون انتظار أن يفرضه الآخرون. لذلك، قد آن الأوان للتفكير خارج الصندوق.
إن الموافقة على أن “تفكيك الدولة العميقة واسترداد قومية المؤسسات” هو استحقاق وليس شرطاً للتفاوض، لا تعني مقاطعة منابر الحوار، بل تعني تحويل هذا الاستحقاق إلى “أجندة تفاوض رئيسية”. فالجلوس هنا ليس مساومة على الدماء، بل آلية سياسية ضرورية لانتزاع هذه الاستحقاقات وتثبيتها بضمانات دولية.
وحتى يكتمل المشهد، قد يرى الكاتب، ومعه الحق في ذلك، أن هدف المقال الأساسي انحصر في تفكيك مبررات الرفض للجلوس مع الحركة الإسلامية دون الخوض في تقديم البدائل. وهو مسعى تشخيصي نجح فيه تماماً؛ غير أن واقع الكارثة الوطنية المتسارع يفرض اليوم ضرورة العبور بالرؤية المدنية من مربع “الرفض المبدئي” إلى مربع “الفعل الاستراتيجي”.


ويبدأ ذلك بإعادة تعريف التفاوض نفسه مع التيار الرافض ليكون محصوراً في “بروتوكول تفكيك التمكين والاندماج السلمي” (على مثال تجارب التسريح والدمج) لا على تقاسم السلطة. ويتطلب هذا صناعة كتلة مدنية صلبة عبر مواثيق وطنية واضحة كتلك المرجوة من اجتماعات أديس أبابا تفرض مفهوم الدولة المدنية وقومية الجيش كسقف للتفاوض، بالتوازي مع تفعيل مسارات العدالة الانتقالية لكسر شعور قادة الحرب بالحصانة وإجبار العناصر العقلانية داخلها على تقديم تنازلات حقيقية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يُقرأ مقال الأستاذ بابكر فيصل من جانب الحركة الإسلامية كمنشور إقصائي، بل هو دعوة للمكاشفة والمواجهة مع الذات. وتأسيساً على أن “الكرة في ملعبهم”، تبرز الحاجة الملحة لتعامل منظري الحركة بعقل منفتح مع هذه الحقيقة؛ فالأطروحة التي قدمها المقال تمثل السقف التاريخي والسياسي الذي لا يمكن تجاوزه لبناء أي سودان مستقبلي.
إن التقاط الكرة من ملعبهم واعتبار المقال منصة للتفاكر، لا الخصومة، هو أولى خطوات تقريب المسافات. والمطلوب اليوم من الحركة الإسلامية بما تملكه من عقول قادرة على استيعاب فداحة الكارثة هو التقدم خطوة جريئة نحو القبول الطوعي بإنهاء تغول الدولة العميقة، والموافقة على مهنية المؤسسة العسكرية، وتقديم مراجعات فكرية تتصالح مع التعددية والتداول السلمي للسلطة. إن الإقدام على هذه الخطوات ليس انكساراً، بل هو الرد العملي الوحيد لبناء جسر نحو سلام مستدام ينهي معاناة الشعب.
في الختام، إننا لا نملك ترف الانتظار حتى يحظى الجناح المتشدد بلحظة تجلي أخلاقي يقبل فيها بتفكيك نفسه طواعية. إن دماء الجرحى وأنين النازحين يفرضان على النخبة السياسية الانتقال من “البلاغة” إلى “الواقعية الشجاعة”. نعم، التشخيص صحيح والرفض الأخلاقي مشروع، ولكن اقتلاع تفخيخ الدولة العميقة وإيقاف الحرب يتطلبان النزول إلى معترك التفاوض بقلب جسور وعقل مفتوح، لفرض إرادة الشعب وعزل تيار الحرب، لا عبر أوهام الحسم العسكري. والسؤال الذي يجب أن يؤرق النخبة المدنية اليوم ليس: هل نتفاوض؟ بل: كيف نتفاوض بشروطنا لا بشروطهم؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى