على حافة الكارثة.. الأبيض تغرق في الظلام والعطش

أفق جديد

تشهد مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، أزمة إنسانية وأمنية متفاقمة نتيجة استمرار العمليات العسكرية والقصف المتبادل الذي ألحق أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.

ومع تدمير عدد من المرافق الصحية وانقطاع التيار الكهربائي بشكل كامل، وتوقف إمدادات المياه، واستهداف محطات الوقود، يواجه مئات الآلاف من السكان أوضاعًا معيشية بالغة الصعوبة وسط مخاوف من كارثة إنسانية واسعة النطاق.

ويقول سكان إن المدينة أصبحت تعيش حالة من الشلل شبه الكامل، حيث تراجعت الخدمات الصحية إلى أدنى مستوياتها، فيما بات الحصول على المياه والغذاء والدواء تحديًا يوميًا يثقل كاهل الأسر التي أنهكتها الحرب والحصار.

وأكدت مصادر محلية أن عددًا من المستشفيات والمراكز الصحية خرج عن الخدمة نتيجة الأضرار المباشرة أو بسبب نقص الإمدادات الطبية والوقود اللازم لتشغيل المولدات، الأمر الذي حرم المرضى والجرحى من الرعاية الصحية في وقت تزداد فيه الحاجة إلى الخدمات الطبية الطارئة.

ويقول المواطن خالد مصطفى لـ”أفق جديد”: “نقضي ساعات طويلة في البحث عن المياه. بعض الأحياء لم تصلها المياه منذ أشهر، وأصبحنا نعتمد على مصادر بعيدة وغير مضمونة. الأطفال وكبار السن هم الأكثر معاناة في هذه الظروف.”

أما المواطنة آمنة عيسى فتصف الوضع الصحي بالكارثي، قائلة: “عندما مرض ابني لم أجد مستشفى يعمل بصورة طبيعية. الأدوية نادرة وأسعارها مرتفعة، وحتى الوصول إلى المرافق الصحية أصبح محفوفًا بالمخاطر بسبب القصف وانعدام الأمن.”

وتفاقمت الأزمة مع الانقطاع الكامل للكهرباء، ما أدى إلى تعطل العديد من الخدمات الحيوية، بما في ذلك تشغيل الآبار ومحطات ضخ المياه وحفظ الأدوية واللقاحات والمواد الغذائية.

ويقول التاجر عاطف نور الدين لـ”أفق جديد”: “انقطاع الكهرباء أثر على كل شيء. المواد الغذائية بدأت تتلف، والأسعار ترتفع يوميًا بسبب صعوبة النقل ونقص الوقود. كثير من الأسر لم تعد قادرة على شراء احتياجاتها الأساسية.”

كما أدى استهداف محطات الوقود أو خروجها عن الخدمة إلى تفاقم معاناة السكان، حيث تعطلت وسائل النقل وواجهت المرافق الخدمية صعوبات كبيرة في تشغيل المولدات والآليات اللازمة لاستمرار عملها.

وتقول عائشة إسماعيل، وهي نازحة تقيم داخل المدينة: “كنا نعتقد أن الأبيض ستكون أكثر أمنًا، لكننا الآن نعيش تحت ضغط الخوف والعطش والجوع. نحتاج إلى ممرات آمنة وإغاثة عاجلة قبل أن تتدهور الأوضاع أكثر.”

 

مؤخرًا حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من خطر موجة جديدة من العنف تطال الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، في ظل حشود عسكرية كبيرة لقوات الدعم السريع وتصاعد هجمات الطائرات المسيّرة والقصف المدفعي.

وحشدت الدعم السريع أعدادًا كبيرة من مقاتليها حول مدينة الأبيض جنوبي السودان، مع تكثيف هجمات الطائرات المسيّرة على مواقع حيوية في المدينة، بما في ذلك محطات الوقود.

وقال المتحدث باسم الأمين العام في بيان إن أنطونيو غوتيريش يشعر بانزعاج بالغ إزاء نشر تعزيزات عسكرية كبيرة حول الأبيض، مما يشير إلى هجوم بري وشيك على المدينة، الأمر الذي قد يعرّض مركزًا سكانيًا رئيسيًا آخر في السودان لخطر جسيم يتمثل في اندلاع أعمال عنف واسعة النطاق.

وطالب غوتيريش جميع الأطراف والجهات التي تملك نفوذًا على أطراف النزاع باستخدامه لمنع المزيد من إراقة الدماء، وعدم السماح “بتكرار المآسي التي شهدتها الفاشر في الأبيض”.

من جهته، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من أن الهجوم الوشيك على الأبيض قد يؤدي إلى ارتكاب جرائم دولية خطيرة جديدة، ويزيد من تفاقم الأوضاع الكارثية التي يعاني منها السكان المدنيون المنهكون أصلًا.

وقال تورك: “إن الهجوم الوشيك على الأبيض ينطوي على خطر ارتكاب جرائم دولية خطيرة، ويعمّق الآثار الكارثية الواقعة على سكان مدنيين يرزحون بالفعل تحت وطأة معاناة هائلة”.

وأضاف: “لقد رأينا هذا السيناريو من قبل، ولا يمكننا السماح بتكرار الفظائع التي كان من الممكن منعها، والتي وثقناها في الفاشر ومخيم زمزم للنازحين في شمال دارفور العام الماضي. فالمدنيون يواجهون خطرًا جسيمًا في ظل غياب إجراءات تحول دون وقوع هجوم وشيك أو مزيد من التصعيد العسكري.”

وأشار تورك إلى أن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة في تنفيذ الغارات الجوية يخلّف آثارًا مدمرة إضافية على المدنيين والبنية التحتية المدنية في إقليم كردفان.

وأوضح أنه خلال الأسبوعين الماضيين شهدت مدينة الأبيض عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة، استهدفت بشكل خاص محطات الوقود والشاحنات، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين.

وتابع: “ليكن هذا إنذارًا واضحًا للعالم بشأن كارثة وشيكة في مجال حقوق الإنسان وتدهور متفاقم للوضع الإنساني. وتقع على عاتق الدول ذات النفوذ مسؤولية استخدام نفوذها الآن لوقف هذا الجنون قبل فوات الأوان.”

وفي السياق نفسه، طالبت 29 دولة، بينها بريطانيا وفرنسا، الدعم السريع بوقف الهجوم المعتزم على الأبيض غربي السودان.

وقال “ائتلاف منع الفظائع وتحقيق العدالة في السودان” و21 دولة أخرى، في بيان، إنهم “يدعون الدعم السريع إلى الوقف الفوري لهجومها على الأبيض، حيث إن خطر التصعيد الوشيك يعرّض 500 ألف مدني، بينهم 100 ألف نازح، لخطر الوقوع ضحايا لفظائع واسعة النطاق.”

ويحذر مراقبون من أن استمرار تدهور الأوضاع قد يؤدي إلى انتشار الأمراض المرتبطة بتلوث المياه وسوء الأوضاع الصحية، خاصة مع تكدس السكان في بعض المناطق وغياب الخدمات الأساسية.

وتطالب فعاليات مجتمعية ومنظمات إنسانية بضرورة تحييد المرافق المدنية والخدمية عن دائرة الصراع، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والمواد الطبية والوقود إلى المدينة بصورة عاجلة، لتخفيف معاناة السكان والحيلولة دون وقوع مزيد من الخسائر الإنسانية.

في مدينة الأبيض، لم يعد السكان يواجهون فقط أصوات القذائف ومخاطر الحرب، بل أصبحوا يخوضون معركة يومية من أجل الماء والدواء والغذاء والكهرباء. وبينما تتآكل الخدمات الأساسية وتتسع دائرة المعاناة، يظل الأمل معلقًا على تحرك عاجل يضع حدًا لتدهور الأوضاع ويمنح المدنيين فرصة للعيش بكرامة وأمان بعيدًا عن ويلات الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى