الرغيف.. وأسعاره حرب السودانيين داخل الحرب

الخرطوم: الزين عثمان

بسخرية مريرة، يتداول سودانيون مقيمون في قطر خبر زيادة أسعار الخبز، وهي زيادة قد تبدو مستغربة في دولة مستقرة اقتصادياً، غير أن المفارقة سرعان ما تتجسد في تعليقهم بأن الزيادة ارتبطت بـ”الرغيف السوداني”. وما يبدو مثيراً للدهشة في قطر، يظل مثيراً للشفقة في السودان، حيث يتحول كل شروق للشمس إلى إعلان غير رسمي عن سعر جديد لرغيف الخبز.

فكل صباح جديد في السودان يعني بداية رحلة جديدة من المعاناة، يواجه خلالها المواطنون واقعاً أكثر قسوة من سابقه. يقول هاشم النور، الذي عاد إلى منزله في الخرطوم بعد رحلة طويلة من التشرد، في حديثه لـ”أفق جديد”: “أصبحنا نخاف من شروق الشمس”. ويضيف: “الأمر لا علاقة له بالمسيرات القادمة من السماء في الحرب، وإنما بالمسيرات التي تستهدفنا كل صباح. ولا يتعلق بالكهرباء، فقد اعتدنا غيابها، ولا بالعلاج، وإنما برغيف الخبز الذي يصبح مع كل صباح بسعر جديد”. ويشير إلى أن سكان الخرطوم يستيقظون اليوم على واقع بيع أربع رغيفات بألف جنيه، بينما تتحول في مناطق أخرى إلى ثلاث رغيفات فقط بالمبلغ ذاته.

ويرى عبد الرحيم يوسف، صاحب أحد المخابز، أن ارتفاع أسعار الخبز جاء اضطرارياً، ويرتبط بصورة مباشرة بالزيادة المستمرة في أسعار مدخلات الإنتاج، وعلى رأسها الدقيق، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود، خاصة في ظل انعدام استقرار التيار الكهربائي أو ضعفه، الأمر الذي يجعل تشغيل المخابز أكثر كلفة. ويؤكد أن هذه العوامل لم تعد مجرد ظواهر عابرة، وإنما أصبحت واقعاً دائماً قد يدفع كثيراً من أصحاب المخابز إلى إغلاق أبوابهم نهائياً، مضيفاً: “نحن نعمل لنربح، ولا أظن أن أحداً سيواصل العمل من أجل أن يخسر. ما يحدث مرتبط بالوضع العام في البلاد، والمخابز ليست استثناءً”.

وعلى امتداد العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات، تتزايد لافتات “مغلق” على أبواب المخابز، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها هذا القطاع الحيوي، إذ لم يعد الإغلاق قراراً استثنائياً، بل تحول إلى خيار اضطراري للهروب من الخسائر اليومية. ومع كل مخبز يتوقف عن العمل، تتراجع كميات الخبز المتوفرة في الأسواق، لتزداد الأزمة تعقيداً، وترتفع الأسعار بوتيرة متسارعة.

ولا تبدو الأزمة مقتصرة على الخرطوم، المدينة التي يخوض سكانها معركة يومية من أجل البقاء، فقد امتدت إلى ولايات أخرى. ففي منطقة المعيلق بولاية الجزيرة، تداول أحد المواطنين مقطع فيديو يؤكد فيه أن ثلاث رغيفات فقط تباع بجنيه واحد، في مؤشر على اتساع رقعة الأزمة. وفي مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، ارتفعت أسعار الخبز أيضاً، بالتزامن مع تقليص أحجام الأرغفة، وهو الأسلوب الذي يلجأ إليه أصحاب المخابز للتخفيف من آثار ارتفاع تكاليف التشغيل، مع تجنب زيادات أكبر في الأسعار، في ظل سوق منهكة وجيوب مواطنين لم تعد تحتمل مزيداً من الأعباء.

ولم تعد الأزمة مقتصرة على ارتفاع أسعار الخبز وحده، بل تعمقت مع غياب البدائل التي يمكن للمواطنين اللجوء إليها. فربات البيوت أصبحن عاجزات عن صناعة الخبز في المنازل بسبب انقطاع الكهرباء من جهة، وارتفاع أسعار غاز الطهي من جهة أخرى. ولم تجد إحدى ربات المنازل ما تختصر به المشهد سوى عبارة موجعة: “من لم يمت بالحرب سيموت بالجوع”.

ويُرجع خبراء اقتصاديون ارتفاع أسعار الخبز والسلع الغذائية في السودان، كما في عدد من الدول، إلى اضطراب إمدادات الوقود نتيجة الحرب الإيرانية، إلى جانب استمرار الحرب داخل السودان، فضلاً عن التدهور القياسي الذي شهده الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية.

وبحسب متخصصين، فإن الارتفاع في أسعار الوقود والخبز وبقية السلع الغذائية يرتبط أيضاً بزيادة أسعار النفط عالمياً نتيجة الصراع في المنطقة، بالتوازي مع الآثار المدمرة للحرب الدائرة بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع”، والتي فاقمت بصورة كبيرة الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

ويؤكد الخبراء أن الزيادة الكبيرة في أسعار السلع والخدمات تشكل عبئاً إضافياً على المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب، محذرين من أن هذه المتغيرات الاقتصادية ستقود إلى ارتفاع معدلات التضخم بصورة أكبر، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية التي يعتمد عليها السودانيون في حياتهم اليومية.

وبذلك، تبدو الحرب الإيرانية عاملاً مؤثراً في سعر رغيف الخبز الذي يشتريه سكان أمبدة بمدينة أم درمان، غير أن هذه الأزمة لا يمكن فصلها عن الحرب المستمرة في السودان، والتي سبقت الحرب الإيرانية بوقت طويل، إذ فقد ملايين السودانيين وظائفهم ومصادر دخلهم التي كانت تمكنهم من شراء احتياجاتهم الأساسية، لتتداخل آثار الحرب مع موجة الارتفاع الجنوني للأسعار، وتضعهم أمام سؤال يومي يتعلق بكيفية تدبير سبل العيش.

وفي خضم هذا الواقع، يفرض السؤال نفسه: أين الحكومة؟ فبالنسبة لكثيرين، فتحت أزمة الخبز الباب أمام مقارنات بين أوضاع السودانيين في السابق وما آلت إليه أحوالهم اليوم. كما أصبحت الأزمة إحدى الوسائل التي يستخدمها أنصار النظام السابق لاستدعاء واقع الحياة في عهد الرئيس المعزول عمر البشير، مستندين إلى أن سعر رغيف الخبز آنذاك كان أقل من جنيه واحد، رغم أن الأزمات الاقتصادية في تلك الفترة كانت أحد أبرز العوامل التي قادت إلى اندلاع الثورة والإطاحة بالنظام.

وفي المقابل، لم يصدر رئيس وزراء حكومة الأمل أي توجيهات تتعلق بأسعار الخبز، في وقت تسربت فيه أنباء عن اتجاه وزارة المالية إلى زيادة سعر الدولار الجمركي، بينما جمدت وزارة التجارة قرارها السابق بحظر استيراد عدد من السلع من الخارج. ويرى مراقبون أن التراجع عن تلك القرارات يمنح المواطنين صورة أوضح عن أولويات الحكومة في التعامل مع احتياجاتهم اليومية، من الكهرباء والمياه الصالحة للشرب والعلاج، وصولاً إلى رغيف الخبز، وهي قضايا تبدو، في نظر كثيرين، في ذيل سلم اهتمامات السلطة المنشغلة بملفات أخرى لا يأتي المواطن في مقدمتها.

وفي ظل هذا المشهد، قد تتحول أربع رغيفات بألف جنيه إلى ثلاث غداً، وربما تصبح رغيفتين بالمبلغ نفسه في وقت لاحق. وإذا بلغ سعر الرغيفة الواحدة ألف جنيه في سودان الحرب والمسيرات والفساد وشعارات “مجد البندقية”، فلن يبقى أمام السلطة، وفق رؤية كثير من المواطنين، سوى أن تخرج لتبيع لهم “الأمل”، ويحدثهم رئيس وزرائها بالفرنسية قائلاً: “اكلوا كيك”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى