من الحرب إلى الدولة… العقد الاجتماعي بوصفه سؤال السودان الكبير
بينما لا تزال الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على السودان، وتعيد تشكيل الجغرافيا والوعي والعلاقات الاجتماعية والسياسية، يبرز سؤال يتجاوز وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف يُعاد تأسيس الدولة السودانية نفسها؟
لسنوات طويلة، ظل السودانيون يختلفون حول شكل الحكم، والدستور، والهوية، وتقاسم السلطة والثروة، لكن الحرب الأخيرة كشفت بصورة قاسية أن الأزمة لم تكن أزمة حكومة أو نظام سياسي فحسب، بل أزمة تأسيس، وأزمة اتفاق وطني على القواعد التي تنظم العيش المشترك داخل الدولة.
من هنا تنطلق أهمية النقاش الذي يفتتحه منتدى «أفق جديد» حول اليوم التالي للحرب، عبر حلقة نقاش تُعقد غداً الثلاثاء، يشارك فيها طيف واسع من السودانيين؛ إذ لا يهدف المنتدى إلى البحث عن تسوية سياسية عابرة أو إعادة إنتاج ترتيبات سابقة، وإنما إلى فتح نقاش جاد حول فكرة أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: العقد الاجتماعي الجديد.
لقد تعددت المقاربات التي طُرحت خلال سنوات الأزمة والحرب؛ بين العودة إلى الإرث الدستوري، أو استلهام مشاريع التأسيس الجديدة، أو البحث عن مبادئ فوق دستورية تحفظ الانتقال. غير أن فكرة العقد الاجتماعي تظل المقاربة الأوسع والأكثر قدرة على بناء الاستقرار؛ لأنها لا تبدأ من سؤال: من يحكم؟ بل من سؤال: كيف نعيش معاً داخل دولة واحدة؟
إن العقد الاجتماعي ليس وثيقة قانونية فحسب، بل اتفاق أخلاقي وسياسي ومجتمعي يؤسس للشرعية، ويحدد علاقة المواطن بالدولة، والدولة بالمجتمع، والمجتمع بمكوناته المختلفة. وهو بهذا المعنى يمثل انتقالاً من شرعية القوة، أو شرعية التاريخ، أو شرعية الثورة، إلى شرعية التوافق الوطني الحر.
وليس هذا السؤال جديداً على السودان. فمنذ الاستقلال ظل مشروع الدولة الوطنية يواجه تحديات بنيوية مرتبطة بالهوية، ومركزية السلطة، وعدم التوازن التنموي، وضعف المؤسسات، وتداخل الانتماءات، وتعثر الانتقال الديمقراطي، حتى تراكمت الأزمات وانفجرت في دورات متكررة من النزاع والحروب.
اليوم، وبعد ما خلفته الحرب من كلفة إنسانية واجتماعية وسياسية باهظة، لم يعد ممكناً الاكتفاء بإدارة الأزمة؛ بل أصبح ضرورياً التفكير في إعادة تعريف الدولة نفسها: دولة المواطنة لا الامتياز، دولة القانون لا الغلبة، دولة المؤسسات لا الأشخاص.
إن الحديث عن العقد الاجتماعي الجديد يعني مناقشة أسئلة ظلت مؤجلة طويلاً: كيف نبني هوية وطنية جامعة؟ كيف ننظم العلاقة بين الدين والدولة؟ كيف نحقق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة؟ كيف نبني جيشاً مهنياً قومياً واحداً؟ وكيف نستعيد ثقة المواطنين في الدولة ومؤسساتها؟
هذه ليست أسئلة نخبوية، بل أسئلة وجودية تتعلق بمصير السودان نفسه.
يأتي هذا المنتدى إيماناً بأن الخروج من الحرب لا يكتمل إلا بالدخول في حوار وطني عميق وشجاع، يشارك فيه الجميع: القوى السياسية، والمجتمع المدني، والشباب، والنساء، وضحايا الحرب، وكل أصحاب المصلحة في المستقبل.
فالدول لا تُبنى بانتصار طرف على آخر، وإنما تُبنى حين يتواضع الجميع على قواعد عادلة للعيش المشترك.
وربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يقود نقاشاتنا ليس: كيف نُنهي الحرب؟
بل: كيف نمنع الحرب القادمة؟