بين ستة وبعشوم.. الذاكرة السودانية تعيد إنتاج مآسيها

قلم: يوسف الغوث

تختزل الذاكرة السودانية في ثناياها مخزونًا هائلًا من الحكم والأمثال التي وُلدت من رحم الأزمات والتحولات الكبرى، لتظل حية ومتجددة مع كل منعطف تمر به البلاد، فالحكم والأمثال عبارة عن موروثات ومرآة تعكس واقع المجتمعات وتعبر عنه. وفي قلب هذا الموروث، تبرز عبارة “ستة وبعشوم” كواحدة من أقسى التعبيرات التي تلخص اجتماع المحن والمصائب في وقت واحد.

تعود جذور هذه العبارة إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدًا في العام 1306 هجرية الموافق 1889 ميلادية، في عهد الخليفة عبد الله التعايشي، الذي تولى قيادة الدولة المهدية بعد وفاة الإمام المهدي، واستمر حكمه من 1885 حتى 1899. وكان الخليفة معروفًا بحزمه الشديد وقراراته الصارمة، الأمر الذي جعله يفرض سياسة التهجير القسري، والتي عُرفت بـ(القم)، على قبائل غرب السودان، خاصة قبيلته التعايشة، حيث أمرهم بالهجرة جماعيًا إلى العاصمة أم درمان لتعزيز نفوذه وحماية دولته، مما تسبب في تكدس هائل للسكان وضغط كبير على الموارد.

وفي خضم هذه الظروف، ضربت البلاد مجاعة طاحنة عُرفت تاريخيًا بسنة ستة، وهو الاسم الذي أطلقه عليها السودانيون لأنها العام السادس بعد الألف والثلاثمائة في التقويم الهجري. جاءت هذه المجاعة نتيجة الجفاف الشديد، وفشل المواسم الزراعية، وانشغال الناس بالحروب، وسياسات التهجير القسري التي زادت من حدة الأزمة، فأودت المجاعة بحياة الآلاف، واضطر الجائعون إلى أكل أوراق الشجر والجلود، وحيوانات لم تكن تؤكل من قبل.

 

وفي تلك الأجواء القاتمة، ظهر الطرف الثاني من المعادلة، وهو (البعشوم)، أو الثعلب في الدارجة السودانية، والذي تصفه الثقافة الشعبية بالمكر والانتهازية، إذ تبدلت غريزته من الخوف من البشر إلى الاقتراب منهم، مستغلًا حالة الهزال الشديد والضعف العام، وجثث الموتى المنتشرة، ليتجول بجرأة داخل المدن والقرى مفترسًا ومستغلًا تلك النكبة.

ومنذ ذلك الحين، تحولت العبارة إلى رمزية سياسية واجتماعية حية تضرب في الثقافة السودانية للإشارة إلى وقوع الإنسان بين فكي كماشة، أو تعرضه لمصيبتين متزامنتين تعمق إحداهما جراح الأخرى، ولتعبر عن اللااستقرار المزدوج، (خطر الجوع والموت البطيء) من جهة، واستغلال الانتهازيين وضعف الناس من جهة أخرى.

وتأتي الحرب الدائرة في السودان اليوم لتعيد إحياء هذا المثل وتمنحه أبعادًا واقعية تطابق تفاصيلها التراجيدية ما حدث في الماضي بكامل حذافيره، فالبلاد تعيش فصولًا متجددة من فصول سنة ستة، حيث يواجه ملايين المواطنين خطر المجاعة الحقيقية ونقص الغذاء والدواء وانعدام الأمان وانهيار البنية التحتية، مما دفع بثلث السكان إلى النزوح واللجوء هربًا من الموت، ليجد المواطن السوداني نفسه مجردًا من أبسط مقومات العيش الكريم.

وفي موازاة هذا الوضع الإنساني الكارثي، يبرز البعشوم المعاصر في صور متعددة ليمارس ذات الدور الانتهازي الذي مارسه قديمًا. ويتضح ذلك في استغلال تجار الحروب والأزمات غياب سلطة القانون وحاجة الناس الماسة، فقاموا باحتكار السلع الضرورية ورفع أسعار المواد الغذائية والإيجارات السكنية إلى مستويات جنونية تفوق قدرة النازحين.

كما تطاول ناهبو الممتلكات على بيوت المواطنين، حيث نهبوا مدخراتهم وسياراتهم بعد أن أجبرتهم نيران القذائف على الفرار. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل سماسرة الخدمات والابتزاز الذين يفرضون مبالغ طائلة مقابل تأمين خروج العائلات أو استخراج الأوراق الثبوتية وتأشيرات السفر، مما يجعل المواطن محاصرًا بين نيران القصف والتشرد من جهة، وبين الجشع وغياب الضمير الإنساني من جهة أخرى.

وهذا التداخل العجيب بين الموروث التاريخي والواقع المعاش يثبت أن الأمثال السودانية لم تكن مجرد حكايات للتسلية، بل كانت توثيقًا اجتماعيًا ذكيًا، قادرًا على تجاوز القرون ليعبر بدقة عن عبقرية الصمود لدى الشعب السوداني ومعاناته المستمرة مع أطماع الانتهازيين في أوقات المحن.

ليبقى الأمل معقودًا على وعي المجتمع وتكاتفه لتجاوز هذه الكماشة التاريخية نحو بر الأمان، مؤكدًا أن البلاء قد يتغير شكله عبر الزمن، لكن آلياته تظل واحدة، والصبر عليه يظل السمة الأجدر بالسودانيين.

فما حدث في سنة ستة من جوع ومجاعة لم يكن مجرد فصل منسي في كتب التاريخ، بل كان بروفة قاسية لما يعيشه السوداني اليوم، حيث تحولت نيران المدافع إلى جفاف يحرق الحقول، وتحول الخوف من البعشوم إلى خوف أشد من جشع الإنسان، ليثبت المثل الشعبي أنه ليس حكاية تُروى، بل نبوءة تتجدد كلما غاب الضمير وحضر الجشع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى