حكاية من بيئتي (37)  زرافات الحلة

محمد احمد الفيلابي 

في زيارتها الأولى للعاصمة نزلت (ست الجيل) بمستشفى الخرطوم، وبعد مجالسة المريضة وذويها الذين ناءت بهم الفرندات والظلال، تلفتت بحثاُ عمن يقودها إلى توتي لتقضي تلك الليلة في ضيافة إحدى قريباتها، ريثما تعود في الغد إلى القرية. ووقع اختيارها على لمرافقتها، فخيرتها حين خرجنا بين قطع المسافة مشياً أو أن نركب عربة أجرة، وأعلمتها أن المسافة لا تزيد عن تلك التي نقطعها عادة بين بيوتنا ومجرى النهر، وكنت أمني نفسي بمشوار أنس مع واحدة من ألطف نساء الأسرة، فوافقت دون أن تتعلل برهق الرحلة التي بدأتها فجراً، والمسافة التي قطعها البص من شندي على الشارع الترابي، قبل أن يتمدد شريان الشمال الأسفلتي. قصدت أن أمر بها أمام حديقة الحيوان ما دمنا لن نلحق بمواعيد الدخول، ولن نتمتع بالتجول بين الأقفاص، ولنكتفي بمشاهدة الزرافة التي تمد رأسها فوق السور في الركن الجنوبي الغربي. وجاءت اللحظة التي خططت لها…

ووب علي ووب علي دي شنو المصيبة دي؟

دي الزرافة.

أممممم يقولوا لك فلانة متل الزرافة.

وضحكنا، وواصلنا طريقنا. ومنذها أصبحت الزرافة واحدة من حكاياتنا المشتركة ضمن تفاصيل ذلك المشوار ذات أصيل من لطف الخرطوم حين كان للخرطوم لطفها، ولتلك المرأة (طيبة القلب) ما تقوله في وصف الزرافة التي لم تر منها للحظة سوى الرأس وجزء من العنق. ذات الزرافة التي ربطت فيما بعد من عنقها وجُرّت بالشوارع حين قررت السلطات إخلاء الحديقة، وبيع أرضها لإحدى الدول البترولية لتقيم فيه مبنى شاهقاً لا علاقة له ببيئتنا.

حديقة الحيوان أو (حير الحيوان)، أو (حير الوحوش) منشأة تجهز بتجهيزات خاصة بغرض احتضان الحيوانات البرية، وعرضها للمشاهدة في مقابل رسوم رمزية. وقد تأسست حديقة الحيوان عام 1901 في وسط مدينة الخرطوم، ثم نقلت عام 1903 إلى موقعها الأخير بين النيل الأبيض والنيل الأزرق بمحاذاة جزيرة توتي. وأطلق عليها السودانيون مسمى (حديقة النُزهة)، وظلت أحد أهم المعالم الرئيسية لتنزه سكان والريفيين حين يأتون العاصمة، إلى أن تم إخلاءها في العام 1995.

 منذ أيام انتشر فيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي يُظهر عدد من الزرافات تتجوّل بأريحية في العصمة التي لا يستطيع الآدمي أن يتجول فيها بكل تلك الحرية. ولم أتمالك نفسي حين تكاثر هطول الفيديو على صفحتي ومجموعات التواصل التي أتشاركها مع مختلف فئات المجتمع بالواتساب، من زملاء دراسة وأصدقاء، إلى مهمومين بشؤون البيئة والإبداع، فكتبت رداً على أحد كبار خبراء العلوم حين قام بنقل الفيديو (المستفز) مصحوباً بسؤال (ما رأي ناس الحياة البرية)؟ قبل أن يأتيك رد ناس الحياة البرية، ألم تلاحظ سيدي أن هناك من يسير في الشارع بلا مبالاة، دون أن يلفت نظره مظهر الزرافات، ونحن الشعب المعروف بحب الاستطلاع، إذ يمكن أن نتوقف لنشهد عراكاً بين كلبين ضالين، فما بالك بزرافات يتجولن بين ورش (حلة كوكو)؟ وكان أن تدخل أحدهم مبرراً الأمر بأن في مدينة بحري عدد من الحدائق الكبيرة التي تخصص جزءاً منها لأقفاص بعض الحيوانات البرية. ولعله يقصد حديقة حلة كوكو ذات الأنواع المحدودة من الحيوانات.

أعادتني الحادثة لخمسة عشر عاماً حين حدث أن انتشر فيديو مشابه يظهر زرافة اصطدمت بطائرة صغيرة، وكتبت يومها في زاويتي الراتبة بصحيفة العربي الجديد (13 ديسمبر 2015). وجاء المقاتل بعنوان (الظهور الأخير للزرافة السودانية)، حيث قلت:

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً صورة لحادثة تصادم بين زرافة وطائرة صغيرة، مصحوبة بخبر صغير يقول إنّ الحادثة وقعت في محمية الدندر جنوب شرق السودان. لكنّ “آخر ظهور” للزرافات في محمية الدندر كان في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، وفقاً لتأكيدات الخبيرة في مجال الحياة البرية الدكتورة سلوى منصور.

هناك زرافتان سودانيتان ظهرتا بعد ذلك التاريخ. إحداهما الزرافة السودانية التي احتفل ملك وملكة بلجيكا بولادتها في إحدى حدائق الحيوان في بروكسل منتصف التسعينيات. 

والثانية هي آخر زرافة سودانية في حديقة الحيوان في الخرطوم قبل قرار إزالة الحديقة في أوائل التسعينيات، ليحل محلها برج شاهق. كان مصير تلك الزرافة جرها عبر الشوارع إلى منتزه مفتوح، لكنها ما لبثت أن ماتت بعد أيام، كحال الفيل الذي عانى من الإهمال في المنتزه نفسه فمات منتحراً.

من جهتها، نشرت الأستاذة المتخصصة في تاريخ ولغات وحضارات الشرق الأوسط والأدنى في جامعة بنسلفانيا الدكتورة (هيزر شاركي) مقالاً حول (دبلوماسية الزرافة)، تحدثت فيه عن إهداء والي مصر والسودان محمد علي باشا زرافة سودانية إلى ملك فرنسا (شارل العاشر). كما أهدى زرافتين لملكين آخرين في أوروبا عام 1827. وكانت تلك أول زرافات تُشاهد في أوروبا منذ أن وصلتها أول زرافة عام 1486. ذكرت الكاتبة أنّ الزرافة المهداة للملك الفرنسي جلبت من دارفور غربي السودان، مع روايات مختلفة حول أماكن أخرى جلبت منها الزرافات. وهو ما تدلّ عليه مشاهدة الزرافات في أماكن عديدة في السودان حتى حين قريب.

بدوره، يؤكد الخبير البيئي الدكتور معتصم نمر أنّ أحد أسباب اختفاء الزرافات وأنواع أخرى من الحيوانات النادرة في السودان، يعود إلى النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي حين أصبح التوسع في المشاريع الزراعية سمة لذلك العهد من دون مراعاة لقوانين المحميات الطبيعية، وخطط استخدام الأراضي، وضعف الوعي البيئي لدى متخذي القرار من السياسيين. ويستدل على ذلك بمقولة أحد ولاة الولايات التي تقع الدندر في نطاقها، حين قال: “تعالوا خذوا حيواناتكم خلّونا نزرع”. الوالي نفسه سوّق أراضي المحمية في الأسواق العربية على أنها أراض تصلح للاستثمار في مجال السياحة قبل أن تغلب عليه أطماع الزراعة تلك. والمعروف أنّ الدندر هي آخر محميات المحيط الحيوي في السودان بعد انفصال الجنوب. كما تؤكد منصور أنّ هجمات الرعاة على الدندر أخيراً سببها انفصال الجنوب الذي حرمهم مراعي واسعة كانوا يقصدونها صيفاً. انتهى.

رحم الله الدكتور معتصم وقد كان أحد مدراء الحديقة قبل ان يقيله نظام الإنقاذ ضمن مجزرة إفراغ الخدمة المدنية من الكوادر المؤهلة لإحلال أصحاب الانتماء السياسي، وفي المقابل إغلاق كل المصالح التي لا تلبي مطامعهم من حديقة الحيوانات التي لم يروا فيها إلا موقعاً جغرافياً يسيل له اللعاب.

يشغلني الآن سؤال.. لماذا يتكبد البعض مشاق إنتاج مثل هذه الفيديوهات ونشرها؟

هل يقع الأمر ضمن حملات (Kill the story) أي أشغل الناس بأمر ينسيهم ما يجري، أو ما يخطط لتمريره من قبل السلطات، الأمر الذي تلجأ له الأجهزة الأمنية في كل مرة، وقد تطورت حد استخدام الذكاء الاصطناعي بهذه الحرفية العالية؟ 

أم أنه مجرد تعبير عن خواء فكري و(فراغ) لدى أحد الذين لا يشغلهم الشأن العام بكل ما فيه من مآسي؟

الذكاء الاصطناعي هو مصطلح شامل لمجموعة من التقنيات القادرة على معالجة المعلومات وتقليد التفكير البشري، على الأقل ظاهرياً. ظهرت نسخات بدائية من الذكاء الاصطناعي منذ خمسينيات القرن الماضي، لكن هذه التكنولوجيا تطورت بسرعة هائلة خلال السنوات الأخيرة، ويرجع ذلك جزئياً إلى التقدم في قوة الحوسبة والانفجار في طفرة البيانات، وهو أمر أساسي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وتتمثّل الفائدة الكبرى للذكاء الاصطناعي في قدرته على اكتشاف الأنماط في البيانات، واستخدام المعارف التاريخية للتنبؤ بدقة بالنتائج المستقبلية. ما يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لا تقدر بثمن في رصد ومراقبة البيئة، ومساعدة الحكومات والشركات والأفراد على اتخاذ خيارات أكثر صداقة للكوكب.

وتحذر منظمة الأمم المتحدة للبيئة من أن “هناك ما يسميه الخبراء بـ(التأثيرات العليا) لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، فمثلاً، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لنشر معلومات مضللة حول تغيّر المناخ، مما يقلل من إدراك الجمهور مدى خطورة التهديد في نظر المستخدمين”.

تُعلَّق آمال كبيرة على قدرة الذكاء الاصطناعي في معالجة بعض أكبر الأزمات البيئية في العالم. حيث تُستخدم هذه التكنولوجيا لرسم خرائط للتجريف المدمّر للرمال وتتبع انبعاثات الميثان، وهو غاز دفيئة قوي التأثير. لكن عندما يتعلّق الأمر بالبيئة، هناك جانب سلبي لطفرة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة به، وفقاً لعدد متزايد من الدراسات، تُنتج مراكز البيانات المتكاثرة التي تستضيف خوادم الذكاء الاصطناعي تُنتج نفايات إلكترونية. حيث تستهلك كميات هائلة من المياه، التي أصبحت نادرة في العديد من المناطق. كما تعتمد على المعادن الأساسية والعناصر النادرة، التي غالبًا ما يتم استخراجها بشكل غير مستدام. كما تستخدم كميات ضخمة من الكهرباء، مما يؤدي إلى زيادة انبعاث غازات الدفيئة التي تسبّب الاحتباس الحراري.

والأخطر أن هناك توجه لاستخدام الذكاء الاصطناعي لـ(تجريف العقول).. وهو ما ننوّه له، ونحذر منه..

ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى