استبعاد فلول النظام البائد.. هل يقود إلى سلام مستدام أم يفتح الباب لحرب جديدة؟

الهادي الشواف
عندما تنتهي الحروب لا تنتهي السياسة معها، بل يبدأ في الواقع فصل أشد تعقيداً وأكثر خطورة على المدى البعيد، والسودان اليوم أمام اختبار مصيري لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو تقاسم السلطة، بل بسؤال جوهري: كيف يمكن بناء سلام مستدام؟ وهل يفضي إبعاد فلول النظام البائد الذي حكم ثلاثة عقود إلى استقرارٍ حقيقي، أم أنه ينطوي على بذور تفكك قادم؟ ويظل سؤال مشاركة أو استبعاد فلول النظام البائد من العملية السياسية من أكثر الأسئلة إثارة للجدل في المشهد السوداني الراهن، خاصة في ظل تعقيدات الانتقال السياسي، وتختلف الإجابات باختلاف المنظور الذي يُنظر من خلاله إلى القضية: هل الأولوية للعدالة والمحاسبة أم للاستقرار السياسي ووقف الحرب؟
هذه المساحة قد لا تكون كافية للإجابة على كافة الأسئلة أو حتى تقديم إجابات شافية، ولكن نحاول تقديم بعض المؤشرات الدالة لفتح مزيد من الأسئلة، وهي ليست محاولة لتبرئة أو تسويق فلول النظام البائد، فسجله في انتهاكات حقوق الإنسان والفساد والجرائم والحروب الداخلية موثق ولا يقبل الجدل، غير أن السياسة التحليلية تقتضي أن نفصل بين الحكم الأخلاقي والتقدير الاستراتيجي، وهو تمييز غائب في كثير من النقاشات الدائرة، والتساؤل هنا: أي المسارات أكثر قابلية للحياة، وأيها يفضي إلى كارثة جديدة؟
في الواقع ما يسمى بالحركة الإسلامية لا تعتبر حزباً بالمعنى الكلاسيكي، إنها منظومة معقدة ومتشعبة الجذور مكنت نفسها في الجيش والأجهزة الأمنية والمنظومة القضائية والاقتصاد المدني والبنية القبلية في مناطق واسعة. ثلاثون عاماً من الحكم لم تنتج حزباً سياسياً عادياً، بل أنتجت شبكة من المصالح المتداخلة والولاءات المتشعبة التي يصعب بترها دون المساس بالجسد الوطني برمته، وبالتالي تحتاج إلى هندسة خاصة تستوعب كل هذه التعقيدات.
وفي هذا السياق يجب الإشارة إلى أن الاستبعاد القانوني، أي المنع من المشاركة، لا يفضي بالضرورة إلى التفكيك الفعلي، فالتجربة السياسية في المنطقة تكشف أن الأحزاب المحظورة كثيراً ما تجد مسارات أخرى لإعادة إنتاج نفسها عبر واجهات بديلة، وقد تتحالف مع أطراف جديدة وتندمج في الأجهزة التي من المفترض أنها جُردت منها، فاستبعادها من الطاولة لا يسقطها من الخارطة، بل يحولها من فاعل مرئي يمكن مراقبته ومحاسبته إلى قوة خفية تعمل خارج أي إطار رقابي.
في المقابل، فإن بقاء فلول النظام البائد مطلقي السراح يشكل خطراً بنيوياً مستمراً، إذ تثبت المرحلة التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018م أن التسوية السياسية مع عناصر النظام القديم أفرزت تحالفاً قاتلاً أنتج حرب الخامس عشر من أبريل 2023م. بهذا المنطق فإن الاستبعاد ليس ثأراً بل ضرورة ووقاية استراتيجية، فلا يمكن بناء دولة ديمقراطية ما لم تتخلص من القوى التي دمرت مؤسساتها، والحجة في جوهرها هي أن الإدماج يعطي شرعية لمن لا يستحق ومكافأة للمجرم، ويرسل رسالة خاطئة مفادها أن الجرائم لا عواقب لها.
وهذا المسار قد يكون له جدواه في حالة تتوفر له شروط بعينها، منها قدرة مؤسسية حقيقية على فرض الاستبعاد وتطبيقه بشكل صارم، وتعدد حزبي راسخ يملأ الفراغ، ومسار واضح للمحاسبة يفصل بين من ارتكب جريمة وعموم القاعدة، وضمانة أمنية قوية تمنع الارتداد، وغياب أي من هذه الشروط يحول الاستبعاد من علاج إلى داء عضال.
تشير بعض أدبيات بناء السلام إلى ما يمكن أن نسميه نظرية التوتر الكلاسيكي بين “السلام الخبزي” و”السلام العادل”. الأول يقدم الاستقرار على العدالة، والثاني يقدم العدالة على الاستقرار. كلا المقاربتين تتبنيان إطاراً أحادياً لا يعكس التعقيد السوداني، والتجربة الجنوب أفريقية في نهاية الفصل العنصري قدمت نموذجاً مختلفاً للجنة الحقيقة والمصالحة، لم تبرئ مرتكبي الجرائم، لكنها أتاحت لهم مساراً للاعتراف مقابل العفو المشروط. لم يكن ذلك تساهلاً مع الظلم، ولكن كان توسلاً بالظلم ذاته لبناء جسر عبور نحو مستقبل مختلف، والسودان يحتاج إلى عبقرية مشابهة ومسارات تفرق بين الاستئصال المؤسسي للفساد والمحاسبة الفردية على الجرائم، وبين تحميل كل عضو في حزب الفلول المسؤولية الجماعية.
السلام الحقيقي في السياق السوداني لن يُبنى عبر معادلة صفرية بين منتصر يفرض شروطه ومهزوم يقبلها تحت الإكراه، والتاريخ المتكرر لاتفاقيات السلام التي انهارت من نيفاشا وأديس أبابا وما تلاها يبين أن التسويات التي لا تعالج مسألة الحرب والأزمة السودانية الشاملة معالجة جذرية تراعي البعد الهوياتي والسياسي لكل الأطراف هي مجرد هدنات مؤجلة تعود بعدها حرباً أكثر ضراوة.
لذا فإن عملية إبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته تحتاج إلى هندسة خاصة نابعة من التجربة السودانية بتعقيداتها، ولا شك في أن معظم سيناريوهات إفشال وتعطيل الفترة الانتقالية وحتى إشعال حرب الخامس عشر من أبريل خطط لها ونفذها وأدارها فلول النظام البائد بامتياز، لهذا ولكي تتوقف الحرب ويتحقق سلام مستدام وفترة انتقالية مستقرة يجب تفكيك ترسانة المؤتمر الوطني المالية والأمنية، وهذه الخطوة تحتاج إلى استراتيجية شاملة وفعالة ومتدرجة، توازن بين تفكيك النفوذ وبين الحفاظ على الاستقرار المجتمعي والأمني، تبدأ من تفكيك الأذرع الأمنية عبر مراجعة شاملة للجيش والشرطة والأجهزة الاستخباراتية لضمان عدم وجود خلايا مرتبطة بالحركة الإسلامية، مع إحلال عناصر مهنية غير مسيسة.
وهندسة وإدارة العدالة الانتقالية تتناسب مع الواقع المعقد، من خلال محاكمات عادلة وشفافة للقيادات المتورطة في جرائم، وتفعيل المراقبة المجتمعية وتعزيز دور المجتمع المدني والإعلام في كشف أي محاولات لإعادة تنظيم الحزب سراً أو عبر واجهات اجتماعية جديدة، مع التحصين ضد التدخل الخارجي عبر مراقبة العلاقات الخارجية لفلول الحركة الإسلامية، ووضع سياسات دبلوماسية وأمنية للحد من نفوذهم الخارجي، مع وضع برامج إعادة الدمج بتوفير مسارات بديلة للعناصر غير المتورطة في جرائم، لتقليل احتمالية تحولهم إلى مصدر تهديد ومخزون لصناعة العنف.
وذلك وفق عملية متدرجة بخطوات محسوبة من خلال تطهير المؤسسات الأمنية تدريجياً مع مراقبة دقيقة ووضع البدائل لمنع الفراغ الأمني، وإنشاء لجنة وطنية للعدالة الانتقالية تضمن المحاسبة دون انتقام، وتفعيل الرقابة البرلمانية والمجتمعية على الأجهزة الأمنية، وإطلاق برامج توعية ومصالحة مجتمعية لتقليل الاستقطاب، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة أي دعم خارجي لفلول النظام البائد.
الخلاصة هي أن استبعاد فلول النظام البائد لا يعني فقط منعه من المشاركة السياسية، بل يتطلب هندسة أمنية ومجتمعية متكاملة توازن بين تفكيك نفوذه ومنع عودة الاستبداد، وبين الحفاظ على السلم الأهلي ومنع اندلاع حرب جديدة.





