الكمدة بالرمدة

أمير أحمد السيد
محجوب في محبة الشاي
محجوب شريف، حاله حال السودانيين، خُلق عاشقاً لكباية الشاي، وكباية الشاي عند الأسرة السودانية تعني التفاف الأسرة حول صينية شاي وكبابي مرصوصة ولمّة حبان وجلسة أُنس فيها كثير من القصص والحكاوى والاندياح والونس اللطيف.
وبالفعل قالها في قصيدته ليل السجون التي كتبها في المعتقل:
أسمعنا يا ليل السجون
نحن بنحب شاي الصباح
والمغربية مع الولاد
والزوجة والأم الحنون
والأصدقاء
وإلى اللقاء
واللمة عند الأمسيات
والتكية جنب الأغنيات
كباية الشاي كانت تعني لمحجوب الأسرة والأصدقاء والحبان والذكريات الجميلة، فكتب في السنبلاية:
وبيني وبينك الضحكة..
ورحيق الشاي
وطعم الخبز والسترة..
ومساء النور
وعمق الألفة..
بين النهر
والنخلة
وغنا الطمبور
وصدق العشرة بين الأرض..
والإنسان
وظلت كباية الشاي في كل أشعار محجوب وذكرياته الجميلة، فكتب الرثائيات، وأيضاً كانت كباية الشاي والكفتيرة حاضرة في أشعاره، فقال في رثائية الدبلوماسي والسياسي عبد الكريم ميرغني يا با مع السلامة:
يا تلك الترامس وينو الصوتو هامس
كالمترار يساسق يمشي كما الحفيف
كم في الذهن عالق ثرثرة
المعالق والشاي اللطيف
تصطف الكبابي أجمل من صبايا
بينات الروابي والضل الوريف
أحمر زاهي باهي يلفت انتباهي
هل سكر زيادة أم سكر خفيف
وفي رثائية علي المك ود باب السنط كان الشاي والقهوة حاضرين بكل معاني الألفة والجمال والحب ولمّة السودانيين الأصيلة:
والنار الدغش والريكة جنب الصاج
والشاي باللبن برادو لابس تاج
صينيتوا الذهب ترقش كبابي زجاج
والسكسك المنضوم حول الجبينة نجوم
والفنجربة تقوم تقهوج الحجاج
طق طرق يا بن القهوة كيف ومزاج
خلي النعدل الرأس ونحصل الترماج
وقد ذكر الأستاذ الصحفي خالد فتحي في ذلك:
ذات مساء شفيف منذ خمسة أعوام أطلَّ شاعر الشعب محجوب شريف على حشد في مهرجان سياسي بدار زعيم حزب الأمة الإمام الصادق المهدي بحي الملازمين العريق، يتلو أشعاراً ولا أروع.
ويواصل الأستاذ خالد:
وعوداً على بدء، في تلك الأمسية طلب محجوب شريف (حاجتين)، وقال في أولاها: (أريد أن أشرب شاي في هذا المنزل)، وعلى وقع (طلبه) دوى التصفيق بين الجماهير المحتشدة في حديقة المنزل، ولم يلبث التصفيق أن علا أكثر وأكثر عندما قال: (كمان داير بتي مي، لتهش معي على غنم الكلام)، وبالفعل خرجت مي وسط حماس الحاضرين وعاونت أباها الذي (توكأ) عليها (عشاءً)، يتذكر ما (فر) واختبأ في (خبايا) الذاكرة (القصية) من أشعاره الندية.
لم يمضِ وقت طويل في تلك الليلة حتى انتهى محجوب من تلاوة أشعاره، وما أن استوى على كرسيه حتى جاءت إليه (صينية) الشاي تجرجر أذيالها.. لا زلت أذكرها، (براد) زجاجي وحوله التفت فناجين بيضاء في مثل لونه، وصبَّ محجوب شريف (الأحمر) القاني و(شرب)، وعلى محياه (تألقت) ابتسامة وفرحة.
في حياة وأشعار وأسمار شاعر الشعب محجوب شريف ثمة احتفاء خاص بـ(الشاي)، ملأ حياته (مشوار حياته اليوماتي)، ونضحت بها أشعاره.
وتظل أشعار محجوب شريف حالة مختلفة تماماً وغاية في الإنسانية والروعة، وتمثل حالة حب غريبة لكل الناس. كان الإنسان ببساطته وجماله هو محور كل شيء، لذا حينما ضاقت الحياة على هذا الشعب العظيم واستحالت مع نظام الإسلاميين القابض، والذي أذل الشعب وأفقره، اهتمَّ محجوب كثيراً بشرائح النساء العاملات في الأعمال الهامشية. وقتها خرجت النساء النازحات من ضحايا الحروب واللاتي يسكنَّ العشوائيات بأحياء العاصمة الطرفية للعمل في بيع الشاي، وأصبحت ست الشاي مكاناً يتجمع حوله الناس يتبادلون همومهم اليومية، ولكن الجلاد لم يتركها لتسترزق حلالاً، بل ظل يطاردها في كل مكان. وقتها فقط يظهر الأوفياء أمثال الشريف محجوب شريف، والذي كتب داعماً لها فقال:
كفتيرة تفك الحيرة
يا بت أحسن من غيرا
الريح بتهد من حيلا
بتقلل ليلا مطيرا
أمك والصحة بتنزل
بتمغرب قبل عصيرا
يا حليلا العرق اتصبب
فصّد والله جبينا
إتدنى همقلوبينا
أخوانك شفع قُصّر
لسه ما بفشوا غبينة
والحيلة قليلا بليلة
مرات بموية كسيرة
روشتة تخلى الحتة أضيق من ثقب إبيرة
جيران والحال من بعضو
نيرانم نار الحمى ضلمة
الضل كرتون وحصيرة
والعين والنية بصيرة
وحبال النجدة قصيرة
من ستة الزول لي ستة
الجتة تتكل جتة
بين كارو وبص كركوبة
وراهم شفع قصر
يرعاهم حس حبوبة
تتوسد إيدا وتوبا
تتحسس باقي عميرا
كفتيرة تفك الحيرة
يا بت أحسن من غيرا
ولذلك إنتي هنالك
في ركن السوق الشعبي
بت أمك ما بتكوسي
دروب الشك والذلة
جربتي الكسرة تعوسي
ما بسمع حسك إلا
النجمة وديك الحلة
وعجينك في البستلة
في ليل الصاج الداكن
ترميهو قميرا قميرا
كفتيرة تفك الحيرة
يا بت أحسن من غيرا
… كفتيرة تفك الحيرة
يا بت أحسن من غيرا
حليمة النيمة تلمك
في ضلها كتر خيرا
هكذا كان محجوب عظيماً جميلاً نبيلاً يعشق الإنسان ويمنحه حقه كاملاً.
.





