الأبيض، معركة لا تُلعب على الأرض وحدها

قلم: يوسف الغوث…
لم تكن مدينة الأبيض في الثامن من نوفمبر عام 1882م مجرد ساحة لمعركة عابرة، بل كانت القبلة التي شهدت سقوط هكس باشا على يد أبناء كردفان في ملحمة أسطورية خلدت عزة هذا الإقليم وأثبتت أنه عصي على الخضوع، لكن الزمن يعيد اليوم رسم المشهد بصورته المقلوبة، فها هي عروس الرمال ذاتها التي كانت صورة السودان البهية تئن تحت وطأة حصار أشد إيلامًا من رصاص الماضي، وكأن الأقدار تختبر ما تبقى في جينات هذه المدينة الصابرة، فما إن تتصاعد أصوات المسيرات في سمائها وتنقطع عنها خطوط الماء والدواء حتى يدرك المرء أن معركة الأبيض ليست مجرد اشتباك عسكري عابر، بل هي معركة فاصلة قد تعيد تشكيل خريطة الصراع في السودان بأكمله.
تكمن أهمية الأبيض في كونها ليست مدينة عادية، بل هي القلب النابض لكردفان والممر الاستراتيجي الذي يصل وسط السودان بغربه، فالمدينة تقع على تقاطع الطرق بين الخرطوم ودارفور وكردفان، وتعد نقطة تجمع وارتكاز عسكرية حيوية للقوات المسلحة، فضلًا عن كونها مركزًا تجاريًا ضخمًا لأهم المحاصيل كالصمغ العربي والسمسم، وموطنًا لثروة حيوانية هائلة، فضلًا عن وجود مصفاة بترول بها، والسيطرة عليها تعني التحكم في أحد أهم شرايين الإمداد والتموين في البلاد، لكن الأهمية تتجاوز الجغرافيا إلى الرمزية، فالأبيض ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل هي حاضرة التاريخ والسياسة التي أنجبت رموز الاستقلال والقيادة، وسقوطها معنويًا يعني سقوط نصف السودان وانهيار الحاضنة الشعبية والتاريخية للدولة في غرب البلاد.
إن سقوط الأبيض في قبضة قوات الدعم السريع ستكون تداعياته كارثية بكل المقاييس، محولًا إياها إلى فاشر جديدة، فلطالما حذرت الأمم المتحدة من أن أي تصعيد في الأبيض سيعرض مئات الآلاف من المدنيين لخطر وشيك من العنف واسع النطاق، خاصة وأن المدينة تستضيف أعدادًا ضخمة من النازحين الذين فروا أصلًا من جحيم الفاشر ودارفور، مما يعني أن تعرضها للاقتحام سيؤدي إلى موجة نزوح جديدة نحو مناطق تعاني أصلًا من اكتظاظ سكاني خانق، والأخطر من ذلك هو المشهد الإنساني المأساوي المنتظر، فالمدينة تعاني أصلًا من فجوة في مياه الشرب تبلغ 79% بعد توقف 250 محطة مياه، وتعتمد على تناكر المياه التي تستهدفها المسيرات، إضافة إلى انهيار المستشفى الرئيسي الذي لا يعمل بأكثر من 30% من طاقته، فكيف سيكون الحال إذا ما تحول الحصار إلى اقتحام شامل؟
على الصعيد العسكري، سيشكل فقدان الأبيض ضربة قاصمة للجيش السوداني، إذ سيفقد أحد أهم معاقله في الغرب ويمنح قوات الدعم السريع السيطرة على كامل إقليم كردفان تقريبًا، لتصبح في موقع يهدد وسط السودان ومناطق النيل الأبيض. وقد حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة روزماري ديكارلو من أن القتال البري داخل الأبيض ستكون له تداعيات كارثية وسيوجه ضربة كبيرة لآفاق وقف إطلاق النار، وهنا تبرز المفارقة التاريخية، فبينما كان الأجداد يصدون الغزاة في شيكان يواجه الأحفاد اليوم خطرًا وجوديًا قد يمحو ما تبقى من مكاسب الدولة في الغرب.
في خضم هذا المشهد الموجع، لا يمكن للمجتمع الدولي أن يقف متفرجًا، وقد كان في العشرين من يونيو 2026 أصدر مجلس الأمن بيانًا أعرب فيه عن بالغ قلقه، محذرًا من خطر وشيك لوقوع فظائع جماعية، ومن ثم رفعت بريطانيا الصوت محذرة من أن الأبيض على شفا جريمة بشعة، وبعد ذلك انضمت إليها فرنسا وألمانيا في بيان مشترك دعا إلى وقف الهجمات بالمسيرات التي تستهدف البنية التحتية المدنية، بينما حذرت ديكارلو من أن نافذة تجنب التصعيد في الأبيض تضيق بسرعة، مؤكدة أن الأطراف لا تستطيع الاستمرار في هذا المستوى من القتال دون الدعم الخارجي.
لكن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه بعد هذه التطورات والتحذيرات المتلاحقة هو ما إذا كانت هذه النداءات الدولية مجرد ضغط دبلوماسي تقليدي، أم أنها تحمل في طياتها ضوءًا أخضر غير مباشر لقوات الدعم السريع لاقتحام المدينة، خاصة مع الموقف الغامض وغير الواضح للبرهان الذي يصر على رفض أي وقف لإطلاق النار قبل انسحاب الدعم السريع، وهو شرط يبدو مستحيل التحقق. فحين يحمل مسعد بولس رئيس بعثة الأمم المتحدة بالسودان مجلس السيادة مسؤولية استمرار الحرب ويشير إلى تصلب البرهان، فإن ذلك يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة قد تقلب المعادلة رأسًا على عقب.
فهل يمكن أن يكون المجتمع الدولي قد يئس من تعنت البرهان ويميل إلى التعامل مع الدعم السريع كقوة أمر واقع على الأرض، لا سيما وأن التقارير تحدثت عن اتصالات أمريكية مباشرة مع قادة الدعم السريع لوقف الهجوم دون أن تقترن بتهديدات عملية تردعهم؟ وهل يحتمل أن يكون البرهان نفسه غير مكترث بمعركة الأبيض، بل ربما يراها ورقة ضغط يسعى من خلالها إلى إرهاب حلفائه الإسلاميين وإجبارهم على القبول بالتفاوض مع الدعم السريع؟
إن إمكانية رفع اليد عن الأبيض وسقوطها متعمدًا ليست حتمية، لكنه سيناريو يلوح في الأفق، خاصة مع فشل المجتمع الدولي في ردع الأطراف المتقاتلة واستمرار البرهان في تصلبه وتكتيكاته الغامضة.
إن سقوط الأبيض (لا سمح الله) لن يكون نهاية اللعبة، بل قد يكون بداية جولة جديدة أكثر عنفًا، ربما تعيد الدعم السريع إلى أبواب الخرطوم مجددًا، ومن ثم تحول السودان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، وفي الغالب إن المدنيين هم من سوف يدفع الثمن الأكبر، كما يحدث الآن في أحيائهم وأسواقهم ومستشفياتهم.
إن الأبيض محروسة بالله، وما بعد العسر إلا يسر بإذن الله، فصبرًا آل الأبيض، فإن في عروقنا ما يمدكم بالحياة، وفي قلوبنا ما يطمئنكم بأن النصر قادم لا محالة، وإن غدًا لناظره قريب.





