العودة إلى الجامعات… قرار يثير غضب الطلاب وأسرهم وسط مخاوف من غياب الجاهزية

الخرطوم – ابتسام جسن

أثار القرار الذي أصدرته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والقاضي بإلزام الجامعات بإغلاق مراكزها الخارجية واستئناف الدراسة من داخل مقارها الأصلية، موجة واسعة من الانتقادات في أوساط الطلاب وأسرهم.

ويأتي القرار في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب تلقي بظلالها على الأوضاع الخدمية والمعيشية في عدد من الولايات، وعلى رأسها ولاية الخرطوم، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول مدى جاهزية البيئة الجامعية لاستقبال آلاف الطلاب.

وعلى الرغم من تصاعد الاعتراضات، شرعت عدد من الجامعات في اتخاذ الترتيبات اللازمة لإعادة فتح أبوابها واستئناف الدراسة، تنفيذًا لقرار الوزارة، الأمر الذي زاد من مخاوف الطلاب وأسرهم بشأن التحديات التي قد تواجههم خلال مرحلة العودة.

قرار سياسي أم خطوة متعجلة؟

ترى والدة الطالبة الجامعية، ماجدة حسن، أن قرار إلزام الطلاب بالعودة إلى الدراسة داخل السودان يحمل أبعادًا سياسية أكثر من كونه قرارًا أكاديميًا، معتبرة أنه صدر على نحو متعجل دون مراعاة للظروف الاستثنائية التي تعيشها الأسر السودانية.

وقالت ماجدة لـ”أفق جديد”، إن العودة إلى البلاد لا يمكن أن تتم وفق معايير موحدة، إذ تختلف ظروف كل أسرة عن الأخرى، لا سيما في ظل الأضرار الكبيرة التي خلفتها الحرب. وأضافت أن كثيرًا من الأسر لا تزال تواجه تحديات تتعلق بصلاحية منازلها للسكن، فضلًا عن استمرار النقص في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه ووسائل النقل.

وأشارت إلى أن ولاية الخرطوم، التي تعرضت لأكبر قدر من الدمار، ما زالت تعاني تراجعًا كبيرًا في مستوى الخدمات، متسائلة: “هل أصبحت الظروف مهيأة لحركة الطلاب اليومية من وإلى الجامعات؟ وهل الجامعات نفسها أصبحت جاهزة لاستقبالهم وتوفير البيئة التعليمية المناسبة؟”

كل هذه الأسئلة تمثل مخاوف تتداولها الأسر فيما بينها عقب القرار كمخاوف حقيقية، إضافة إلى التوجسات الأمنية وحالة الترقب.

مخاوف تتجاوز الدراسة

تقول ماجدة حسن إن هذه التساؤلات لا تقتصر عليها وحدها، بل تمثل هواجس مشتركة بين كثير من الأسر السودانية منذ صدور قرار إعادة الجامعات إلى مقارها.

وتضيف أن المخاوف لا تتعلق فقط بمدى جاهزية المؤسسات التعليمية، وإنما تمتد إلى الأوضاع الأمنية وصعوبة التنقل واستقرار الخدمات الأساسية، وهي عوامل تجعل تنفيذ القرار محفوفًا بالتحديات بالنسبة إلى آلاف الطلاب.

وتشير إلى أن عددًا من الأسر التي عادت بالفعل إلى السودان تعيش أوضاعًا معقدة، إذ اضطرت إلى تقسيم أفرادها بين الداخل والخارج. فبينما بقي بعض الأبناء في دول اللجوء لمواصلة تعليمهم المدرسي، عاد رب الأسرة مع أحد الأبناء الملتحقين بالجامعة امتثالًا للقرار، الأمر الذي فرض أعباء مالية واجتماعية إضافية.

وتروي ماجدة نموذجًا لجارتها، التي عادت ابنتها، الطالبة بجامعة الخرطوم، برفقة والدها إلى العاصمة، في حين بقيت بقية الأسرة في القاهرة بسبب ارتباط الأبناء الآخرين بالدراسة. وتوضح أن منزل الأسرة في منطقة المعمورة لا يزال غير صالح للسكن نتيجة الأضرار التي لحقت به، ما اضطر الأب وابنته إلى التنقل بين منازل الأقارب بصورة مؤقتة إلى حين العثور على سكن مناسب أو الانتهاء من صيانة المنزل، وترى أن هذه الحالة تعكس جانبًا من المعاناة التي فرضها القرار، الذي لم يمنح الأسر وقتًا كافيًا لترتيب أوضاعها.

وتؤكد ماجدة أن كثيرًا من الأسر باتت تنظر إلى قرار إعادة الجامعات باعتباره قرارًا ذا أبعاد سياسية أكثر منه أكاديميًا، معتبرة أن التعليم أصبح وسيلة لدفع الأسر إلى العودة إلى البلاد. وتضيف: “الأسر غادرت السودان حفاظًا على تعليم أبنائها، واليوم تجد نفسها مضطرة للعودة”.

مستقبل معلق

في ظل هذه المعطيات، يجد آلاف الطلاب أنفسهم أمام خيارات بالغة الصعوبة. فإما العودة إلى البلاد رغم ما يحيط بها من تحديات تتعلق بالسكن والأمن والخدمات وفرص المعيشة، أو المخاطرة بفقدان مقاعدهم الدراسية إذا مضت وزارة التعليم العالي في تنفيذ قرارها دون منحهم مهلة أو بدائل مناسبة.

ويعكس النموذج الذي روته ماجدة حسن جانبًا من الواقع الذي تعيشه أسر سودانية كثيرة، إذ أدى القرار إلى تشتيت شمل العائلات التي كانت قد استقرت، ولو مؤقتًا، في دول اللجوء حفاظًا على تعليم أبنائها. فبدلًا من أن تستعيد هذه الأسر شيئًا من الاستقرار، وجدت نفسها مضطرة إلى الانقسام بين الداخل والخارج، مع ما يرافق ذلك من أعباء مالية ونفسية متزايدة.

ويؤكد عدد من أولياء الأمور أن كثيرًا من الطلاب لم يتمكنوا من الاستجابة للقرار بسبب أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية، وعدم قدرتهم على توفير تكاليف العودة أو إيجاد سكن مناسب داخل السودان، الأمر الذي جعل مستقبلهم الأكاديمي معلقًا، بينما اضطر آخرون إلى العودة على عجل ومحاولة ترتيب أوضاعهم في ظل ظروف استثنائية، لا تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الاستقرار.

تحديات تتجاوز قرار العودة

يرى أكاديميون أن قرار وزارة التعليم العالي لم يضع في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي يعيشها الطلاب وأسرهم منذ اندلاع الحرب، كما أغفل واقع الجامعات نفسها، في ظل نزوح ولجوء أعداد كبيرة من أعضاء هيئة التدريس، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الجامعية على استئناف العملية التعليمية بكامل طاقتها.

ويؤكد عدد من أساتذة الجامعات أن آلاف الأسر فقدت منازلها أو تعرضت مساكنها لأضرار جسيمة، بينما لا تزال الداخليات الجامعية تفتقر إلى الحد الأدنى من الجاهزية لاستقبال الطلاب، وهو ما يمثل تحديًا أكبر بالنسبة إلى الطالبات، في ظل الحاجة إلى بيئة سكنية آمنة ومستقرة.

ولا تتوقف المعاناة عند السكن، إذ يواجه الطلاب أيضًا أعباء مالية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المواصلات والترحيل. ويزداد العبء على أولئك الذين يقطنون في مناطق بعيدة عن الجامعات، حيث يضطر كثير منهم إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل للوصول إلى مقار الدراسة، في ظل تراجع خدمات النقل العام وارتفاع تكلفتها.

ويحذر أكاديميون من أن تجاهل هذه التحديات قد ينعكس سلبًا على انتظام الدراسة ومعدلات التحصيل الأكاديمي، مؤكدين أن نجاح أي خطة لإعادة الجامعات يتطلب توفير بيئة تعليمية وخدمية آمنة تراعي أوضاع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، بدلًا من الاقتصار على إصدار قرارات إدارية دون استكمال مقومات تنفيذها على أرض الواقع.

دعوات إلى التدرج في التنفيذ

يرى أستاذ العلوم السياسية مصعب محمد علي أن قرار إعادة الجامعات إلى مقارها الرئيسة يحتاج إلى تنفيذ متدرج ومدروس، حتى يحقق أهدافه دون أن ينعكس سلبًا على الطلاب أو المؤسسات الأكاديمية.

وقال لـ”أفق جديد” إن التحديات التي تعوق عودة الجامعات بصورة كاملة لا تزال قائمة، وفي مقدمتها تأهيل البنية التحتية داخل الجامعات، بما يشمل القاعات الدراسية والمعامل والمكتبات، حتى تصبح قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الطلاب، إلى جانب توفير بيئة مناسبة لأعضاء هيئة التدريس تمكنهم من استئناف العملية التعليمية بكفاءة.

وأضاف أن ملف السكن الطلابي يمثل تحديًا لا يقل أهمية، إذ يتطلب إعادة تأهيل الداخليات وتوفير الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه والكهرباء، لضمان استقرار الطلاب خلال العام الدراسي.

وحذر محمد علي من أن التسرع في تنفيذ القرار قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان عدد من الطلاب الموجودين خارج السودان من الالتحاق بالدراسة في الوقت المحدد، أو اضطرارهم إلى تأجيل عامهم الأكاديمي بسبب عدم تمكنهم من ترتيب أوضاع العودة في فترة زمنية قصيرة، وهو ما يستدعي، بحسب قوله، اعتماد خطة انتقالية تراعي اختلاف أوضاع الطلاب والجامعات على حد سواء.

قرار مرتجل

يصف الأستاذ الجامعي صلاح الدومة قرار فتح الجامعات وإغلاق المراكز الخارجية وإلزام الطلاب بالعودة إلى مقار الدراسة داخل السودان بأنه “قرار مرتجل”، معتبرًا أنه يفرض واقعًا جديدًا على الطلاب وأسرهم من دون مراعاة لظروفهم الإنسانية والمعيشية.

وقال الدومة، في تصريح لـ”أفق جديد”، إن القرار يمثل، من وجهة نظره، “شكلًا من أشكال فرض الأمر الواقع قسرًا على الطلاب وأسرهم”، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالحرب، وعدم اكتمال مقومات العودة الآمنة إلى المؤسسات التعليمية.

وأضاف أن هذا النهج يعكس أسلوبًا اتبعته الحكومات المرتبطة بنظام الإنقاذ منذ وصولها إلى السلطة عام 1989، معتبرًا أنه يقوم على اتخاذ القرارات بصورة أحادية من دون إشراك أصحاب المصلحة أو مراعاة انعكاساتها على المواطنين.

واستشهد الدومة بالآية القرآنية: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، في إشارة إلى أن القرارات، وفق تقديره، تتخذ بصورة منفردة ومن دون إتاحة مساحة كافية للحوار أو مراعاة الظروف الاستثنائية التي يعيشها الطلاب وأسرهم.

الحد الأدنى قبل استئناف الدراسة

ورغم انتقاده لآلية تنفيذ القرار، يرى الأستاذ الجامعي صلاح الدومة أن مبدأ عودة الجامعات إلى مقارها الأصلية يعد خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه يشدد على أن نجاحها مرهون بتوفير الحد الأدنى من مقومات العملية التعليمية والبيئة المعيشية.

وقال الدومة إن الأولوية يجب أن تكون لإعادة تأهيل الجامعات بما يمكنها من استئناف الدراسة بصورة طبيعية، موضحًا أن المطلوب ليس الوصول إلى جاهزية كاملة، وإنما توفير الحد الأدنى الذي يسمح للقاعات الدراسية والمعامل والمرافق الأساسية بالعمل بكفاءة.

وأضاف أن الأمر لا يقتصر على الحرم الجامعي، بل يمتد إلى البيئة المحيطة به، بما في ذلك أوضاع السكن بالنسبة للطلاب، سواء كانوا يقيمون مع أسرهم أو في الداخليات. وأوضح أن هذه البيئة ينبغي أن تتوافر فيها المتطلبات الأساسية من مياه وغذاء وكهرباء وخدمات، إلى جانب ضمان الأمن والاستقرار، بحيث لا يواجه الطلاب مخاطر الجوع أو الخوف أو آثار الحرب، بما في ذلك مخلفات القتال والألغام وغيرها من المهددات الأمنية.

واعتبر الدومة أن هذه الاشتراطات تمثل الحد الأدنى اللازم لاستئناف الدراسة، مؤكدًا أنه لا يعترض على مبدأ عودة الطلاب إذا توفرت هذه المتطلبات، لكن الواقع، وفق مشاهداته، لا يعكس ذلك حتى الآن، قائلًا إنه، بحكم وجوده في مدينة أم درمان وزيارته عددًا من الجامعات، لم يلمس توفر الحد الأدنى من الجاهزية، سواء داخل المؤسسات الجامعية نفسها أو في البيئة السكنية المخصصة للطلاب، الأمر الذي يجعل تنفيذ القرار في الوقت الحالي، من وجهة نظره، سابقًا لأوانه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى