السديم وحكاية عرض مسرحي

السر السيد

السر السيد

إشارة

تأسست جماعة السديم المسرحية بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح في أبريل 1980، وضمت في عضويتها ثلة من الطلاب والطالبات، يمكن القول إن أغلبهم كانوا ينهلون من مشارب شتى في الثقافة والفنون، ويتوفرون على شغف كبير بالمعرفة. وعُرفت الجماعة بانفتاحها على الحركة الثقافية، وبعلاقاتها الواسعة مع رموز الإبداع خلال فترة الثمانينيات، وهو انفتاح أتاح لها أن تنهل من أكثر من مصدر؛ لذلك يحق لنا الزعم بأن الجماعة لم تكن ابنةً للمعهد فحسب، وإنما كانت أيضًا ابنةً للحركة الثقافية الجديدة في سودان ثمانينيات القرن الماضي.

وعلى امتداد الفترة من أبريل 1980 حتى نحو عام 1988، كرست الجماعة جهدها ــ بتحرر من النزعة المدرسية الأصولية في المسرح ــ لتقديم عرض مسرحي معاصر يتكامل فيه الشكل مع المحتوى. فقدمت نصوصًا مسرحية، وأخرى من الشعر والسرد، وتعاملت مع مختلف أشكال العرض المسرحي، مجترحةً صيغة «العرض المسرحي المتنقل»، فكانت تقدم عروضها في الساحات المفتوحة، والمدارس، والجامعات، والأندية، وفي المدن والقرى، ومن دون مقابل مادي.

الحكاية

 

تمثل مسرحية «ضو البيت» لحظة فارقة في تجربة الجماعة، باعتبارها المحاولة الأولى لها لدخول عالم المسرح الخاص. وقد أُنتجت المسرحية بدعم من صديق الجماعة الأستاذ الأصم عباس، وعُرضت على مسرح قاعة الصداقة بالخرطوم ابتداءً من ثالث أيام عيد الفطر المبارك عام 1985، واستمرت عروضها اثنين وعشرين يومًا متواصلة.

وبالنظرة العامة إلى تاريخ العرض المسرحي السوداني وتحولاته، والتوقف عند المسرحيات التي مثلت إضافة حقيقية وشكلت تحولًا نوعيًا في مسيرته، سنقف ــ بلا مواربة ــ عند مسرحية «ضو البيت»، بحسبانها قد جسدت، كما أرى، استنفارًا للطاقات القصوى للإبداع والجمال. فقد جمع هذا العرض، وفي حالة إبداعية نادرة، الشعراء محمد محيي الدين، الذي أعد النص المسرحي عن رواية الطيب صالح «بندر شاه: ضو البيت»، ومحمد طه القدال، ومحمد الحسن سالم حميد، وقاسم أبو زيد، ويحيى فضل الله، الذين كتبوا الأشعار، والفنان مصطفى سيد أحمد، الذي لحنها وأداها. كما ضم ممثلين كبارًا حالت ظروف كثيرة آنذاك دون مشاركتهم في العروض الكبيرة التي كانت تقدم على خشبة المسرح القومي أو مسرح قاعة الصداقة، ونذكر منهم على وجه الخصوص الممثل القدير محمد عبد الرحيم قرني، إلى جانب أعضاء جماعة السديم المسرحية أنفسهم. كذلك نجح العرض في أن يعيد إلى المسرح، بعد غيبة طويلة، الفنان الكبير والكاتب والممثل الأستاذ الطيب المهدي.

وفي هذا العرض غنى مصطفى سيد أحمد كما لم يغنِّ من قبل. غنى لحميد قبل أن يلتقيه وجهًا لوجه، بحسب إفادة المخرج قاسم أبو زيد، فغنى: «يا مطر عز الحريق»، وغنى أيضًا: «ولا النيل القديم يا هو ولا يانا»، وغنى للقدال: «تقوم يا بيتنا بيت الطين… لتيبة يوم… شراية يوم»، وغنى ليحيى فضل الله وقاسم أبو زيد: «زمنا بفوت وزمنا بجي… لا صبحًا بفوت زي صبحًا بجي».

كل هذا الكون الإبداعي الهائل؛ صوت المغني، والرقص، والتمثيل، والظلام، والضوء، والقصص، أداره المخرج الأستاذ قاسم أبو زيد، أحد أهم صناع الصورة المسرحية الجديدة والمختلفة في السودان، وأحد الركائز الأساسية في صناعة تجربة جماعة السديم المسرحية. وقد أدار هذا العالم بلغة مسرحية متناغمة رست بالعرض، أو كادت، على ضفاف ما يمكن وصفه بـ«الواقعية السحرية»، مانحًا العمل قدرة كبيرة على الاقتراب من تجسيد عالم الرواية، بل عالم الطيب صالح نفسه.

ويؤرخ لهذا العرض بأنه نقل العرض المسرحي السوداني إلى آفاق إنتاجية جديدة. ويكفي أن نشير إلى أن عدد الممثلين فيه تجاوز الثلاثين ممثلًا وممثلة، كما استخدم أساليب لم تكن مألوفة في المسرح السوداني آنذاك، خاصة في توظيف الإضاءة وقطع الديكور، أو، باختصار، في قدرته على تفعيل «فضاء اللعب» عبر المزاوجة بين الواقعي والتعبيري، وبين التقنية المسرحية والتقنية السينمائية. وبذلك أصبح هذا العرض، تاريخيًا، أول تجربة توظف إمكانات خشبة قاعة الصداقة إلى حدودها القصوى، كما شهد بذلك المخرج والممثل والسينوغرافي الأستاذ مكي سنادة.

ونذكر هنا، شحذًا للذاكرة، أن الممثلة المبتدئة آنذاك، والنجمة اليوم، سامية عبد الله، جسدت شخصية «فاطمة بت جبر الدار»، وجسد عبد الرحمن الشبلي شخصية «سعيد عشا البايتات»، وعباس الزبير شخصية «سعيد القانوني»، ويحيى فضل الله شخصية «الطاهر ود الرواسي»، وعادل السعيد عبد الخالق والسر السيد شخصية «الطريفي ود بكري»، وعماد الدين إبراهيم شخصية «بندر شاه»، ودخيل الله شخصية «بندر شاه الجد»، ومحمد عبد الرحيم قرني شخصية «محيميد»، فيما جسد الطيب المهدي شخصية «محجوب».

أما الملصق الإعلاني للعرض فقد صممه، متبرعًا، صديق الجماعة الفنان التشكيلي عصام عبد الحفيظ، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تستخدم فيها جماعة السديم الإعلان للترويج لعروضها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى