من حكاوى وقصص أم درمان.. الوليد إبراهيم قصة صحفي عظيم (1-2)
الكمدة بالرمدة

أمير أحمد السيد
أؤمن في وطننا السودان إيماناً قاطعاً أن من سطروا التاريخ قد سطروه وفق أهوائهم الشخصية، وكتب حوله كثير من المغالطات، ذلك ما جعلني أبحث وأنقب في تاريخ هذه المدينة العظيمة والتي حوت على بشر من مختلف بقاع الوطن الكبير السودان، تصاهروا فيها وتناسبوا فأخرجوا رجالاً مختلفين فكراً وسلوكاً يؤمنون بالسودان فقط، لا يتحدثون بلسان القبيلة أبداً إلا ما يظهر في ثقافاتهم التي أصبحت جزءاً من ثقافة أم درمان المدينة.
الوليد إبراهيم فضل المولى، والده من قبيلة الهبانية من منطقة أم روابة، وكان موجوداً في أم درمان حيث ابتعث لدراسة الشريعة في الأزهر الشريف بالقاهرة، وعاد من مصر بعد تخرجه ليشغل منصب ضابط إداري بمنطقة نيالا، وكان من أعيان حي الوادي بنيالا، وله أملاك ومزرعة كبيرة هناك. ووالدته السيدة فاطمة يونس، وهي أيضاً هبانية من منطقة برام، بيد أن الوليد تربى وترعرع في كنف عمه هارون فضل المولى، أحد الضباط الذين عملوا في الجيش البريطاني، وذلك لظروف عمل والده بنيالا وبقائه بأم درمان.
وكان الوليد شغوفاً بالعلم والمعرفة، وكان قد وجد ضالته في ذلك المنزل العريق الذي توفرت له فيه كل مقومات المعرفة، فنشأ شغوفاً بالاطلاع، ودرس مرحلة الثانوي في خور طقت الثانوية، تلك المدرسة العريقة التي جمعت خيرة أبناء السودان في ذلك الزمان، وخرجت أعظم الرجال، وانتقل منها إلى جامعة الخرطوم لدراسة الهندسة الميكانيكية.
وبعد تخرجه انتقل إلى الجامعة الأمريكية ببيروت، وهناك درس الإعلام ضمن مجموعة ضمت شخصيات مرموقة ومعروفة، وأصبح لها شأن عظيم، من ضمنهم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والصحفي المعروف فؤاد مطر مؤسس مجلة التضامن اللبنانية، وقد زار فؤاد السودان والتقى الوليد إبراهيم خلال الثمانينيات من القرن المنصرم، ويعد الوليد إبراهيم من الدفعات الأولى التي تخرجت من الجامعة الأمريكية ببيروت، وقد سبق في ذلك بروف السر دوليب وآخرين.
وبعد عودته من بيروت التحق بالحزب الشيوعي السوداني، وأصبح عضواً ملتزماً فيه، وكان ذلك في نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم، وولج العمل السياسي من أوسع أبوابه، وذلك من خلال النضال ضد نظام عبود، مما عرضه للتوقيف والاعتقال خلال الفترة ما بين عامي 1962-1964.
ربطته علاقة وطيدة جداً في عمر مبكر بالسيد حمزة عبد الرحمن الحاج صاحب أول منتدى فني وثقافي وفكري في أم درمان، والتقى في تلك الفترة بعباقرة الفن والأدب والثقافة في منزل حمزة عبد الرحمن، وهناك بدأ يتفتح عقله عبر تلك المجموعة من المستنيرين، والذين كان يتحدث عنهم كثيراً ويحفظ لهم كثيراً من الود والامتنان.
وبعد عودته من بيروت عمل في التدريس بمدرسة الجمهورية، وكان عميدها آنذاك الأستاذ القامة عبد الحفيظ هاشم من أبناء حي الهاشماب، وكان صديقاً مقرباً للعم حمزة عبد الرحمن الحاج، وكان يتردد كثيراً على منزله العامر ومنتداه الأدبي والفكري والثقافي، لذا ربطته علاقة بالوليد إبراهيم.
وعبد الحفيظ هاشم عرف بأنه أديب يتحدث شعراً ودرراً، فهو يحفظ المعلقات عن ظهر قلب وكل ألوان الشعر الجاهلي وما بعده، حتى إنه كان نديماً للملك الحسن الثاني ملك المغرب، الذي كان ينتظر إجازة مدرسته بفارغ الصبر حتى يذهب له في المملكة المغربية ليقيم ضيفاً على الديوان الملكي.
وفي العام 1961 تزوج من ابنة حمزة عبد الرحمن السيدة سعدية حمزة، وأنجب منها بنتين وثلاثة أولاد.
رغم أن الوليد إبراهيم قد درس الهندسة وتخرج مهندساً ميكانيكياً، إلا أن شغفه بالاطلاع والقراءة جعله أقرب لمهنة الصحافة، مما جعله يختار هذه المهنة ويمضي فيها سنوات عمره. نعم، اختار الوليد مهنة المتاعب، ومشى في دروبها واحتمل ما احتمل فيها ولاقى ما لاقى فيها، لأنه وجد نفسه في هذه المهنة.
والوليد أسس صحيفة إنجليزية باسم سودان استاندر مع فرنسيس قرنق، وكانت مكاتبها في شارع علي عبد اللطيف، كذلك كان الداعم الأول لمجلة صوت المرأة التي كانت ترأس تحريرها الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم، والتي كانت تتردد على منزله كثيراً، وأيضاً كان من كبار محرري مجلة الحياة الأسبوعية.
والوليد مؤسس عمود يوميات العاصمة بجريدة الأيام، وكان مراسلاً أوحداً لجريدة الأهرام القاهرية، وهو من كتب كتيب “موحدة العرب” تكريماً للسيدة أم كلثوم حين زيارتها للسودان عام 1968.
وبعد ثورة أكتوبر ابتعث لعمل دراسات عليا في الصحافة والإعلام بالاتحاد السوفيتي، وعاد قبل انقلاب مايو 1969، وبما أنه قد كان من الكوادر الرفيعة في الحزب، ولقد كان له اتصال مباشر مع السوفييت، وكان أميناً قطرياً، وتم تأهيله أيضاً بدراسة لغات أخرى كان يجيدها بطلاقة، كاللغة الإنجليزية والفرنسية والروسية والسواحلية، كل ذلك أهله بعد انقلاب مايو أن يكون أحد كبار المسؤولين عن الثقافة والإعلام.
وفي العام 1971 كان له إسهام عظيم في إنجاح مهرجان الثقافة العربية في الجزائر، والوليد هو من تكفل بنقل البعثة السودانية من الخرطوم إلى الجزائر عبر طائرة سوفيتية خاصة، وكان وقتها يشغل منصب وكيل وزارة الثقافة والإعلام.
وفي منزل الحاج حمزة عبد الرحمن كانت تكتمل الأفكار العظيمة، وهناك أنشأ الوليد إبراهيم في العام 1973 نادي الجاز بمشاركة التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي، والأستاذ عبد العزيز فرج، وشرحبيل أحمد، وأحمد داؤود، وحسن السروجي، وبابكر عوض آدم، وآخرون.
لقد كان الوليد مهتماً بكتابة الشعر، فكتب لشرحبيل أحمد عدداً من الأغنيات، أشهرها (البهجة في عينيك)، وأيضاً كتب أشعاراً عظيمة جداً للأطفال.
وربطته علاقة قوية جداً بالفنانة العالمية الجنوب أفريقية مريم ماكيبا إبان فترة نضالهم ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، لذا حرصت بشدة على زيارة الوليد إبراهيم في بيته حين زيارتها للسودان.
لقد كان الوليد قريباً وداعماً لكل حركات التحرر العالمية لإيمانه الكبير بحرية الشعوب وتحررها من صلف الاستعمار والدكتاتوريات العالمية.
وحين قيام انقلاب هاشم العطا في العام 1971 ورد اسم الوليد إبراهيم ضمن قائمة وزراء حكومة العطا كوزير للثقافة والإعلام، بيد أن الرجل استغرب ذكر اسمه، وقد كان قائداً لمراجعات داخل الحزب بعد انقلاب مايو 1969، وكان يقود بقوة تيار سودنة الحزب مع آخرين، وذلك ما رفضه عبد الخالق محجوب وبعض قيادات الحزب، وكانت تلك نقطة الخلاف الكبيرة.
وتمسك الوليد بموقفه، لذا عندما تم اعتقاله من ضمن الشيوعيين كانت هناك أسباب موضوعية لعدم إعدامه ضمن من وردت أسماؤهم في تلك القائمة، ولكنه ظل محارباً سياسياً من قبل نظام مايو الذي كان قد طلق الحزب الشيوعي طلاقاً بائناً.
تفرغ الوليد بعد ذلك للعمل في جريدة الأيام، واختار نضالاً من نوع آخر، اختار المواجهة رغم الطريق الوعر في ذلك الزمان، ومايو قد استلت سيفها من غمده لقطع كل الرقاب، وكانت مرحلة قاسية في عمر الدكتاتورية، إلا أن الرجل بشجاعته المعهودة اختار ذلك الطريق الوعر طوعاً إيماناً منه بالديمقراطية وبقيم إنسانية أخرى تربى عليها ودافع عنها.
وقد زامل وتتلمذ على يديه الكثيرون في مهنة الصحافة، منهم حسن ساتي وفضل الله محمد، وكان قريباً جداً من الصحفي ميرغني حسن علي.
نواصل في الحلقة القادمة وقصة الصحفي الوليد إبراهيم.





