عقد اجتماعي جديد.. مدخل تأسيسي

الهادي الشواف

العقد الاجتماعي هو اتفاق يعبر عن جميع المواطنين، يسعى إلى ربط النسيج الاجتماعي وإحداث تجانس بين جميع أفراد ومكونات المجتمع، بهدف بناء مجتمع متكامل أساسه العدل والمساواة والحرية، وهو يعتبر صلة الوصل والمنظم للعلاقة بين مكونات المجتمع المختلفة وبين السلطة، حيث تنظم أسس هذه العلاقة من خلال أنظمة أو قوانين تحدد ذلك على أساس الاحترام المتبادل، ومتى ما كانت هذه القوانين تحترم الفرد كان لزامًا عليه احترامها.

بهذا المعنى العقد الاجتماعي هو مجموعة من القوانين يساهم في وضعها كل أفراد المجتمع، ويجب أن تكون ذات تأييد شعبي واسع، وغايتها العليا هي تحديد العلاقة وبناء الرابطة وإحداث التجانس بين جميع فئات المجتمع، والمساهمة في تطوره وترسيخ قيمه المختلفة.

ومصطلح العقد الاجتماعي ظل يتواتر في أدبيات الفكر الإنساني منذ القدم، ابتداءً من (سقراط وأفلاطون 400 ق.م)، مرورًا بابن خلدون.. الخ، وتبلور في شكل “نظرية علمية” على يد بعض علماء الاجتماع أمثال (توماس هوبز 1588-1679م)، (جون لوك 1632-1704م) و(جان جاك روسو 1712-1778م)، ومن ثم تمظهرت تأثيراته الرمزية كمحرك لأحداث سياسية غيرت مجرى التاريخ مثل (الثورة الفرنسية 1789م) وغيرها من الأحداث حتى عصرنا الراهن.

وقد انطلق هوبز من السؤال: (لماذا يجب علينا أن نخضع للسلطة)، وللإجابة على هذا السؤال وجد هوبز أنّ الإنسان في مرحلة ما قبل المجتمع (الحالة الأصلية) يتركز اهتمامه في “المصلحة الذاتية”، وسمى هذه المرحلة بـ(الهمجية)، حيث يخشى كلّ فرد على حياته من الآخر، ولا يستطيع أحدهم ضمان تلبية حاجاته ورغباته لمدة زمنية طويلة، ويرى أن الطريق للخروج من هذه الحالة يتم عبر الاتفاق على قوانين مشتركة وإيجاد آلية لفرض هذه القوانين، عن طريق سلطة حاكمة، لذا نجده قد دعا إلى وجود “سلطة مطلقة”، بقوله: (السّلطة هي الشيء الوحيد الذي يقف بيننا وبين العودة للهمجية).

استخدم لوك نفس فرضية هوبز واختلف معه في كون (الحالة الأصلية) على الرغم من انعدام القوانين فيها إلاّ أنها تحتوي على قيم وأسس أخلاقية، واختلف معه أيضًا في مبدأ “السلطة المطلقة”، ويرى أنّ الفرد له الحقّ في مقاومة السّلطة “المستبدة”.

واختلف جان جاك روسو عن (هوبز ولوك)، بقوله: في (الحالة الأصلية) كان الناس يعيشون حالة اكتفاء ذاتي وسلام في ظلّ مبادئ أخلاقية، وبعد تطور المجتمع وظهور (الملكية الخاصة)، ظهرت معها (المنافسة، والطمع، والجشع، وعدم المساواة… الخ)، الشيء الذي أخرج البشرية من حالتها البشرية الطاهرة، ونتيجة للملكية الخاصة انقسم الناس إلى أصحاب أملاك وإلى عمال، مما أوجد نظام (الطبقات الاجتماعية)، وقد أدرك أصحاب الأملاك أن من مصلحتهم إنشاء “حكومة” تحمي ملكياتهم، ومن ثمّ تمّ تأسيس الحكومة من خلال “عقد” ينصّ على توفير المساواة والحماية للجميع بلا استثناء، على الرغم من أن الغرض الحقيقي من إنشاء مثل هذه الحكومة هو تكريس “اللامساواة” التي نتجت عن الملكية الخاصة، الشيء الذي يراه روسو السبب في معاناة المجتمعات الحديثة حتى الآن، وقد تميز روسو عن سابقيه بالمثل العليا التي كان يدعو إليها، وهي الديمقراطية المباشرة والمساواة التامة، وإعادة بناء النظام الاجتماعي والسياسي بشكل يحقق هذه المثل.

 

إذن خلاصة القول هي أن فكرة (العقد الاجتماعي)، تعني الانتقال من الحالة الطبيعية الذهنية الافتراضية المثالية، إلى الحالة المدنية الحديثة المتحضرة، التي تقوم على توافق جميع فئات المجتمع على مفاهيم وقيم وقواعد، يتنازل بموجبها الفرد عن حريته بشكل نسبي في مقابل الأمن والاستقرار والنظام والخدمات، بمعنى خضوع الإرادة الحرة إلى الإرادة العامة، وقد لخصها أحمد سالم السهلاوي بقوله: (أن وجود الدولة “السلطة” يرجع إلى الإرادة المشتركة لأفراد الجماعة، أي أن الأفراد اجتمعوا، واتفقوا على إنشاء مجتمع سياسي يخضع لسلطة عليا، فالدولة على هذا الأساس قد وجدت نتيجة لعقد أبرمته الجماعة)، وبهذا يجسد مفهوم العقد الاجتماعي مدخلًا لفهم تطور فكرة المجتمع المدني الحديث.

وقد عرف قاموس الفلسفة العقد الاجتماعي بأنه (اتفاق بين أفراد وقوة حاكمة حيث يتم التنازل إراديًا عن بعض الحريات الشخصية مقابل منفعة تتمثل في مجتمع حسن التنظيم أو حكومة رشيدة)، وكان لمفاهيم العقد الاجتماعي الأثر البالغ في فك شفرة العلاقات المدنية بين الأفراد والعلاقات الطبيعية من ناحية، ومن ناحية أخرى قد أوجدت تفسيرًا مدنيًا للسلطة السياسية لتحل محل التفسير المعتمد على نظرية الحق الإلهي، وساهمت هذه المفاهيم، أي المفاهيم المتعلقة بنظرية (العقد الاجتماعي)، في بلورة أسس وأشكال مختلفة لأنظمة الحكم، وأصبحت مرجعًا للمهتمين بتطور أنماط الحكم، ووضعت مدخلًا لظهور علم اجتماع سياسي حديث.

على الرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهت لنظرية (العقد الاجتماعي)، إلا أنها عادت بفوائد عديدة للإنسانية، بوقوفها ضد الحكم المطلق، ومحاصرتها للاستبداد والطغيان، وبمساندتها للشعوب بتمليكها مفاهيم وقيم وأسس تنير طريقها نحو التحرر والانعتاق والديمقراطية، وبينت التمايز بين الدولة والمجتمع عبر إقرار الحقوق المدنية للمواطنين القائمة على أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات، وانطلقت من أن تكوين الدولة (السلطة) يجب أن يكون نتيجة لتعاقد اجتماعي يتساوى فيه جميع المواطنين.

وعليه فإن فرص بناء عقد اجتماعي جديد في السودان لا تزال قائمة رغم تعقيد المشهد، بل أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فالحرب الحالية عمقت الأزمة السودانية بصورة غير مسبوقة وأدت إلى حدوث انهيار واسع في كل شيء، وكشفت بوضوح حدود النموذج القديم للدولة السودانية، الذي تأسس على الإقصاء والمركزية المفرطة وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة، والعقد الاجتماعي الجديد ليس مجرد وثيقة سياسية بل هو اتفاق تاريخي جديد بين السودانيين حول القضايا الكبرى المتعلقة بمستقبل الدولة السودانية.

كما أن الانقلابات العسكرية فشلت في تحقيق استقرار سياسي، والأحزاب التقليدية فشلت في إدارة التنوع، والنخب السياسية الحديثة أخفقت في بناء توافق وطني، وهذا الانهيار وهذا الفشل يفتحان أفقًا جديدًا أمام وضع تصور جديد للدولة يقوم على أسس أكثر عدالة وشمولًا.

وثورة ديسمبر المجيدة أنتجت وعيًا جديدًا وسط الشباب والنساء ولجان المقاومة، تجاوز مفاهيم الولاء التقليدي لصالح الدولة المدنية الديمقراطية والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية، وهذه المفاهيم يمكن أن تمثل قاعدة انطلاق لبناء العقد الاجتماعي الجديد، الذي يؤسس لقيام الدولة على المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، وحيادية الدولة تجاه (الهويات – الثقافة – الأديان.. الخ)، وسيادة حكم القانون، واستقلالية القضاء، والشفافية، والمساءلة.

وفي ذات السياق، فإن العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يمثل فرصة تاريخية للاتفاق حول ثوابت وطنية وإعادة تأسيس الدولة عبر الإجابة على الأسئلة المركزية المتعلقة بمفهوم الدولة ووظيفتها ودورها، من يحكم ولماذا وكيف يحكم السودان؟ ولصالح من؟ كما ذكرنا آنفًا، وحول حدود ودور الجيش وكل الأجهزة النظامية وعقيدتها وعلاقتها بالدولة والسلطة، وحول أسس ومعايير بناء دولة مدنية ديمقراطية ومعالجة الاختلالات البنيوية منذ الاستقلال وحتى الآن.

 

كما يجب أن يؤسس لبناء دولة قائمة على أساس المواطنة المتساوية دون تمييز ووضع أسس واضحة لإدارة التنوع، وكذلك يجب ألا يصاغ بواسطة النخب وحدها بل بمشاركة المجتمعات المحلية والقوى المدنية والشباب والنساء والنازحين وكل مكونات المجتمع الحية.. الخ، كما يجب أن يؤسس بوضوح للا مركزية الدولة والاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي كمصدر قوة، بالإضافة إلى وقف الحرب وإنهاء عسكرة السياسة وتفكيك المليشيات وإنهاء التمكين وإخراج المؤسسة العسكرية من السياسة والاقتصاد وبناء جيش واحد بعقيدة وطنية، وتحويل المأساة الحالية إلى لحظة تأسيس تاريخية لبناء دولة لا تعيد إنتاج أسباب الحرب.

وبصورة عامة مثلت هذه النظرية تطورًا نوعيًا أدى إلى تحقيق إنسانية الإنسان، من خلال النظر إليه على أساس أنه المحور الذي يقوم عليه العقد، وبالطريقة التي تحقق كرامته، فمهما كان نوع أو شكل العقد فإن محصلته النهائية هي تحديد سلطات واضحة للحاكم، ووضع أسس لإدارة الدولة، وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والإجابة على الأسئلة الكبرى والمصيرية التي تخص المجتمع، في كيف يحكم… الخ.

وهذا كله لا يتأتى إلا من خلال التوافق على مبادئ أساسية للدولة، هي “ميثاق المواطنة” الذي يمكن أن يعبر عنه بصورة أخرى بـ”العقد الاجتماعي” أو “القانون الأساسي” أو “الدستور”، وهذا ما يجب أن يجاوب عليه المؤتمر القومي الدستوري، الذي ظلت تدعو إليه القوى السياسية المدنية طيلة سنوات نضالها ضد الدكتاتورية والشمولية والفاشية والظلم والاستبداد.

هذا النضال المستمر من أجل إحداث التغيير وإيجاد البديل الديمقراطي، المستند على الحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، واجتثاث الفساد والمحسوبية، ومحاربة النزعات العنصرية والجهوية والقبلية، هذا النضال الذي بالضرورة يجب أن يقود إلى إحداث قطيعة مع الحروب وتحقيق السلام والاستقرار كمدخل لتحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى