اللاجئون في ليبيا .. أموال الاتحاد الأوروبي في قلب الاتهام

مع بداية شهر يونيو الجاري بدأت خطابات الكراهية تتصاعد على وسائل التواصل الاجتماعي، ضد المهاجرين واللاجئين بليبيا بشكل منظم وواضح، حتى تُوِّجت هذه الدعوات لطرد اللاجئين بحشود ضخمة من أمام مبنى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ترفع شعارات رافضة لوجود اللاجئين على الأراضي الليبية، وصاحب ذلك حملات واعتقالات ومطاردات وترحيل قسري جوًا وبرًا وبحرًا نفذته السلطات الليبية بحق آلاف المحتمين بها من دول إفريقية مختلفة على رأسها السودان، وسط اتهامات مباشرة للاتحاد الأوروبي بتمويل ودعم عمليات ترحيل اللاجئين قسرًا.
رحاب فضل السيد
تصعيد شعبي وحكومي
وثقت نقابة الصحفيين السودانيين شهادات حية لـ39 صحفيًا وصحفية فروا بأسرهم إلى ليبيا هربًا من الحرب في السودان، وشهادات الصحفيين الموثقة أكدت أن الاستهداف الذي يواجهه السودانيون بشكل خاص لم يكن حالات فردية، بل تصاعدًا لموجة جرائم الكراهية التي تحولت إلى بيئة عدائية ممنهجة، تمثلت في رفع شعارات مخصصة للسودانيين على شاكلة “أرجع السودان” و”السودانيين سبب الأزمة الاقتصادية”، بل تجاوزت الأوضاع أبعد من ذلك على أرض الواقع بحسب ما يعايشه الناس هناك، حيث أحجم أصحاب المخابز عن بيع الخبز للسودانيين.
من جانبها شرعت السلطات الليبية في شن حملات واعتقالات واسعة وترحيل قسري شمل مئات اللاجئين السودانيين، قبل أن يعلن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في ليبيا ترحيل 133 مهاجرًا غير شرعي من البلاد، بينهم سودانيون، وكشف الجهاز في بيان له أن بعض المبعدين ضُبطوا أثناء محاولتهم الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر، مشيرًا إلى أن بعضهم لا يملكون وثائق سفر أو إقامة قانونية.
وفي تطور جديد أصدر رئيس الحكومة الليبية، أسامة حماد، قرارًا حظر بموجبه دخول مواطني السودان وإريتريا والصومال وإثيوبيا إلى الأراضي الليبية عبر المنافذ البرية والجوية والبحرية، مع استثناء الحالات الحاصلة على موافقات رسمية أو عقود عمل سارية في قطاعي التعليم والصحة. ووجّه القرار وزارة الداخلية الليبية بالتنفيذ الفوري وترحيل المتواجدين داخل البلاد ممن لا يحملون إقامة قانونية سارية، ضمن خطة لتنظيم أوضاع الإقامة ومواجهة الهجرة غير النظامية.
انتهاكات بالوكالة
وفي ذات الاتجاه يقول الأستاذ الصادق علي حسن، عضو هيئة محامي دارفور، لـ”أفق جديد” إن ما يتعرض له اللاجئون في ليبيا من انتهاكات واسعة النطاق صار ظاهرة، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة أفرزت خطاب كراهية ضد كل اللاجئين، خاصة تجاه القادمين من دول تشاد والسودان والغرب الإفريقي.
ويلفت حسن إلى أن الذين يقودون العوام في ليبيا هم نشطاء المجتمع المدني، مما يكشف أن خطاب الكراهية صار خطابًا للنخب المدنية التي يفترض أن لديها التزامات تجاه حقوق الإنسان.
وانتقد الأستاذ الصادق علي حسن تجاهل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لما يواجهه اللاجئون في ليبيا وغضهما الطرف عما يحدث من انتهاكات سافرة، وقال: “من خلال الوقائع فإن الاتحاد الأوروبي يشجع الترحيل القسري للاجئين في ليبيا لتفادي أفواج الهجرات الوافدة إليها عبر ليبيا، ومن الواضح أن الاتحاد الأوروبي يوظف الأنظمة الحاكمة بدول مثل ليبيا لتمرير أجنداتها في استخدام هذه الأنظمة لتمارس نيابة عنها ملاحقة اللاجئين ببلدانهم قبل وصولهم إلى شواطئ الدول الأوروبية مصحوبة بكافة أنواع وأصناف الانتهاكات”.
اتهامات تطال الاتحاد الأوروبي
بدورها اتهمت منظمة العفو الدولية، في الرابع والعشرين من يونيو الجاري، الاتحاد الأوروبي بالسعي إلى توسيع تعاونه في مجال ضبط الهجرة وتدفق المهاجرين مع السلطتين الليبيتين المتنافستين والجماعات المسلحة المتحالفة معهما، في الوقت الذي تُصعِّدان فيه حملتهما المتمثلة بالاعتقالات الجماعية القائمة على التمييز العنصري، والاحتجاز التعسفي، وعمليات الطرد الجماعي غير القانوني للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، بدعم خطاب الكراهية ضد الأجانب.
وقالت نائبة مدير المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، ديانا الطحاوي: “من المروّع أن السلطتين الليبيتين المتنافستين تتوحدان في ارتكاب انتهاكات ضد اللاجئين والمهاجرين، وتستخدمان الخطاب العنصري، وتتجاهلان طلبات اللاجئين، وتحتجزان الآلاف تعسفًا قبل طردهم بما في ذلك جماعيًا على الحدود البرية. ينبغي لحكومة الوحدة الوطنية وخصمها في شرقي ليبيا أن تضعا فورًا حدًا لهذه الانتهاكات. لقد موّل الاتحاد الأوروبي منذ زمن طويل عملية ضبط الهجرة في ليبيا بالدعم الذي يقدمه لخفر السواحل الليبي، ما جعله فعلًا متواطئًا في ارتكاب انتهاكات واعتداءات مروعة”.
“لا للتوطين”
وبالنظر إلى الاتهام المباشر الذي وجهته منظمة العفو الدولية للاتحاد الأوروبي بتمويل ودعم السلطات الليبية لمكافحة الهجرة وترحيل اللاجئين قسرًا، يرى الصحفي الإريتري فؤاد العقّاد أن بيان منظمة العفو الدولية الأخير يضيف صفحةً جديدة من التوثيق إلى ملف تمويل الاتحاد الأوروبي لإدارة الهجرة في ليبيا.
ويقول العقّاد لـ”أفق جديد” إن البيان ينتقل من الاتهام العام المبهم إلى تفاصيل محددة وموثقة، بدءًا من ذكر مسؤولين بأسمائهم مثل وزير الداخلية عماد الطرابلسي الذي يقود مجموعة ميليشياوية ويدعم علنًا حراك “لا للتوطين”، وشهادات فردية موثقة لعدد من المحتجزين تعرضوا للضرب والابتزاز ومُنعوا من تقديم طلبات لجوء إلى المفوضية، إضافة إلى ربط مباشر بين الخطاب الرسمي المعادي للمهاجرين وتصاعد العنف الشعبي في الشارع.
ويلفت العقّاد إلى أهمية الربط بين هذه الوقائع وغيرها بالتزامن مع توجه أوروبي نشط لتوسيع التعاون مع القوات المسلحة العربية الليبية في الشرق، عبر مشروع مركز تنسيق بحري في بنغازي، في الوقت ذاته الذي تفتح فيه أمينة المظالم الأوروبية – تريزا إنجينيو – تحقيقًا داخليًا حول تكتم المفوضية على وثائق متصلة بحوادث إطلاق نار على سفن إنقاذ.
ويشير العقّاد إلى أن هذا التزامن المريب بين تصعيد الانتهاكات وتوسيع التمويل، وبين الانتقاد الخارجي والمساءلة الداخلية الأوروبية، هو ما يجعل وصف التواطؤ أقرب إلى خلاصة وقائعية منه إلى موقف أخلاقي عام، وبالتالي طرح سؤال جوهري هنا، وهو: هل يكفي تصنيف التمويل الأوروبي رسميًا بأنه للإنقاذ وإدارة الحدود لتبرئته من النتائج التي تستخدمه فيها الأطراف الليبية لتنفيذ سياسات احتجاز وطرد قائمة على العرق؟





