من العملية السياسية إلى معركة العقد الاجتماعي.. من يملك حق تأسيس السودان؟ (2-3)

حاتم أيوب أبوالحسن
إذا كان الجزء الأول قد انتهى إلى أن السودان لم يعد يواجه أزمة سلطة بقدر ما يواجه أزمة تأسيس، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: من يملك حق القيام بهذا التأسيس؟
قد يبدو السؤال سياسيًا، لكنه في جوهره سؤال أخلاقي ودستوري وتاريخي.
فالتأسيس ليس امتيازًا تمنحه القوة العسكرية، ولا جائزة تحصل عليها الأحزاب، ولا حقًا حصريًا للنخب التي تصدرت المشهد طوال العقود الماضية. إنه فعل جماعي ينشأ من الإرادة العامة للمجتمع، لأن الدولة في النهاية لا تُبنى لمن يحكمها، بل لمن يعيش فيها.
ولهذا فإن أكبر أخطاء التفكير السياسي السوداني أنه ظل يحصر مستقبل البلاد في دائرة ضيقة من الفاعلين السياسيين، بينما بقي المجتمع نفسه خارج عملية صناعة القرار، لا يحضر إلا بوصفه جمهورًا للتعبئة أو خزّانًا للأصوات أو وقودًا للصراع.
لقد أثبتت التجربة أن احتكار السياسة لإنتاج الدولة قاد إلى احتكار الدولة نفسها. وكل اتفاق سياسي كان يعيد توزيع المواقع بين النخب، لكنه لم يكن يعيد توزيع حق السودانيين في المشاركة في تعريف وطنهم.
ومن هنا فإن سؤال التأسيس لا ينبغي أن يكون: لصالح أي حزب حتى يقود المرحلة؟ أو أي تحالف سينتصر؟ ولو لمرة يجب أن نطرح سؤال:
كيف يصبح ملايين السودانيين شركاء في كتابة العقد الاجتماعي الجديد؟
إن الدولة الجديدة لا يمكن أن تُكتب داخل غرف التفاوض وحدها، لأن التفاوض يعالج موازين القوى، بينما يعالج العقد الاجتماعي موازين الحقوق.
ولهذا يجب أن ينتقل السودان من مفهوم “التسوية السياسية” إلى مفهوم “العملية التأسيسية”، وهي عملية تختلف جذريًا في فلسفتها وأهدافها.
فالعملية السياسية تهدف إلى إنهاء النزاع بين القوى المتصارعة، أما العملية التأسيسية فتهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة على أسس جديدة من المواطنة والعدالة والمساواة.
وفي هذه العملية يتغير أيضًا دور الأحزاب.
فالأحزاب ليست هي التي تؤسس الدولة، وإنما تساعد المجتمع على تأسيسها.
وظيفتها الحقيقية ليست احتكار الحديث باسم الشعب، وإنما تنظيم الحوار العام، ورفع الوعي، وتقديم الرؤى والبرامج، وتدريب المواطنين على الاختيار الحر، وبناء التوافقات الوطنية.
أما عندما تتحول الأحزاب إلى أدوات للاستقطاب، فإنها تضيق المجال العام وتختزل الوطن في منافسة على السلطة، بينما المطلوب اليوم هو توسيع المجال العام ليصبح فضاءً مفتوحًا أمام كل السودانيين للمشاركة في صناعة مستقبلهم.
فالتأسيس لا يكتبه حزب واحد، ولا جيش واحد، ولا حركة مسلحة واحدة، ولا حكومة انتقالية واحدة.
إنه يكتبه مجتمع كامل.
ولهذا فإن العقد الاجتماعي القادم ينبغي أن يشارك في صياغته النازحون واللاجئون، والشباب، والنساء، والنقابات، والمهنيون، والجامعات، والإدارات الأهلية، ورواد الأعمال، والمزارعون، والرعاة، ومنظمات المجتمع المدني، والخبراء، وأصحاب المعرفة، إلى جانب القوى السياسية، بحيث تصبح الأحزاب جزءًا من الحوار الوطني لا بديلاً عنه.
إن هذا التحول ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة يجب اتباعها، وقد فرضتها الحرب نفسها.
فالحرب لم تُسقط المباني فقط، وإنما أسقطت كثيرًا من المسلمات السياسية التي حكمت السودان منذ الاستقلال، وأثبتت أن الدولة لا يمكن أن تستمر إذا بقي المجتمع بعيدًا عن صناعة قواعدها.
إن بناء العقد الاجتماعي الجديد يبدأ بالاعتراف بأن المواطنة هي مصدر الشرعية، وأن التنوع ليس أزمة يجب احتواؤها، بل ثروة يجب تنظيمها، وأن الدولة ليست غنيمة للفائز، وإنما مؤسسة مشتركة للجميع.
ولهذا فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع، بل بمدى اتساع المشاركة الشعبية في صياغة قواعد الدولة الجديدة.
فكلما اتسعت دائرة المشاركة، اتسعت شرعية الدولة، وكلما ضاقت المشاركة، عادت أسباب الصراع بأشكال جديدة.
إن السودان يحتاج اليوم إلى حوار تأسيسي لا تفاوض نخبوي، وإلى مؤتمر جامع لا يقتصر على اقتسام السلطة، بل يناقش شكل الدولة، وطبيعة الحكم، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وضمان الحقوق والحريات، وآليات توزيع الموارد، وحدود استخدام القوة، ومكانة الدستور باعتباره تعبيرًا عن إرادة المجتمع لا عن ميزان القوى.
وهكذا يصبح دور الأحزاب أن تقود النقاش لا أن تحتكره، وأن تنظم المشاركة لا أن تصادرها، وأن تتنافس في تقديم الأفكار لا في احتكار الوطن.
إن الدول التي تعيش بعد الحروب لا تنجح لأنها أنتجت اتفاقًا سياسيًا فقط، وإنما لأنها أنتجت شعورًا عامًا بأن الجميع شاركوا في كتابة المستقبل.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام السودان.
فالتأسيس ليس سؤالًا عن من يحكم، بل عن من يملك الحق في تعريف الدولة.
والإجابة لا يمكن أن تكون: حزب، أو جيش، أو حركة، أو نخبة.
الإجابة الوحيدة التي تمنح الدولة شرعيتها هي:
الشعب السوداني بكل تنوعه، عبر عقد اجتماعي جديد، تكون فيه الأحزاب أدوات للتنظيم والتنوير وبناء التوافق، لا أوصياء على الإرادة الوطنية ولا وكلاء حصريين عن المجتمع.
وفي الجزء الثالث، يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا:
كيف يمكن تحويل هذه الرؤية إلى عملية تأسيسية واقعية، دون أن تتحول إلى شعار جديد يضاف إلى تاريخ الشعارات السودانية؟
يتبع…





