تآكل الجنيه يفاقم أوضاع معلمي السودان

أمدرمان – أفق جديد
طالبت لجنة المعلمين السودانيين برفع الحد الأدنى لأجور المعلمين إلى 313500 جنيه بدلاً عن 12 ألف جنيه، وقالت إن المطالبة برفعه إلى 216 ألف جنيه السابقة باتت غير مناسبة مع انخفاض قيمة الجنيه وتهالكه المريع أمام العملات الأخرى وتفشي الغلاء.
وتشهد أوضاع المعلمين في السودان تدهورًا غير مسبوق نتيجة الانهيار المستمر في قيمة الجنيه السوداني والارتفاع الحاد في أسعار السلع والخدمات، الأمر الذي أدَّى إلى تآكلٍ شبه كامل للقوة الشرائية للمرتبات.
وأظهرت أحدث دراسة أعدتها لجنة المعلمين السودانيين أن أعلى مرتب للمعلم، بعد أكثر من ثلاثين عامًا من الخدمة، لا يتجاوز (٤٠.٩١) دولارًا شهريًا، بينما ينخفض مرتب المعلم في مدخل الخدمة إلى أقل من (١٥) دولارًا، مما أفقد المرتبات، بحسب الدراسة، أكثر من (٩٠٪) من قيمتها، مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، مع استمرار التدهور المتسارع وانخفاض قيمة الجنيه من (٤٦٠٠) إلى (٥٥٠٠) جنيه للدولار خلال أسبوعين فقط، ما يجعل أي زيادة سابقة في الأجور غير ذات أثر حقيقي في ظل الانهيار المتواصل للعملة.
في مواجهة هذا الواقع الصعب اضطر المعلمون لإعلان إضراب شامل في عدد من الولايات، من بينها كسلا والجزيرة والخرطوم، وهي إضرابات مطلبية سلمية للمطالبة بحقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها رفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع تكلفة المعيشة، وصرف المتأخرات، وتوحيد هيكل الأجور بين الولايات، والالتزام بمواعيد صرف المرتبات، وضمان التزام الدولة بمسؤوليتها في تمويل التعليم وحماية حقوق العاملين فيه، بحسب ما يقول سامي الباقر، المتحدث الرسمي للجنة المعلمين لـ”أفق جديد”.
ويضيف أن لجنة المعلمين السودانيين تؤكد أن هذه المطالب ليست مطالب فئوية أو امتيازات خاصة، وإنما حقوق مشروعة تكفل للمعلم الحد الأدنى من الحياة الكريمة، وتحافظ على استقرار العملية التعليمية.
يقول الباقر: “لم تتجه استجابة السلطات إلى معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة، وإنما اتسمت بمحاولاتٍ للالتفاف على المطالب الأساسية، من خلال إعادة تسويق أجسام نقابية ميتة سريريًا، تعود إلى عهد المؤتمر الوطني، عبر وعود زائفة لا تسندها إجراءات عملية. كما اتجهت إلى تقديم معالجاتٍ جزئية لا تمس جوهر الأزمة ولا تعكس التزام الدولة بمسؤوليتها تجاه التعليم”.
ويشرح الباقر أنه في ولاية كسلا انصب الخطاب الرسمي على وعود لم تتحول إلى قرارات نافذة، بينما اقتصر التعامل في ولاية الجزيرة على صرف (٤٠٪) من متأخرات أربعة أشهر. “وهو إجراء لا يواكب الانهيار المتسارع في قيمة العملة ولا يعالج أزمة الأجور”.
ويرى أن الخطر يتمثل في أن بعض الجهات لجأت إلى محاولات لتفكيك المنظومة التعليمية والاستعانة بكتائب ومجموعات ذات طابع قتالي لسد الفراغ الذي أحدثه الإضراب، في خطوة تمثل خروجًا على الدور المدني للمؤسسة التعليمية، ومحاولة لكسر إرادة المعلمين بدلاً من الاستجابة لمطالبهم المشروعة بالحوار والحلول الجادة.
بدورها تقارب المعلمة خيرية عبد الله بين الأوضاع الحالية وما كان عليه الحال إبان الفترة الانتقالية، وتقول في حديثها مع “أفق جديد”: “بصراحة، أنصفت حكومة حمدوك المعلمين ورفعت من أوضاعنا المتردية طوال ثلاثين عامًا من حكم الإنقاذ، ولا ندري كيف يكون الوضع لو لم ترفع حكومة حمدوك الأجورَ لمستويات عالية”.
وتضيف متحسرة: “أضطر للذهاب للمدرسة راجلةً بسبب غلاء المواصلات الفاحش دون أن أؤمِّن غذاء أولادي في البيت كفايةً. الحكومة الحالية ما شغالة بزول”.
ويقول صلاح الفضل، وهو معلم بمدارس الأساس بمحلية كرري، إن التمويل الحكومي للعملية التعليمية ضعيف في ظل تداعيات الحرب الحالية، وإن البيئة التعليمية متدهورة وتفاقمت أوضاع المعلمين المعيشية لحد الكفاف.
يضيف في حديثه لـ”أفق جديد”: “أولياء الأمور يؤمنون كلفة الامتحانات وكثيرًا من الواجبات التعليمية رغم أوضاعهم المعيشية المرهقة. أجورنا لا تسد الرمق وسنستمر في الإضراب حتى تتحقق مطالبنا المشروعة”.
ويعود سامي الباقر بالقول: “نحن في لجنة المعلمين السودانيين نرى أن استمرار تجاهل الأزمة لن يؤدي إلا إلى تعميق انهيار التعليم، وأن الحل يبدأ بالاعتراف بمشروعية مطالب المعلمين، ورفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الجديد، وسداد جميع المتأخرات، وتوحيد الأجور بين الولايات، واحترام حق المعلمين في التنظيم والعمل النقابي، باعتبار أن استقرار التعليم لا يمكن أن يتحقق دون استقرار أوضاع المعلم المعيشية والمهنية”.
ويضيف: “تدني الأجور وتآكل القيمة الشرائية للجنيه السوداني جعلا رواتب المعلمين غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، راتب المعلم في الدرجة الأولى لا يتجاوز 40 دولارًا شهريًا، بينما لا تزيد رواتب بعض الدرجات الدنيا على 13 دولارًا. هذا غير معقول.”.





