السودان الذي لم يره السودانيون.. كيف تحوّل اسم البلاد إلى رمز في الثقافة الأميركية؟

محمد أحمد شبشة
في يونيو 2026 لم يكن الخبر متعلقاً بالسودان الذي نعرفه؛ لم يكن عن الحرب أو النزوح أو المجاعة أو المفاوضات السياسية التي باتت تُعرَّف بها البلاد في كل نشرة ووكالة، بل كان خبراً محلياً عادياً في مدينة نيو برن بولاية كارولاينا الشمالية، يتحدث عن اكتمال هدم مبنى يُعرف باسم “معبد السودان للشراينرز”، شُيّد عام 1951 ثم أُزيل ليحل محله موقف سيارات جديد، كما تفعل المدن حين تتخلص من ذاكرتها دون أن تعرف ما تتخلص منه.
للوهلة الأولى يبدو الأمر مجرد مصادفة لغوية لا تستحق التوقف، غير أن التأمل في الاسم يفتح باباً مختلفاً تماماً من الأسئلة: كيف وصل اسم السودان إلى مدينة أميركية صغيرة في منتصف القرن الماضي؟ ولماذا اختارت منظمة أميركية قبل أكثر من قرن أن تحمل أحد أبرز مراكزها هذا الاسم تحديداً؟ وما الذي كان يعنيه “السودان” في المخيلة الأميركية حين اتُّخذ ذلك القرار، وأيّ سودان كان ذلك؟
هذه الأسئلة لا تقود إلى تاريخ منظمة خيرية أميركية فحسب، بل إلى قصة أخرى أكثر تعقيداً وأبعد أثراً؛ قصة السودان الذي عاش في الوعي الغربي والأميركي بصورة تختلف اختلافاً جوهرياً عن السودان الذي يعرفه أهله ويسكنونه، ذلك السودان الدولة بتركيبته الاجتماعية والسياسية الحقيقية، بأهله وتاريخه وصراعاته الداخلية، لا بالصورة التي رسمها الآخرون عنه وتناقلوها حتى غدت في أذهانهم أكثر حضوراً من الحقيقة ذاتها.
تكشف الوثائق الرسمية لمنظمة الشراينرز أن المعبد يعود في نشأته إلى رجل واحد هو النبيل جوزيف إف. ريم، أحد أبرز أعيان نيو برن، الذي سعى في العقد الثاني من القرن العشرين إلى تأسيس معبد مستقل في الشطر الشرقي من كارولاينا الشمالية، بعيداً عن معبد “الواحة” الأم في شارلوت البعيدة. وفي الثالث عشر من يوليو 1916 صدر الإذن الرسمي، ثم مُنح الميثاق في يونيو 1917 لـ607 أعضاء مؤسسين.
لكن ما لا تمنحنا إياه تلك الوثائق هو الأهم: لا توجد حتى اللحظة وثيقة واحدة تشرح لماذا وقع الاختيار على اسم “السودان” تحديداً دون سواه، وهذا الغياب ليس فراغاً عرضياً، بل هو في حد ذاته دليل على أن الاختيار كان أقرب إلى العفوية منه إلى القرار الواعي — عفوية تكشف ما ترسخ في الوجدان الأميركي عن بلد لم يزره أحد من المؤسسين ولم يعرف أهله شيئاً عنهم.
غير أن السياق التاريخي يمنحنا ما لا تمنحه الوثيقة؛ فحين أطلق ريم ورفاقه اسم “السودان” على معبدهم عام 1916، لم يكونوا يستعيرون اسماً غامضاً من أطلس قديم، بل كانوا يستعيرون اسماً ظل يتصدر الصحافة الأميركية لأكثر من ثلاثة عقود متواصلة؛ منذ حصار الخرطوم ومقتل غوردون عام 1885، مروراً بمعركة أم درمان وأزمة فاشودة عام 1898، وصولاً إلى تداعيات الحرب العالمية الأولى التي كانت في ذروتها عام 1916 ذاته.
كان “السودان” في أذهان الأميركيين من أمثال مؤسسي المعبد اسماً يحمل شحنة من الإثارة والغموض والفروسية الصحراوية، مستمدة من عقود من الصحافة التي صنعت صورته ورسختها بمعزل تام عن السودانيين أنفسهم.

والقضية لا تتعلق باسم منظمة خيرية فحسب، بل بالطريقة التي تتشكل بها الصور الذهنية عن الشعوب والبلدان، وبالثمن الذي يدفعه الشعب حين يُختزل في صورة لم يرسمها. فالسودان بالنسبة إلى ملايين الأميركيين في مطلع القرن العشرين لم يكن بلداً عرفوه مباشرة أو اختبروه، بل كان فكرة تشكلت عبر الصحافة والروايات الشعبية وأدب المغامرات والرسوم والصور الاستعمارية؛ كان أرضاً بعيدة وغامضة ومسرحاً للحروب الصحراوية والبطولات العسكرية والرحلات الاستكشافية، أي إن الاسم انتقل إلى الثقافة الأميركية لا عبر السودانيين أنفسهم بل عبر سرديات صاغها آخرون عنهم.
ومن هنا تتحول القضية إلى سؤال أكبر: كيف كانت الصحافة الأميركية تتحدث عن السودان أصلاً؟ ومتى بدأ هذا الاسم يكتسب ذلك الحضور الذي جعله صالحاً لأن يتحول إلى رمز ثقافي أو عنوان لمؤسسة أميركية راسخة؟ وما الذي غاب عن تلك التغطية من حقيقة السودان وأهله؟
هذه هي الأسئلة التي تحاول هذه السلسلة معالجتها في قادم المقالات.





