ربك تحت القصف.. واقع أكثر قسوة

أفق جديد
في كل مرة يُستهدف فيها مرفق خدمي، لا تتوقف الخسائر عند الأضرار المادية، بل تمتد إلى حياة المدنيين الذين يعتمدون عليه لتأمين احتياجاتهم اليومية. فمحطات الوقود، ومصادر الكهرباء والمياه، أصبحت جزءًا من دائرة الصراع، تاركةً خلفها ضحايا مدنيين ومعاناة تتفاقم يومًا بعد آخر، في بلد أنهكته الحرب وأثقلت كاهل سكانه الأزمات الإنسانية.
أسفر قصف بطائرة مسيّرة، نُسب إلى قوات الدعم السريع، استهدف الخميس الماضي محطة وقود بمدينة ربك، عاصمة ولاية النيل الأبيض، عن مقتل مدنيين وإصابة سبعة آخرين، بينهم امرأة، في حادثة جديدة تضيف مزيدًا من المعاناة إلى حياة السكان الذين يواجهون ظروفًا إنسانية بالغة الصعوبة.
في مدينة ربك، لم تعد الحياة تُقاس بما يتوفر من خدمات بقدر ما تُقاس بما يمكن احتماله من نقص وخوف. المدينة التي كانت تُعرف بهدوئها النسبي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مساحة مثقلة بالتوتر، حيث يختلط صوت الانفجارات بندرة الوقود، وتتراجع مظاهر الحياة اليومية أمام ضغط الواقع الأمني والإنساني المتصاعد.
بين الخوف والانتظار، يعيش السكان واقعًا يوميًا مثقلًا بالقلق، حيث تتحول تفاصيل الحياة العادية إلى لحظات محفوفة بالمخاطر.
مأساة إنسانية
بحسب مصادر محلية تحدثت لـ”أفق جديد”، فإن المسيّرة استهدفت محطة الوقود في ساعات الصباح، ما أدى إلى اشتعال النيران وتصاعد ألسنة الدخان في سماء المنطقة.
يقول سكان محليون إن أبسط تفاصيل الحياة باتت مرتبطة بالقلق؛ فالتوجه إلى محطة وقود أو محاولة التنقل داخل المدينة لم يعد أمرًا عاديًا، بل خطوة محسوبة بعناية وسط مخاوف من تكرار الاستهداف. ومع كل حادثة جديدة، تتعمق حالة عدم اليقين ويزداد شعور الأهالي بأن المدينة تعيش على حافة خطر دائم.
يقول مصطفى عبد المجيد، أحد سكان مدينة ربك، وهو يتحدث لـ”أفق جديد”: “كنا في طريقنا لشراء الوقود عندما سمعنا صوت الانفجار. لم نكن نتوقع أن محطة وقود في وسط المدينة يمكن أن تصبح هدفًا. الناس ركضوا في كل اتجاه، بعضهم مصاب، والبعض الآخر يبحث عن ذويه وسط الدخان”.
وتضيف سيدة من المنطقة نفسها، فقدت أحد أقاربها في الحادث، لـ”أفق جديد”: “لم يعد هناك مكان آمن. حتى أبسط الأشياء التي نحتاجها للحياة أصبحت خطرًا. خرج ليملأ جالون وقود ليشغل المولد في المنزل، لكنه لم يعد”.
ويصف عمر الماحي، أحد العاملين في القطاع الصحي، الوضع قائلًا: “نتلقى إصابات بشكل متكرر بعد هذه الهجمات. أغلب الضحايا مدنيون، وبعضهم يصل إلينا في حالات حرجة بسبب تأخر الإسعاف وصعوبة الوصول. الوضع يفوق طاقة أي نظام صحي”.
وفي ظل تراجع الخدمات الأساسية، يجد السكان أنفسهم أمام تحديات مضاعفة، تبدأ من الحصول على الوقود ولا تنتهي عند تأمين المياه والكهرباء. وبين هذا وذاك، تتسع دائرة المعاناة لتشمل الأسر التي تحاول فقط الحفاظ على حد أدنى من الحياة الطبيعية في مدينة لم تعد تشبه نفسها كثيرًا.
عرقلة إمدادات الوقود
ويأتي الهجوم في وقت تشهد فيه مناطق كردفان والنيل الأبيض تصاعدًا في استهداف المرافق المدنية والخدمية. وتشير مصادر محلية إلى أن قوات الدعم السريع كثفت خلال الفترة الماضية ضرباتها على محطات الوقود بمدينة الأبيض وعلى امتداد الطريق القومي الرابط بينها وبين ولاية النيل الأبيض، في مسعى لعرقلة إمدادات الوقود.
كما طالت الهجمات مصادر الكهرباء والمياه في مدينة الأبيض، الأمر الذي أدى إلى تفاقم معاناة السكان، الذين يجدون أنفسهم يومًا بعد آخر أمام نقص في الخدمات الأساسية وصعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتهم اليومية.
وأفادت مصادر طبية لـ”أفق جديد” بأن حصيلة الهجوم على محطة الوقود في ربك بلغت قتيلين وسبعة جرحى، مؤكدة أن هذه هي الحادثة الثانية التي تستهدف المدنيين والمنشآت الحيوية في الولاية خلال أقل من أسبوع.
وأدانت المصادر الاستهداف المتكرر للمرافق المدنية، معتبرة أن استمرار الهجمات على المنشآت الخدمية لا يحصد الأرواح فحسب، بل يضاعف أيضًا معاناة آلاف الأسر التي تعتمد على هذه المرافق لتأمين احتياجاتها الأساسية، في ظل أزمة إنسانية تتسع رقعتها مع استمرار النزاع.
ومع استمرار استهداف المرافق الحيوية، تتسع دائرة المتضررين لتشمل آلاف الأسر التي تكافح من أجل الحصول على الوقود والمياه والكهرباء والرعاية الصحية.
وبينما تتواصل العمليات العسكرية، يبقى المدنيون هم الطرف الأكثر دفعًا لثمن الحرب، في انتظار أن تتوقف الهجمات التي تحرمهم من أبسط مقومات الحياة، وأن تجد الأزمة الإنسانية المتفاقمة طريقًا إلى حلول تنهي معاناتهم.





