صفقة النحاس الغامضة: من يوقع عقود استغلال ثروات السودان في زمن الحرب؟

محمد الهادي
يونيو ٢٠٢٦
الحرب لا تستهلك الجبهات العسكرية وحدها، إذ تمتد آثارها إلى مؤسسات الدولة وآليات الرقابة على القرارات السيادية. ومع غياب المجلس التشريعي وتراجع الرقابة المؤسسية، تصبح الصفقات الكبرى المرتبطة بالموارد الطبيعية قابلة للإبرام في بيئة تفتقر إلى المراجعة والشفافية والمساءلة العامة.
وفي مثل هذه السياقات المضطربة، تصبح الموارد الطبيعية، من معادن وطاقة، ملفات سيادية شديدة الحساسية، يفترض أن تخضع لأعلى درجات الشفافية والمراجعة القانونية والولائية. غير أن ما يتم تداوله حول بعض الاتفاقات الأخيرة يثير تساؤلات واسعة بشأن آليات الإبرام، وحدود التفويض، ومدى مراعاة المصلحة العامة في ظل غياب المؤسسات الرقابية.
وبينما ينشغل البلد بالحرب، يبدو أن بعض الملفات طويلة الأمد تُدار في الخفاء، مستفيدة من حالة السيولة السياسية والأمنية، ما يطرح أسئلة جوهرية حول من يملك حق القرار في هذه الظروف الاستثنائية، ولصالح من تُدار موارد الدولة في زمن الانهيار المؤسسي.
صفقة النحاس المزعومة: تسريبات حول عقد امتياز طويل الأجل
بحسب تسريبات تداولتها وسائل إعلام ومنصات إخبارية، أبرمت حكومة السودان، ممثلة في وزارة المعادن، اتفاقًا مع شركة صينية لاستثمار خامات النحاس في ولاية البحر الأحمر، في صفقة أثارت جدلًا واسعًا وسط تساؤلات بشأن شفافيتها وجدواها الاقتصادية.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الاتفاق يمتد لمدة 30 عامًا، وتبلغ قيمته 300 مليون دولار، بينما تقتصر حصة السودان على 30%. وحتى الآن لم تنشر الحكومة نص العقد أو بنوده التفصيلية، كما لم تُكشف آلية احتساب حصة السودان، وما إذا كان مبلغ الـ300 مليون دولار يمثل قيمة الامتياز، أم استثمارًا تسترده الشركة لاحقًا من عائدات المشروع، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية واقتصادية جوهرية حول طبيعة الصفقة وشروطها.
النحاس: من معدن صناعي إلى أصل استراتيجي في سباق الطاقة العالمية
تحول النحاس من مجرد معدن صناعي إلى أحد أهم الموارد الاستراتيجية في العالم، حتى بات يُعرف بـ”معدن المستقبل” أو “نفط التحول الأخضر”، في ظل الارتفاع المتسارع للطلب العالمي عليه بفعل التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، ومراكز البيانات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وشبكات نقل الكهرباء الحديثة.
وتشير التقديرات إلى أن الطلب العالمي قد ينمو بوتيرة تفوق قدرة المناجم الحالية على تلبية الاحتياجات خلال السنوات المقبلة، وهو ما أسهم في وصول أسعاره إلى مستويات تاريخية، إذ بلغ سعره في أواخر يونيو 2026 نحو 6.1 دولار للرطل، أي ما يزيد على 13 ألف دولار للطن.
وتتصدر تشيلي قائمة الدول المنتجة للنحاس، تليها جمهورية الكونغو الديمقراطية، وبيرو، والصين، والولايات المتحدة، فيما تُعد زامبيا وإندونيسيا وأستراليا من كبار المنتجين أيضًا. أما على جانب الاستهلاك، فتتربع الصين على رأس أكبر مستوردي ومستهلكي النحاس عالميًا، بفضل احتياجاتها الضخمة في الصناعات الكهربائية والإلكترونية والبنية التحتية، تليها اليابان والهند وكوريا الجنوبية وألمانيا، مع تنامي الطلب الأمريكي.
ونتيجة لهذه الأهمية المتزايدة، أصبحت امتيازات استغلال النحاس من أكثر العقود حساسية من الناحيتين الاقتصادية والسيادية، نظرًا لما تمثله من قيمة استراتيجية تتجاوز بكثير العائدات المالية المباشرة.
لماذا الآن؟
يطرح توقيت تداول هذا الاتفاق تساؤلات لا تقل أهمية عن بنوده. فالسودان يعيش واحدة من أعقد أزماته السياسية والاقتصادية، في ظل حرب استنزفت الموارد العامة، وأدت إلى تراجع الإيرادات الحكومية، وانكماش النشاط الاقتصادي، وتعطل قطاعات إنتاجية واسعة.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح الموارد الطبيعية، ولا سيما المعادن ذات القيمة الاستراتيجية، من بين الأصول القليلة القادرة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية وتوفير تدفقات مالية محتملة للدولة.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن إبرام عقود امتياز طويلة الأجل خلال فترات النزاع يثير تساؤلات تتجاوز الجدوى الاقتصادية إلى اعتبارات الحوكمة والشرعية. فالحكومات التي تعمل في ظل أوضاع استثنائية قد تجد نفسها تحت ضغوط مالية وسياسية تدفعها إلى تسريع استغلال الموارد الطبيعية، بينما يرى منتقدون أن مثل هذه العقود قد ترتب التزامات تمتد لعقود مقبلة، في وقت تغيب فيه المؤسسات التشريعية والرقابية القادرة على مراجعتها وتمحيصها. ومن هذا المنطلق، فالجدل يتجاوز طبيعة الصفقة، ويمتد إلى مدى ملاءمة توقيتها، وإلى ما إذا كانت الظروف التي تمر بها البلاد توفر البيئة المؤسسية الكافية لاتخاذ قرارات سيادية بهذا الحجم.
بنود العقد المتداولة: امتياز واسع وتحكيم دولي واستقرار تشريعي
في سياق التحقق من المعلومات المتداولة بشأن الصفقة، سعى التحقيق للحصول على النسخة الرسمية للعقد وتعليق رسمي من وزارة المعادن، إلا أن ذلك لم يتيسر حتى وقت إعداد هذا التحقيق. وفي المقابل، حصل التحقيق، عبر مصدر حكومي رفيع في قطاع التعدين بمدينة بورتسودان، على تفاصيل قال إنها تمثل البنود الرئيسية للاتفاق المبرم بين الحكومة السودانية وشركة صينية لاستثمار خامات النحاس في ولاية البحر الأحمر.
ووفقًا للمصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله الحديث لوسائل الإعلام، فإن العقد يتضمن التزامات وشروطًا مالية وقانونية تمتد لثلاثة عقود، ويكشف عن تفاصيل لم تُعلن للرأي العام حتى الآن.
ووفقًا للمصدر فإن العقد يتضمن البنود الآتية:
النوع: عقد امتياز تعدين واستثمار (Mining Concession Agreement).
الأطراف:
* حكومة جمهورية السودان ممثلة في وزارة المعادن.
* شركة زيجين للتعدين المحدودة. Zijin Mining Group Co., Ltd. كطرف رئيسي.
موضوع العقد: منح الشركة حقًا حصريًا لاستكشاف وتطوير واستخراج ومعالجة وتسويق خامات النحاس والمعادن المصاحبة في ولاية البحر الأحمر.
مدة العقد: 30 عامًا، قابلة للتجديد لمدة 15 أو 20 عامًا باتفاق الطرفين.
الاستثمار: تلتزم الشركة باستثمار 300 مليون دولار خلال السنوات الأولى في أعمال التطوير والبنية التحتية والمصنع.
الملكية والعائدات:
* تحصل الحكومة السودانية على نسبة 30% من صافي أرباح المشروع.
* يحق للشركة الاحتفاظ بنسبة 70% من الأرباح.
الأتاوات والضرائب:
* تدفع الشركة الأتاوات المنصوص عليها في القانون السوداني.
* تخضع لضريبة أرباح الشركات، وتمنح إعفاءات ضريبية خلال السنوات الخمس الأولى.
تسويق الإنتاج: يكون للشركة حق شراء أو تسويق كامل إنتاج النحاس بموجب اتفاقية Offtake طوال مدة العقد أو حتى سداد التمويل.
التمويل: يجوز للشركة رهن المشروع أو الإنتاج المستقبلي للممولين بغرض الحصول على التمويل، مع اشتراط موافقة الحكومة إذا نص العقد على ذلك.
الاستقرار التشريعي: تتعهد الحكومة بعدم تعديل النظام الضريبي أو المالي بما يضر بالمشروع، أو تعويض المستثمر إذا ترتب ضرر.
التحكيم: تُحال النزاعات إلى التحكيم الدولي، وفق قواعد غرفة التجارة الدولية (ICC).
القانون الواجب التطبيق: القانون السوداني مع أولوية أحكام العقد في المسائل الاستثمارية.
إنهاء العقد: لا يجوز للحكومة فسخ العقد إلا في حالات محددة وبعد تعويض المستثمر إذا كان الفسخ دون إخلال تعاقدي من الشركة.
ماذا تعني حصة الـ30% عمليًا؟
إذا صحت البنود المتداولة، فإن تقييم الجدوى الاقتصادية للاتفاق لا يتوقف عند نسبة الـ30% المخصصة للحكومة السودانية، وإنما يعتمد على الكيفية التي تُحتسب بها هذه النسبة. فوفقًا للمعلومات التي حصل عليها التحقيق، تسترد الشركة كامل تكاليف الاستثمار والتشغيل قبل توزيع الأرباح، وهو ما يعني أن حصة الدولة لن تُحسب من إجمالي قيمة الإنتاج أو المبيعات، وإنما من صافي الأرباح بعد خصم النفقات. وفي صناعة التعدين، قد تمتد فترة استرداد التكاليف لسنوات، بحسب حجم الاستثمارات الرأسمالية، وتكاليف التشغيل، وأسعار المعادن في الأسواق العالمية، وهو ما قد يؤخر تدفق العائدات الفعلية إلى الخزانة العامة.
كما أن غياب النص الكامل للعقد يحول دون إجراء تقييم اقتصادي دقيق، إذ لم يُعلن حتى الآن ما إذا كانت الدولة ستحصل، إلى جانب حصتها من الأرباح، على أتاوات ورسوم امتياز وضرائب وإيرادات أخرى، أو ما إذا كانت الإعفاءات الضريبية وشروط التسويق واسترداد التكاليف ستؤثر على حجم العائد النهائي. ولذلك، فإن الحكم على عدالة الصفقة لا يمكن أن يستند إلى نسبة الـ30% وحدها، بل يتطلب الإفصاح عن كامل الهيكل المالي للعقد، وآلية احتساب الإيرادات، والالتزامات المتبادلة بين الطرفين، وهي معلومات لا تزال غائبة عن الرأي العام حتى وقت إعداد هذا التحقيق.
أسئلة حول الموافقات السيادية والولائية
ويرى مختصون أن هذه الفوارق تجعل من الصعب تقييم مدى عدالة الصفقة السودانية، خاصة إذا صحت المعلومات المتداولة بأن حصة السودان تبلغ 30% من صافي الأرباح بعد استرداد المستثمر لكامل تكاليفه، وهو نموذج قد يؤدي إلى تأخير استفادة الدولة من العائدات الفعلية لسنوات عديدة.
وتثير طريقة إبرام الاتفاق جملة من التساؤلات القانونية والإجرائية، تتجاوز بنوده المالية إلى مدى مشروعية التعاقد ذاته. فحتى وقت إعداد هذا التحقيق، لم تعلن الحكومة ما إذا كان العقد قد حصل على موافقة مجلس الوزراء أو مجلس السيادة، كما لم يُكشف عن إجازته من أي جهة تشريعية أو رقابية، ولم يصدر ما يفيد بموافقة حكومة ولاية البحر الأحمر، رغم أن الامتياز يتعلق باستغلال مورد طبيعي يقع داخل حدودها.
وينص قانون تنمية الثروة المعدنية والتعدين لسنة 2015 على إنشاء المجلس الأعلى للتعدين بوصفه أعلى سلطة مختصة بشؤون التعدين، ومن بين اختصاصاته إجازة السياسات والخطط العامة لقطاع التعدين، ومراعاة المصلحة القومية في المشروعات التعدينية ذات البعد المحلي والإقليمي والدولي، وإزالة التعارض بين مستويات الحكم والمستثمرين والمجتمعات المحلية.
وحتى وقت إعداد هذا التحقيق، لم تعلن الحكومة ما إذا كان المجلس الأعلى للتعدين قد نظر في هذا الاتفاق أو أجازه وفق الاختصاصات المقررة له في القانون. كما لم تكشف الوزارة ما إذا كانت رخصة الامتياز صدرت بناء على توصية اللجنة الفنية المختصة، أو ما إذا كانت الإجراءات المنصوص عليها في قانون تنمية الثروة المعدنية والتعدين لسنة ٢٠١٥ قد استوفيت بالكامل.
كما لم تنشر وزارة المعادن أي وثيقة توضح الأساس القانوني الذي استندت إليه في إبرام عقد امتياز طويل الأجل يمتد لثلاثة عقود، في وقت تمر فيه البلاد بظروف استثنائية ناجمة عن الحرب، وفي ظل غياب مجلس تشريعي منتخب يمكنه مراجعة مثل هذه الاتفاقيات السيادية.
وينص القانون ذاته على أن منح تراخيص وعقود التعدين يتم وفق إجراءات قانونية محددة، وبعد دراسة الجهات الفنية المختصة، وبموافقة الوزير في الحدود التي رسمها القانون، بينما تتولى اللجنة الفنية للتعدين دراسة طلبات التعدين ورفع توصياتها بشأن منح العقود والتراخيص والإعفاءات قبل اتخاذ القرار النهائي. وحتى الآن لم تكشف وزارة المعادن عما إذا كانت هذه الإجراءات قد استوفيت بالنسبة للاتفاق محل التحقيق، أو ما إذا كانت اللجنة الفنية قد أوصت بإبرامه، الأمر الذي يزيد من أهمية نشر الوثائق الرسمية المتعلقة بالصفقة.
ويذهب عدد من الخبراء القانونيين إلى أن العقود المتعلقة باستغلال الموارد الطبيعية ذات الأثر طويل الأمد تستوجب أعلى درجات الشفافية والرقابة المؤسسية، نظرًا لما قد يترتب عليها من التزامات مالية وقانونية تقيد قدرة الحكومات اللاحقة على إعادة التفاوض أو تعديل شروطها، خاصة إذا تضمنت بنودًا مثل التحكيم الدولي، أو شرط الاستقرار التشريعي، أو حقوقًا حصرية في استغلال المورد.
مقارنة إقليمية: نموذج الكونغو الديمقراطية كمرآة لصفقات التعدين الإفريقية
وتكشف مقارنة أولية بين البنود المتداولة للاتفاق السوداني ونموذج استثمار شركة زيجين في مشروع كاموا-كاكولا بجمهورية الكونغو الديمقراطية عن عدد من أوجه التشابه والاختلاف. ففي المشروع الكونغولي، دخلت زيجين كشريك في مشروع مشترك مع شركات أخرى، بينما احتفظت الحكومة الكونغولية بحصة مباشرة في المشروع، إلى جانب استفادتها من الأتاوات والضرائب ورسوم الامتياز، ولم يقتصر عائدها على نسبة من صافي الأرباح فقط.
كما خضع المشروع لهيكل ملكية معلن ووثائق استثمارية منشورة، في حين لا تزال بنود الاتفاق السوداني طي الكتمان، ولم تُنشر تفاصيل هيكل الملكية أو آلية احتساب الأرباح أو الأتاوات أو الإعفاءات الضريبية.
شركة زيجين: لاعب عالمي في المعادن الاستراتيجية وتوسعاته في إفريقيا
تُعد Zijin Mining Group Co., Ltd. (مجموعة زيجين للتعدين) واحدة من أكبر شركات التعدين متعددة الجنسيات في الصين، ومن أبرز المنتجين العالميين للذهب والنحاس والمعادن الاستراتيجية. تأسست عام 1986، ويقع مقرها في مقاطعة فوجيان، وهي شركة مدرجة في بورصتي هونغ كونغ وشنغهاي، وتمتلك استثمارات تعدين في أكثر من 15 دولة، من بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية، وصربيا، وبيرو، وكازاخستان، حيث تدير عددًا من أكبر مشاريع النحاس في العالم. وتعتمد الشركة استراتيجية توسع دولية تقوم على الاستحواذ على الأصول التعدينية الكبرى، بما يعزز دورها في تأمين احتياجات الصين من المعادن الاستراتيجية، وعلى رأسها النحاس.
وفي يناير/كانون الثاني 2025، أُدرجت زيجين على قائمة الكيانات الخاضعة لقانون الولايات المتحدة لمنع العمل القسري للإيغور (UFLPA Entity List)، على خلفية اتهامات تتعلق بسلاسل التوريد المرتبطة بإقليم شينجيانغ. ويترتب على هذا الإدراج فرض قيود على دخول المنتجات المرتبطة بالشركة إلى السوق الأمريكية ما لم يثبت خلوها من العمل القسري، وهو إجراء يختلف عن العقوبات المالية الشاملة، إذ لا يشمل تجميد الأصول أو حظر التعاملات المالية. وقد نفت الشركة هذه الاتهامات، مؤكدة التزامها بالقوانين والمعايير الدولية.
لماذا قد تظهر شركة هونغ كونغ في الواجهة؟
وأشار المصدر الحكومي إلى أن المفاوضات والترتيبات الأساسية الخاصة بالاتفاق جرت مع شركة زيجين الصينية، إلا أنه رجّح أن تظهر في الواجهة عند التنفيذ شركة صينية أخرى، يُتوقع أن تكون شركة هونغ كونغ للتعدين، دون أن يوضح طبيعة العلاقة القانونية أو التجارية بين الشركتين أو أسباب هذا الترتيب.
شركة هونغ كونغ للتعدين هي شركة صينية تعمل في قطاع استكشاف وتطوير المعادن، وتتبع بالكامل لشركة Matrix Resources (Zhejiang) Co., Ltd، ضمن مجموعة Zhejiang Lygend Investment Co., Ltd، إحدى المجموعات الصينية الكبرى العاملة في مجال التعدين والمعادن. برز اسم الشركة في السودان خلال عام 2026 بعد استحواذها على حصة شركة Perseus Mining الأسترالية البالغة 70% في مشروع مياس ساند للذهب مقابل 260 مليون دولار، كما أعلنت لاحقًا عن خطط لتوسيع نشاطها في استكشاف النحاس والذهب، متوقعة أن تبلغ عائدات استثماراتها في السودان نحو مليار دولار بحلول عام 2029. وتحظى الشركة، وفق بيانات رسمية، بدعم وتسهيلات استثمارية من الجهات الحكومية السودانية لتطوير مشروعاتها التعدينية في البلاد.
أرياب: كنز معدني في قلب البحر الأحمر
الجدير بالذكر أن منطقة أرياب بولاية البحر الأحمر تُعد من أغنى الأقاليم المعدنية في السودان، وقد اكتسبت أهمية استثنائية منذ إعلان شركة أرياب للتعدين، في عام 2017، عن اكتشاف احتياطيات ضخمة من خامات النحاس والمعادن المصاحبة في منطقة القطب، شملت نحو 5 ملايين طن من النحاس، إلى جانب كميات كبيرة من الزنك والذهب والفضة، وقدرت الشركة آنذاك القيمة الإجمالية لهذه الموارد بنحو 17 مليار دولار.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت أرياب محط اهتمام متزايد من شركات التعدين العالمية، لا سيما في ظل الارتفاع الكبير في الطلب العالمي على النحاس وتحوله إلى أحد أهم المعادن الاستراتيجية المرتبطة بالطاقة النظيفة والصناعات التكنولوجية المتقدمة، وهو ما يضفي على أي اتفاق يتعلق باستغلال هذه الاحتياطيات أبعادًا اقتصادية وسيادية بالغة الحساسية.
اعتراضات محلية: مخاوف شرق السودان من شروط الامتياز وأثره السيادي
واجهت صفقة النحاس، منذ تسرب أنبائها إلى وسائل الإعلام، موجة واسعة من الاعتراضات من جهات سياسية ومجتمعية في شرق السودان، في مقدمتها المجلس الاستشاري لشرق السودان ومؤتمر البجا، اللذان طالبا بوقف إجراءات التوقيع وإخضاع الاتفاق لمراجعة قانونية وفنية مستقلة.
واستندت الاعتراضات إلى جملة من الأسباب، أبرزها عدم نشر نص العقد للرأي العام، وغياب الشفافية بشأن هوية الشركة المتعاقدة وبنود الاتفاق، وطول مدة الامتياز التي يُقال إنها تبلغ 30 عاماً، وانخفاض المقابل المالي مقارنة بالقيمة الاستراتيجية لاحتياطيات النحاس، فضلاً عن المخاوف من إبرام اتفاق طويل الأجل في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ومن دون مشاورات كافية مع حكومة ولاية البحر الأحمر والمجتمعات المحلية، أو الإفصاح عن الآثار الاقتصادية والبيئية والقانونية المترتبة على المشروع.
حرصاً على استيفاء جميع وجهات النظر، حاولنا التواصل مع وزارة المعادن السودانية لطلب تعليق رسمي بشأن المعلومات المتداولة حول الاتفاق، والاستفسار عن صحة البنود الواردة في هذا التحقيق، وما إذا كان العقد قد أُبرم بالفعل، والأساس القانوني والإجرائي الذي استندت إليه الوزارة في إبرامه، إلا أننا لم نتلقَّ أي رد حتى وقت إعداد ونشر هذا التحقيق. كما خاطبنا شركة زيجين للتعدين (Zijin Mining Group) عبر قنوات التواصل الرسمية، طالبين تأكيد أو نفي مشاركتها في الاتفاق، وتوضيح طبيعة المشروع وبنوده، غير أن الشركة لم تقدم أي رد حتى لحظة نشر التحقيق. وستظل أبواب هذا التحقيق مفتوحة لنشر أي توضيحات أو ردود رسمية ترد من أي من الطرفين.
أسئلة معلقة: من يملك القرار في زمن الحرب؟
وحتى لحظة إعداد هذا التحقيق، لا تزال هناك أسئلة جوهرية بلا إجابة: هل يمثل مبلغ الـ300 مليون دولار قيمة الامتياز أم مجرد استثمار تسترده الشركة لاحقاً؟ وهل تبلغ حصة السودان 30% من إجمالي العائدات أم من صافي الأرباح بعد خصم التكاليف؟ وهل حصل الاتفاق على الموافقات القانونية المطلوبة؟ ولماذا لم تُنشر بنوده للرأي العام رغم تعلقه بأحد أهم الموارد الاستراتيجية في السودان؟ وإلى أن تنشر الحكومة النص الكامل للعقد، وتوضح الأساس القانوني والإجرائي لإبرامه، سيظل تقييم هذه الصفقة رهيناً بالتسريبات والمعلومات غير المكتملة، بينما يبقى حق الرأي العام في الإطلاع على كيفية إدارة موارده الطبيعية سؤالاً مفتوحاً، لا يخص هذه الصفقة وحدها، بل يتعلق بمستقبل إدارة الثروات السيادية في السودان.
إن الكشف عن النص الكامل للعقد لا يمثل مطلباً إعلامياً فحسب، وإنما ضرورة تتعلق بحق المجتمع في معرفة كيفية إدارة موارده الطبيعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بعقود طويلة الأجل قد تخلف آثاراً اقتصادية وقانونية تتجاوز عمر الحكومات الحالية، وتمتد آثارها إلى أجيال قادمة. فالمساءلة والشفافية في إدارة الموارد الاستراتيجية تشكلان ضمانة أساسية لحماية المصلحة العامة وصون حقوق الأجيال المقبلة.





