ممرات إنسانية محفوفة بالمخاطر.. مساعدات تصل إلى الدلنج وكادوقلي

أفق جديد
في ظل اتساع رقعة القتال واستمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان، تتزايد معاناة مئات الآلاف من المدنيين، ولا سيما الأطفال، الذين يجدون أنفسهم محرومين من أبسط مقومات الحياة.
وفي مناطق جنوب كردفان، حيث أدى العنف وانعدام الأمن إلى عزل العديد من المجتمعات عن المساعدات الإنسانية، تبرز جهود المنظمات الدولية لإيصال الإمدادات المنقذة للحياة باعتبارها شريانًا أساسيًا لبقاء آلاف الأسر في مواجهة أزمة تتفاقم عامًا بعد عام.
وصنفت الأمم المتحدة إقليم كردفان، الذي يضم ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان، منطقة نشطة عسكريًا، في ظل الحشود العسكرية المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة.
وعاشت مدينة كادوقلي أوضاعًا إنسانية قاسية خلال فترة الحصار، حيث اضطر السكان للوقوف في طوابير طويلة للحصول على كميات محدودة من الذرة بسبب شح المعروض.
شهادات مؤلمة
يقول محمد عبد الله، أحد سكان مدينة الدلنج، لـ”أفق جديد”، إن وصول المساعدات الإنسانية خفف جزءًا من معاناة الأسر، لكنه أشار إلى أن الاحتياجات لا تزال تفوق بكثير ما يصل إلى المنطقة.
وأوضح أن العديد من العائلات تعاني نقصًا حادًا في الغذاء ومياه الشرب والأدوية، في ظل استمرار القتال وصعوبة التنقل.
وتروي محاسن الحاج، وهي أم لخمسة أطفال من كادوقلي، لـ”أفق جديد”، أن الأشهر الماضية كانت من الأصعب على أسرتها، إذ اضطروا إلى تقليص عدد الوجبات اليومية بسبب شح الغذاء وارتفاع الأسعار، مؤكدة أن الحصول على الرعاية الصحية بات تحديًا يوميًا مع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية.
ويؤكد أحد المتطوعين في العمل الإنساني لـ”أفق جديد”، أن استمرار الاشتباكات يعرقل وصول المساعدات إلى عدد من المناطق، موضحًا أن آلاف الأطفال ما زالوا بحاجة إلى الغذاء العلاجي والرعاية الصحية، إلى جانب خدمات المياه والإصحاح والحماية.
ويقول أحد العاملين في القطاع الصحي إن المرافق الطبية تعمل بإمكانات محدودة، بينما يتزايد عدد الأطفال الذين يحتاجون إلى العلاج من سوء التغذية والأمراض المرتبطة بتدهور الأوضاع الإنسانية، مشددًا على أن استمرار تدفق الإمدادات الإنسانية يمثل ضرورة لإنقاذ المزيد من الأرواح.
أسر معزولة
وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن إيصال إمدادات صحية وتغذوية ومستلزمات نظافة منقذة للحياة إلى مدينتي الدلنج وكادوقلي بولاية جنوب كردفان، في خطوة تستهدف دعم الأطفال والأسر الذين ظلوا معزولين إلى حد كبير عن المساعدات الإنسانية بسبب استمرار أعمال العنف.
وأوضحت المنظمة أن قافلة مكونة من ثماني شاحنات نقلت إمدادات صحية وتغذوية ومستلزمات للنظافة الشخصية، تكفي لتلبية احتياجات نحو 39 ألف شخص.
كما أشارت إلى أن عملية إيصال أخرى تجري حاليًا إلى منطقة الدبيبات، ضمن الجهود المتواصلة للوصول إلى الأطفال والأسر في المناطق النائية والمتأثرة بالنزاع.
وتأتي هذه العمليات الإنسانية في وقت تتواصل فيه الاشتباكات في إقليم كردفان بوتيرة متسارعة، مع احتدام القتال حول مواقع استراتيجية وطرق إمداد رئيسية، الأمر الذي يفاقم صعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.
ومع دخول النزاع في السودان عامه الرابع، أكدت اليونيسف أن الأطفال لا يزالون يتحملون العبء الأكبر للأزمة، حيث يواجهون مخاطر متزايدة تشمل القتل والإصابة والانفصال عن أسرهم، إضافة إلى ارتفاع احتمالات التعرض للاستغلال وسوء المعاملة.
وأشارت المنظمة إلى أن العمليات الإنسانية لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها تدهور الوضع الأمني، والعوائق الإدارية، والنقص الحاد في التمويل، وهو ما يحد من قدرة المنظمات الإنسانية على تقديم الخدمات الأساسية. ونتيجة لذلك، يواجه الأطفال حرمانًا متزايدًا من مياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والتغذية، والحماية، والتعليم.
وقال ممثل اليونيسف في السودان، شيلدون ييت: “إن الوصول إلى الأطفال في الدلنج وكادوقلي يعني تقديم المساعدة وسط القتال الدائر، في وقت تُعد فيه إمكانية الوصول الإنساني محدودة للغاية. وفي جميع أنحاء كردفان والمناطق الأخرى المتضررة من النزاع، لا يزال الوصول محدودًا، بينما تبقى الاحتياجات الإنسانية هائلة”.
وتسهم هذه الإمدادات في إنقاذ الأرواح، لكنها لا تغطي سوى جزء يسير من الاحتياجات. ومن دون وصول إنساني مستدام وآمن، سيظل عدد كبير من الأطفال محرومين من الخدمات الأساسية التي يحتاجون إليها للبقاء على قيد الحياة”.
وجددت اليونيسف دعوتها لجميع أطراف النزاع إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وسريعة ودون عوائق، مع توفير الحماية اللازمة للمدنيين، وخاصة الأطفال، بما يتوافق مع أحكام القانون الإنساني الدولي.
وأكدت المنظمة أنها، رغم التحديات الهائلة، تواصل العمل مع شركائها الميدانيين لتقديم المساعدات المنقذة للحياة والخدمات الأساسية للأطفال والأسر المتضررة في مختلف أنحاء السودان.
ورغم وصول هذه الإمدادات إلى الدلنج وكادوقلي، فإنها تمثل جزءًا محدودًا من الاحتياجات الإنسانية المتزايدة في مناطق النزاع.
ومع استمرار القتال وصعوبة الوصول إلى العديد من المجتمعات المتضررة، يبقى مصير آلاف الأطفال والأسر مرهونًا بقدرة المنظمات الإنسانية على إيصال المساعدات بصورة منتظمة وآمنة، وبمدى التزام أطراف النزاع بتوفير ممرات إنسانية تضمن وصول الدعم إلى من هم في أمس الحاجة إليه.





