البيع في الظلام

 

في الأوقات العادية، تخضع القرارات الكبرى المتعلقة بالموارد الطبيعية لنقاشات عامة ورقابة تشريعية ومراجعات قانونية وفنية تضمن حماية المصلحة الوطنية. أما في زمن الحرب، حيث تغيب المؤسسات وتضعف آليات المساءلة، فإن أي حديث عن اتفاقات طويلة الأمد لاستغلال الثروات الاستراتيجية يفرض أسئلة أكثر مما يقدم إجابات.

ما يُتداول بشأن مشروع استثمار النحاس في ولاية البحر الأحمر، سواء ثبتت تفاصيله كاملة أو كانت بعض بنوده بحاجة إلى تأكيد رسمي، يسلط الضوء على قضية أكبر من صفقة بعينها؛ قضية من يملك حق التصرف في الموارد السيادية خلال الفترات الاستثنائية، وكيف يمكن ضمان ألا تتحول الحاجة الاقتصادية الآنية إلى التزامات تقيد خيارات الأجيال القادمة.

النحاس اليوم ليس مجرد معدن تقليدي، بل أصبح أحد أهم الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي الجديد، المرتبط بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا والصناعات المستقبلية. ولذلك فإن أي اتفاق يتعلق باستغلاله ينبغي أن يخضع لأقصى درجات الشفافية والإفصاح والمراجعة المؤسسية، وأن تكون تفاصيله متاحة للرأي العام ولأصحاب المصلحة والمجتمعات المحلية.

إن النقاش الدائر حاليًا لا ينبغي أن يُختزل في نسبة الأرباح أو حجم الاستثمارات المعلنة، بل يجب أن يمتد إلى الأساس القانوني والإجرائي لأي اتفاق محتمل، وإلى مدى توافقه مع القوانين الوطنية ومبادئ الحوكمة الرشيدة، خاصة في ظل غياب المؤسسات التشريعية المنتخبة والرقابية القادرة على مراجعة القرارات السيادية الكبرى.

ولا يعني ذلك رفض الاستثمار الأجنبي أو التقليل من أهمية جذب رؤوس الأموال في ظل هذه الظروف الصعبة، بل التأكيد على أن الاستثمار الحقيقي والمستدام لا يقوم إلا على الوضوح والثقة واحترام حق المواطنين في معرفة كيفية إدارة ثرواتهم الطبيعية.

إن حق الأجيال القادمة في الموارد الوطنية يقتضي أن تكون العقود المتعلقة بها محل توافق واسع وإجراءات شفافة، لا مجرد ترتيبات تُدار بعيدًا عن النقاش العام. فالثروات السيادية ليست ملكًا لحكومات عابرة، مختلف على شرعيتها، وإنما أمانة وطنية مشتركة، تتطلب أعلى درجات المسؤولية والإفصاح، خصوصًا في الأزمنة التي تتراجع فيها الضمانات المؤسسية وتتعاظم فيها الحاجة إلى المساءلة.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل توفر ظروف الحرب والإدارة الاستثنائية البيئة المناسبة لاتخاذ قرارات تمتد آثارها لعقود طويلة؟ الإجابة عن هذا السؤال لا تهم ملف النحاس وحده، بل تمس مستقبل إدارة كل الموارد الاستراتيجية في السودان، والكيفية التي ستُصان بها حقوق المواطنين والأجيال المقبلة في ثروات بلادهم.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى