نساء جبال النوبة… ذاكرة حرب تمشي على قدمين

نمارق الجاك
في الحوش الكبير بمدينة أبو كرشولا، لا تبدو السنوات كما تبدو في أماكن أخرى. كل شيء هنا يتبدل بشكل أسرع، وربما أكثر قسوة. فالزمن لا يُحسب بالتقويم، وإنما بعدد الأسر التي وصلت نازحة، وبالأطفال الذين كبروا بعيداً عن قراهم الأولى، وبالغرف التي أضيفت إلى البيوت المؤقتة حتى ضاقت بمن فيها. هنا، تتحول الإقامة العابرة إلى عمر كامل، ويصبح انتظار العودة جزءاً من الحياة اليومية، لا حدثاً استثنائياً.
في هذا المكان تعيش هاجر، وهو اسم مستعار لنازحة من قرية المنصورة بالريف الشرقي لجنوب كردفان، منذ العام 2012. أربعة عشر عاماً مرت منذ غادرت قريتها، لكن المسافة التي قطعتها يوم النزوح لا تزال مفتوحة، وكأنها لم تصل إلى نهايتها بعد.
تقول هاجر – بدلنا الاسم لأن الكلمة ربما يكون ثمنها حياة إنسان بات يخشى كل شيء لأنه بلا حماية: “حينما استولت الحركة الشعبية على المنطقة، بقي من بقي ونزح من نزح. استقر بنا الحال في أبو كرشولا، ومن يومها ما رجعنا ديارنا، لأننا صُنفنا إذ نعتبر مشينا مع الجيش”.
تقول عبارتها بلا انفعال ظاهر، كما لو أنها تسرد أمراً اعتيادياً من تفاصيل الحياة. غير أن ما تختزنه الجملة القصيرة هو تاريخ كامل من الانقطاع عن الأرض، ومن إعادة بناء الحياة فوق أرض أخرى لم تخترها.
في البداية، كان الحوش يتسع للجميع.
لكن السنوات لا تتوقف عند أحد.
كبر الأبناء.
تزوجوا.
وأنجبوا أطفالاً جدداً، وكذلك أنجبت الحروب نازحين جدداً، فضاقت المساحة شيئاً فشيئاً، حتى لم يعد بالإمكان احتواء العائلات المتزايدة داخل المكان نفسه. عندها، أنشأ أحد النازحين حياً جديداً وأطلق عليه اسم “كوستي”. كان الاسم محاولة للاحتفاظ بشيء مألوف وسط عالم تبدلت ملامحه، فامتدت الأسر إليه كما تمتد الذاكرة نحو أمكنتها القديمة.
تعمل هاجر في غسل الملابس وكيها داخل المنازل، يوم كامل من العمل لا يوفر أكثر من أربعة آلاف جنيه، هذا إن وجدت عملاً أصلاً.
تقول إن قلة قليلة فقط تستعين بعمالة منزلية، فمعظم الناس أصبحوا يقضون حاجاتهم بأنفسهم، لأن الفقر الذي أنتجته الحرب لم يترك أحداً خارج دائرته.
قصة هاجر ليست سوى صفحة واحدة من كتاب طويل اسمه جبال النوبة، حيث تبدو النساء كأنهن يحملن على أكتافهن ما تبقى من المجتمع، بينما تستمر الحروب في إعادة إنتاج المأساة بأسماء وتواريخ مختلفة.
الجبال التي تحفظ الذاكرة
في جنوب كردفان، تمتد جبال النوبة على مساحة واسعة تضم ثمانية وتسعين جبلاً، يصل ارتفاع بعضها إلى ألف وخمسمائة متر فوق سطح البحر. جبال وعرة، صنعت تضاريسها القاسية طرقاً خاصة للحياة، وممرات لا تعرفها السيارات الحديثة بقدر ما تعرفها أقدام الناس الذين عبروها جيلاً بعد جيل.
على امتداد تلك الجبال، نشأت مجتمعات متنوعة من أصول عربية وأفريقية، تعايشت قروناً طويلة، وتزاوجت وتقاسمت الأرض والماء والمواسم الزراعية.
كانت الغابات الكثيفة والأراضي الخصبة تمنح الناس أسباباً كافية للاستقرار. وتشير التقديرات إلى أن المنطقة تضم نسبة كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة في السودان، نسبة تجعلها واحدة من أغنى مناطق البلاد من حيث الموارد الطبيعية.
غير أن وفرة الموارد لم تتحول إلى تنمية أو استقرار.
على العكس، ظل سكان المنطقة يتحدثون لعقود طويلة عن التهميش السياسي والاقتصادي، وعن سياسات نزع الأراضي لصالح المشاريع الاستثمارية الكبرى، التي حولت ملاك الأرض الأصليين إلى عمال فيها.
ومع تضييق مسارات الرعي التقليدية، بدأت النزاعات المحلية بين الرعاة والمزارعين تتسع، قبل أن تتداخل مع الصراع السياسي والعسكري الأكبر، لتدخل المنطقة في دوامة لم تتوقف حتى اليوم.

النساء والحرب القديمة
بالنسبة لنساء جبال النوبة، لا تبدأ الحرب في تاريخ بعينه.
فالحرب التي يعرفنها ليست حرب الخامس عشر من أبريل، ولا حتى حرب العام 2011 وحدها، وإنما سلسلة طويلة من النزاعات التي أعادت تشكيل حياتهن مرة بعد أخرى.
عرفن النزوح قبل غيرهن.
وعرفن الكهوف حين تحولت إلى ملاجئ من القصف الجوي.
وعرفن أيضاً كيف يمكن للأم أن تواصل الحياة بينما تتآكل كل الأشياء من حولها.
في كاودا، شاركت بعض النساء في القتال ضمن صفوف الحركة الشعبية، وعشن سنوات طويلة داخل الجبال والكهوف، بينما تعرضت أخريات للاستغلال الجنسي في ظروف الحرب القاسية.
وفي الجهة الأخرى، جند النظام السابق نساء فيما عرف بـ”أخوات نسيبة المجاهدات”، لتجد المرأة نفسها جزءاً من صراع لم تكن تملك حق تقرير مساره، لكنها دفعت تكاليفه كاملة.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة، اختارت بعض النساء الانخراط في حملات الاستنفار. لم يكن الدافع سياسياً بالضرورة، وإنما خوفاً من شبح الاغتصاب والانتهاكات التي ترافق النزاعات ذات الطابع الإثني والعرقي.
فالمرأة هنا لا تخشى الموت وحده، بل تخشى أيضاً ما يمكن أن يحدث لجسدها وكرامتها حين تنهار سلطة القانون وتعلو أصوات البنادق.
وتقول رقية، وكذلك هو اسم مستعار، فليعذرنا القارئ، لأنه كما أسلفنا، هنا في كادقلي الحياة مختلفة، فهي سلسلة من المعاناة والخوف ومغالبة و”مباصرة” الأمور: نعم، انخرطت في معسكرات التجنيد، وتدربت على إطلاق النار، وتم تسليحي بعد انضمامي للمقاومة الشعبية، لا حباً في الجيش ولا نصرة له، فهذا الجيش قتل عماتي الثلاث بقصف الأنتنوف في الحرب الثانية، في إشارة إلى حرب 2011، ولكن لأن من لا تتسلح ستكون عرضة للانتهاكات التي تصل أحياناً إلى الاغتصاب.
عائشة… الخوف الذي منعها من العزاء
في الرهد بشمال كردفان، تحمل عائشة، وهو اسم مستعار لنازحة أخرى، حكاية مختلفة للحرب.
نزحت من قرية قرب تيري عام 2013، لكن النزوح لم يكن نهاية المعاناة.
إحدى شقيقاتها تعرضت للتعذيب على يد عناصر من الحركة الشعبية، بحسب روايتها، وهم يطالبونها بإبلاغ عائشة بالعودة.
منذ ذلك الوقت، لم تعد المسافات الجغرافية وحدها هي التي تفصلها عن أهلها، بل انضم إليها خوف ثقيل لا يزال يرافقها حتى اليوم.
تقول: “عشان كدا ما قدرت أمشي أعزي في وفاة أختي”.
جملة واحدة تختصر سنوات طويلة من القطيعة التي صنعتها الحرب بين الإنسان وذاكرته.
عملت عائشة بائعة شاي في السوق.
كانت تحاول أن تبني مورداً بسيطاً يعينها على الحياة، لكن ضغط الدم المرتفع لم يترك لها فرصة للاستمرار. كان النعاس يغلبها أحياناً أثناء العمل، فتغفو دون قصد وسط حركة السوق وضجيجه.
في النهاية، تركت العمل لإحدى بناتها، وانضمت إلى فرقة غنائية نسائية لا تتقاضى مقابلاً ثابتاً سوى “النقطة” التي يقدمها الناس في المناسبات.
وهكذا، كما تفعل نساء كثيرات في جبال النوبة، أعادت ترتيب حياتها بما هو متاح، لا بما كانت تتمناه.
حين تصبح المرأة أباً وأماً
في الحروب الطويلة، تتغير وظائف الأشياء والبشر.
البيت لم يعد بيتاً.
والقرية لم تعد قرية.
والمرأة لم تعد تؤدي دوراً واحداً.
تشير دراسات تناولت أوضاع النساء في النزاعات الأفريقية إلى أن خمسة وثمانين في المائة من النساء يقمن بدور الأب والأم معاً أثناء الحروب، نتيجة غياب الرجال أو عجزهم عن القيام بمهامهم التقليدية.

وفي جبال النوبة، يبدو هذا الرقم أقرب إلى حقيقة يومية.
فالمرأة هنا مسؤولة عن توفير الطعام والمياه والحطب، ورعاية الأطفال والمرضى وكبار السن، والبحث عن مصدر دخل في اقتصاد يكاد يكون مشلولاً.
تخرج بعض النساء لجمع الحطب وصناعة الفحم النباتي.
وتعمل أخريات في غسل الملابس والخدمة المنزلية أو بيع الشاي في الأسواق.
وفي ظل انعدام البدائل، تجد بعض النساء أنفسهن أمام خيارات أكثر قسوة، في محاولة لضمان الحد الأدنى من البقاء.
إنه اقتصاد الرعاية في أكثر صوره هشاشة، حيث تقع كل الأعباء على كتف المرأة، بينما تتآكل شبكات الحماية الاجتماعية تحت وطأة الحرب.
النزوح… حياة معلقة بين مكانين
تسببت الحرب في نزوح أكثر من نصف مليون شخص داخل جنوب كردفان وحدها، وفق تقديرات منظمات إنسانية، بينما فر عشرات الآلاف إلى جنوب السودان وإثيوبيا.
في معسكر ييدا بجنوب السودان، تجاوز عدد اللاجئين من أبناء جبال النوبة اثنين وسبعين ألف شخص، بينما تستضيف معسكرات أخرى مئات الآلاف من النازحين.
أصبح أكثر من ثلثي سكان المنطقة بين نازح ولاجئ.
لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تنقل ما يعنيه النزوح بالنسبة للنساء.
فالنزوح ليس انتقالاً من مكان إلى آخر فحسب، بل فقداناً متراكماً للبيت والأرض والماشية والعلاقات الاجتماعية والذاكرة الجماعية.
تخرج المرأة من قريتها وهي تحمل أطفالها، لكنها تترك وراءها كل ما كانت تعرفه عن الحياة.
وحين تصل إلى مكان جديد، تبدأ من الصفر مرة أخرى.
الكهوف التي أصبحت بيوتاً
حين اشتد القصف على مناطق واسعة من جبال النوبة، لم يجد كثير من السكان سوى الكهوف ملاذاً آمناً.
وثقت منظمات دولية لجوء آلاف المدنيين إلى الجبال هرباً من الطائرات والقنابل.
هناك، بين الصخور، عاشت أسر كاملة لأشهر وسنوات.

ولد أطفال داخل الكهوف.
ومات آخرون قبل أن تصل إليهم الأدوية.
وتعلمت النساء كيف يفرقن بين صوت الرعد وصوت الطائرات، وبين المطر الذي يبشر بالحياة والقصف الذي يحمل الموت.
بالنسبة لجيل كامل من الأطفال، لم تعد الكهوف مجرد تكوينات طبيعية، بل جزءاً من الذاكرة الأولى للوجود.
مستشفيان لمليون إنسان
منذ العام 2015، لم يكن هناك سوى مستشفيين فقط يعملان لخدمة أكثر من مليون ومائتي ألف نسمة في المناطق المتأثرة بالحرب.
تعرضت المستشفيات والعيادات للقصف أو الإغلاق، وتعذر وصول الإمدادات الطبية إلى مناطق واسعة.
وحذرت منظمات دولية من تفشي الأمراض المعدية، خاصة بين الأطفال والنازحين.
وفي ظل غياب الرعاية الصحية، أصبحت المرأة هي الممرضة والطبيبة والمعيلة في آن واحد.
ترعى الأطفال المرضى.
وتقطع المسافات الطويلة بحثاً عن الدواء.
وتواجه وحدها احتمالات الموت الذي تصنعه الحروب حين تدمر المؤسسات الصحية وتمنع وصول المساعدات الإنسانية.
الفتيات اللواتي استبدلن المدرسة بالماء
لم تسلم المدارس من الحرب.
ففي المناطق التي كانت تسيطر عليها الحركة الشعبية، تقلص عدد المدارس الثانوية بصورة كبيرة، وأغلقت عشرات المدارس الابتدائية.
وتراجع عدد الطلاب بشكل حاد، بينما حرم أكثر من مئة وخمسين ألف طفل من حقهم في التعليم.
لكن الفتيات كن الأكثر تضرراً.
فشح المياه دفع كثيراً من الأسر إلى تفضيل إرسال البنات لجلب المياه بدلاً من الذهاب إلى المدارس.
أصبح الماء أكثر إلحاحاً من الكتاب.
وأصبحت رحلة البحث عن البئر جزءاً من يوم الفتاة، قبل أن تكون الدراسة جزءاً من مستقبلها.
وهكذا، لم تسرق الحرب الحاضر وحده، بل امتدت يدها إلى المستقبل أيضاً.
أجساد النساء في قلب المعركة
وثقت منظمات حقوقية عدداً من حالات الاغتصاب والانتهاكات الجنسية بحق النساء في جنوب كردفان خلال سنوات الحرب.
لكن النساء أنفسهن يعرفن أن الأرقام المعلنة لا تحكي القصة كاملة.
فالخوف والوصمة الاجتماعية يمنعان كثيرات من الحديث عما تعرضن له.
ولهذا، ظل هاجس الاغتصاب حاضراً في ذاكرة النساء وقراراتهن وخياراتهن.
بعضهن حملن السلاح دفاعاً عن أنفسهن.
وأخريات فضلن النزوح المبكر.
لكن الحقيقة الأشد قسوة هي أن المرأة في مناطق النزاع تصبح هدفاً مضاعفاً، لأنها تحمل هوية الجماعة وذاكرتها واستمرارها.
سؤال بلا إجابة
بين هاجر التي لم تعد إلى المنصورة منذ أربعة عشر عاماً، وعائشة التي لا تزال تخشى العودة حتى لتعزية أختها، ورقية التي حملت السلاح خوفاً من الاغتصاب، تمتد حكاية نساء جبال النوبة كأنها تاريخ موازٍ لكل الحروب التي مرت على السودان.
إنها حكاية نساء فقدن البيوت والأراضي والأقارب، لكنهن واصلن حمل الحياة فوق أكتافهن.
وفي إقليم غني بالموارد، وفقير بالسلام، ما تزال الأسئلة نفسها معلقة في الهواء:
إلى متى تستمر هذه الحروب؟
وإلى متى يبقى الإنسان، والمرأة على وجه الخصوص، آخر ما يُفكر فيه وسط صخب السياسة والبنادق؟





