فوز المغرب على هولندا: قراءة في دلالات ما بعد المركزية الحضارية الأوروبية

بقلم: المعتز أحمد إبراهيم
قد يبدو العنوان أعلاه، والحديث عن “ما بعد المركزية الحضارية الأوروبية”، استعجالاً ثقافياً و معرفياً لا يخلو من الجرأة. غير أن فوز المغرب على هولندا في منافسات كأس العالم، التي تدور رحاها حالياً بين الأراضي الأميركية والكندية والمكسيكية ، يحمل من الدلالات ما يتجاوز مجرد نتيجة مباراة بين فريقين متنافسين في ساحة كرة القدم . اللعبة الشعبية الأولي في العالم .
يحاول هذا المقال، من زاوية رمزية وثقافية بطبيعة الحال، أن ينظر في فوز المغرب علي هولندا ، نظرةً تتجاوز ملعب كرة القدم إلى التاريخ والثقافة، إلي فوز المستضعَف المقهور ، على الغنيّ المهيمن ، الذي طالما (زعم ) امتلاك ناصية المعرفة والفلسفة والعلوم، بل والحضارة نفسها.
في المسلسل الدرامي الإسباني الشهير علي شبكة نيتفيليكس،بيت الورق، (La Casa de Papel)، يشرح البروفيسور فائق الذكاء ، خطته لسرقة البنك المركزي الإسباني، مستنداً إلى فكرة التعاطف مع المستضعفين في مواجهة السلطة المركزية. تصوّر الدراما في المسلسل فعل السرقة ، رغم كونه جريمة بالمعنى القانوني ، وفق نسقٍ أخلاقيٍّ مضادّ لسلطة تستند إلى القانون ، لكنها تفتقر إلى العدالة. وتكسب العصابة السارقة وفق تسلسل الأحداث في المسلسل ، تعاطف الرأي العام لأنها، في جوهر الحكاية، لا تسرق من الناحية العملية ، بل تطبع أوراقاً نقدية جديدة لصالح الفقراء والمقهورين، في مواجهة بنك مركزي يمثل السلطة والمال لدي الأغنياء.
ويضرب البروفيسور مثالاً دالّاً علي ذلك بمثال لمباراة في كرة القدم ، لو تواجهت البرازيل والكاميرون ، مثلاً ، فإلى أيّ فريق تنحاز غالبية الجماهير حول العالم؟ إلى الكاميرون الضعيفة ، بطبيعة الحال، لا إلى البرازيل القوية. تصنع الدراما في هذا المثال انحيازاً تلقائياً لدى المشاهد إلى جانب ( المستضعَف ) في مواجهة (النظام المهيمن). في المسلسل تظهر الأغنية الإيطالية( بيلّا تشاو) والتي تعني وداعاً أيتها الجميلة ، وهي أغنية شعبية إيطالية أشتهرت كنشيد شعبي لمقاومة الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية .
لكنّ المفارقة الساطعة، أن فريق المغرب، في مباراته ضدّ هولندا، لم يظهر بمظهر الفريق ، الفقير ، المستضعَف الذي يحاول “سرقة” نتيجة من فريق غني ومهيمن، كما في حكاية المسلسل . على العكس من ذلك ، فرض الفريق المغربي حضوره كطرفٍ مسيطر علي الكرة معظم أوقات المباراة ، إذ بلغت نسبة استحواذه على الكرة نحو سبعين بالمائة. ولنسبة الاستحواذ في كرة القدم الحديثة ، وما طوّره غوارديولا مع برشلونة ولاحقاً مع مانشيستر سيتي ( رغم كوني مشجّعاً عتيداً لليفربول ) ، أقول لنسبة الاستحواذ دلالتها العميقة، فقد تحولت كرة القدم الحديثة، في جوهرها، إلى علم وإحصاء وأرقام وبيانات بشكل لا تقل صرامةً عن أي حقل معرفي آخر.
لا جدال في أن أوروبا ، قدّمت للبشرية أفكاراً وعلوماً ونظريات غيّرت نظرتنا إلى العالم جذرياً. فقد دحض غاليليو فكرة مركزية الأرض التي ظلت سائدة لنحو ألف عام، موضحاً ، أن الأرض ، خلافاً لما زعمه رجال الدين آنذاك ، ليست مركز الكون، بل مجرد كوكب تابع للشمس. وقدّم داروين ، غضّ النظر عن الاختلاف أو الاتفاق مع نظريته ، حُججاًً علميةً ، لنظرية التطور استناداً إلى مبدأ الانتخاب الطبيعي (Natural Selection)، في مواجهة التصورات التقليدية لنشأة الإنسان. أما إسحاق نيوتن فوضع، بنظريته في الجاذبية، أسس الفيزياء الكلاسيكية. ولاحقاً، ظهر ألبرت أينشتاين بنظرية النسبية العامة، حين أضاف الزمن كبُعدٍ رابع إلى أبعاد القياس التقليدية الثلاثة: الطول والعرض والارتفاع.
وعلي الرغم من عظمة ما قدّمه هؤلاء العلماء والفلاسفة الأوروبيون للبشرية جمعاء، فضلاً عن إسهامات بيتهوفن ودافنشيّ وغيرهما في جانب الإبداع والفنون ، فإن توظيف هذا الإرث علمياً وسياسياً لترسيخ ما يُعرف بـ”المركزية الأوروبية” أمرٌ مختلف تماماً عن الاعتراف بالفضل العلمي المعرفيّ أو الفنّي . فالكسب المعرفي شيء، وتوظيف ذلك معرفياً وحضاريّاً وسياسيّاً شيء آخر تماماً. فقد سبق داروينَ علي سبيل المثال ، إخوانُ الصّفا و خِلّان الوفا، في رسائلهم، إلى طرح فكرة التطور ، كما قال الجاحظ ، المعتزليّ الكبير ، بفكرة تدرّج الكائنات، إلى القول إن “آخر أفق التراب أول أفق النبات، وآخر أفق النبات أول أفق الحيوان، وآخر أفق الحيوان أول أفق الإنسان” وهو تصور لا يبعد كثيراً عما ذهب إليه داروين لاحقاً.
في باب التصوّف ذهب إبن عربي إلي أنّ أصل الوجود روحيّ ، ذو تمظهر مادّي، وهو عين ما تقول به الفيزياء الحديثة ، خصوصاً فيزياء الكمّ وكيف أن العالم ما تحت الذرة ليس إلّا محض طيف/ طاقة/ فيض / روح .. وقريب من ذلك قول السهروردي عن الفيض الإلهي في كون أن النور الأول تجلّي علي النور الأدني ثم تجلّي علي العوالم والظلمات .
و لم تذهب أفكار نيوتن وغاليليو عن الجاذبية ومركزيّة الأرض بعيدةً عن إسهامات حضارات قديمة أخرى، كالحضارة الصينية وحضارة المايا في المكسيك وأمريكا الوسطي . بجانب حضارات وادي النيل القديمة وتصوراتها لعالم ما بعد الموت .
ثمّة فرق جوهري بين الإقرار بالمساهمة الأوروبية في الحضارة الإنسانية، وما وصلنا إليه اليوم من علم ومعرفة، وبين تحويل تلك المساهمات ، سياسياً، إلى مركزية معرفية وحضارية . فالأولى اعترافٌ تاريخي موضوعي لا ينكره الّا مكابر ، بينما الثانية محض مصادرة معرفية وتاريخية لا غير . فالحضارات والعلوم، عبر التاريخ، لم تكن يوماً جزراً معزولة، بل حركةً ثقافية متصلة، تتشابك فيها مسيرة الإنسان، منذ نشأته الأولي ، مع الطبيعة والبيئة، ضمن فضاء واحد يجمع الجغرافيا والتاريخ والثقافة.
فوز المغرب ، العالم ثالثي ، الأفريقي ، الفقير ، المستضعَف ، على هولندا الأوروبية ، الغنية لم يكن انتصاراً كروياً فحسب، بل يمثّل ، من ناحية رمزية ، إعادة تعريفٍ لمفهوم المركزية الأوروبية، خصوصاً في سياق ما بعد الاستعمار، وما خلّفه من جراحٍ وآلامٍ عميقة في وجدان شعوب أفريقيا والعالم الثالث.
لقد برهنت تجربة جائحة كورونا، قبل سنوات، أن صحة الأغنياء في العالم لا يمكن الحصول عليها ، حصرياً ، بالاشتراك في شركات التأمين الصحي لقلّةٍ قليلة من الأغنياء. والقدرة المالية على ذلك، بل إن جائحة كورونا أثبتت أن الصحة شأنٌ إنساني عام ، يخص كل بني البشر على هذه الأرض ، مثلها مثل موضوعات شائكة ومعقدة مثل البيئة وتغير المناخ والاقتصاد والتنمية وحقوق الإنسان .
سنعيش في عالمٍ أفضل يوم أن تنهض الدول الفقيرة وما تعرف اليوم بدول العالم الثالث في وجه الدول الغنية، بالحجة والمنطق السليم وربما المواجهة ، حتي وإن كان ذلك في مباراة كرة قدم بين المغرب وهولندا… سنعيش في عالم أفضل يوم أن يدرك الأوروبيون، فعلاً لا قولاً، أن منبع الحضارة الإنسانية واحد، وإن تشعبت دروبها . وأن الحق والرغبة في الحياة والنهضة والرفاهية والسعادة ليست سوي تطلعاتٌ إنسانية مشتركة، مهما اختلفت الجغرافيا والتاريخ والبيئة المحيطة.
فاز المغرب كروياً، نعم، لكنه كسر ، ولو بصورة رمزية ، ما عُرف طويلاً بالمركزية الأوروبية، وفتح بذلك الفوز ، ربما ، الباب أمام مرحلة ما بعد هذه المركزية التي تجرأنا عليها في البداية ، حتى وإن كان ذلك من باب كرة القدم اليوم. وغداً، قد يكون ذلك من أبواب أخري مثل السلطة والسياسة والثقافة والتاريخ وربما الحضارة .





