هل يمكن أن تتحول «طائر الشؤم» إلى بلبل مغرّد؟

علياء قاسم حمودة

في الموروث الشعبي، يحمل «طائر الشؤم» دلالة النذير؛ ذلك الذي يجيء محذّرًا من خطر لا نراه بعد، لكنه بدأ يتشكل في مكان ما. ومن هنا بدا لي عنوان رواية «طائر الشؤم» للروائي والمفكر الجنوب سوداني فرانسيس دينق (المكتوبة بالإنجليزية والصادرة عام 1989 بترجمة الدكتور عبد الله أحمد النعيم) أكثر من مجرد عنوان؛ لقد بدت نذيرًا اجتماعيًا وسياسيًا مبكرًا، يضعنا أمام المآلات التي يقود إليها سوء فهم الآخر، والتعصب، وتحويل الاختلاف إلى صراع يصعب إيقافه، وربما تتسع دائرته.

لكن الرواية، في تقديري، تبدأ من الإنسان أولًا قبل أن تصل إلى السياسة.

يظهر ذلك بوضوح في الغوص داخل فلسفة الحياة عند قبائل الدينكا عبر شخصية البطل (بول/إلياس)، حيث يتمثل الصراع في كيفية موازنة الوعي الرعوي الأفريقي مقابل الوعي المدني أو العربي. تظهر الشخصية محمّلة بقيم أخلاقية تشربها البطل منذ طفولته، ورثها عن والده، زعيم القبيلة، وعن جديه لأمه وخاله. تشكلت هذه القيم في وجدانه قبل اعتناقه أي دين رسمي، وشكّلت له “درعًا نفسيًا” وامتثالًا صارمًا منعه من السقوط، ليتكشف له لاحقًا أن هذا الإرث يتناغم مع ما جاءت به الرسالات الدينية من عدل ورعاية للإنسان؛ فالدينكا يعتقدون بقوة روحية تمنحهم طاقة هائلة على الصمود، وتجعل مفهوم الحق والباطل نابعًا من قيمة إنسانية أصيلة.

لذلك، عندما يشتد الصراع، لا يعود البطل إلى السلاح أو حيل السياسة، بل يعتصم بإرثه الممتد وإيمانه بتلك القوة العليا ليعيد توازنه النفسي. ومن خلال ذلك، يبرز الفرق بين الدين وتوظيف الدين؛ فاختلاف المعتقد قد يتحول، حين نفقد القدرة على احتمال الآخر، إلى سبب لرفضه وإقصائه، وكأننا لا نستطيع قبوله إلا إذا كان نسخة منا.

ما لفتني فيها أيضًا حضور الزعامة الأهلية التقليدية ودورها في حل النزاعات المحلية؛ إذ لا تبدو الزعامة مرتبطة بالقوة أو بامتلاك أدوات السلطة بقدر ارتباطها بالحكمة ومعرفة الناس. ولا يعني ذلك أن الإدارة الأهلية بديل عن الدولة الحديثة، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها شريكًا أصيلًا في فهم المجتمع وصناعة التوافق داخله.

وفي الرواية كذلك مساحة مهمة للهوية. الاعتزاز بالموروث والمحافظة على جوهره دون انغلاق، ولا أن يتحول الانفتاح إلى اقتلاع من الجذور.

لهذا لم أشعر أن الرواية تحكي فقط ما حدث، بل تشخّص جذور مرض اجتماعي، وتنظر إلى الأفكار والمخاوف والصور الذهنية التي تهيئ الطريق للانفجار.

وهنا، في رأيي، تكمن أهمية قراءة «طائر الشؤم» اليوم.

ليس لأننا نريد أن نثبت أن نبوءتها تحققت؛ فقراءة الرواية بوصفها نبوءة سياسية فقط قد تحصرها في زمنها، وإنما لأنها تطرح أسئلة ما زالت لم تفقد صلاحيتها.

ربما لهذا تحتاج «طائر الشؤم» إلى أن تُقرأ بعين أكثر وعيًا، وذهن أكثر انفتاحًا، وقلب أكثر اتساعًا؛ لا لكي نبحث فقط عن اختلافاتنا، وإنما لكي نكتشف ما يمكن أن يجمعنا، فنعالج لبّ المشكلة، بدل أن نظل نعالج أعراضها، إذا استطعنا.

وقد يكون أكثر ما بقي معي بعد القراءة هو هذا السؤال: هل يمكن أن تتحول رواية «طائر الشؤم» إلى بلبل مغرّد؟ هل يمكن لكتاب جاء في صورة نذير، يحذر من مآلات سوء الفهم والتعصب والانقسام، أن يتحول إلى دعوة للفهم.

وربما، في الحالة السودانية تحديدًا، أن نتجاوز السودان الذي صنعته سوءات الماضي، وأن نفهم السودان الذي نعيش أزماته الآن، وأن نبدأ في تخيّل سودان مستقبلي يسع الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى