الإسلام والعلمانية وأزمة الدولة لا أزمة الشعارات (2)

محمد عمر شمينا
في ختام المقال السابق طُرح سؤال بدا في ظاهره بسيطاً، لكنه في جوهره يمس واحدة من أعمق الإشكالات التي واجهت السودان منذ الاستقلال هل يمتلك السودانيون الشجاعة الكافية للانتقال من معركة الشعارات إلى معركة بناء الدولة، أم سيظلون أسرى سؤال لم يحسنوا طرحه منذ الاستقلال؟
ولعل المدخل إلى الإجابة لا يبدأ بالبحث عن الحلول، وإنما بالعودة إلى طبيعة السؤال نفسه. فالأمم، كما الأفراد، كثيراً ما تضل الطريق عندما تنشغل بالإجابة عن أسئلة خاطئة أو ناقصة. وقد يبدو أن السودان، خلال جزء كبير من تاريخه الحديث، كان منشغلاً بإجابات متعددة على سؤال لم يكن هو السؤال الأكثر إلحاحاً.
منذ عام 1956، دارت النقاشات السياسية والفكرية حول قضايا كبرى تتعلق بالهوية والدين والثقافة وشكل نظام الحكم. وبرزت أسئلة من قبيل هل السودان دولة عربية أم أفريقية؟ هل تكون مرجعيته إسلامية أم علمانية؟ هل الأولوية للوحدة الوطنية أم للاعتراف بالتنوع؟ وهل تُبنى الدولة على أساس مركزي أم فيدرالي؟ وهي كلها أسئلة مشروعة ومهمة، لكنها لم تكن وحدها كافية لبناء دولة مستقرة.
ومع مرور الوقت تحولت هذه الأسئلة إلى ساحات استقطاب سياسي حاد، وأصبح كل تيار يتعامل مع إجابته الخاصة بوصفها المدخل الوحيد لإنقاذ البلاد. فبدلاً من أن تكون تلك القضايا موضوعاً للحوار والتوافق، أصبحت سبباً للانقسام والتنافس حول السلطة. ومع كل تحول سياسي كانت الأسئلة نفسها تعود من جديد، بينما تظل الأزمات الأساسية قائمة دون معالجة حقيقية.
وربما كان الخطأ الأكبر أن النقاش السوداني انشغل طويلاً بالسؤال من يحكم السودان؟ أكثر من انشغاله بالسؤال: كيف يُحكم السودان؟ فالأول يتعلق بالسلطة، أما الثاني فيتعلق بالدولة. والأول يدور حول القوى السياسية المتنافسة، بينما الثاني يدور حول القواعد والمؤسسات التي ينبغي أن تنظم التنافس بينها.
والفرق بين السؤالين ليس فرقاً لغوياً أو نظرياً، بل هو فرق جوهري في فهم السياسة نفسها. فالدول المستقرة لا تُبنى على الاتفاق الكامل حول الأفكار والهويات، وإنما تُبنى على الاتفاق حول قواعد إدارة الاختلاف. وليس مطلوباً من المواطنين أن يتبنوا الرؤية نفسها للدين أو الثقافة أو الاقتصاد، وإنما أن يتفقوا على إطار دستوري وقانوني يسمح لهم بالتعايش والتنافس السلمي داخل وطن واحد.
لقد شهد السودان خلال العقود الماضية تجارب سياسية متناقضة. تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية، ورفعت أنظمة مختلفة شعارات متباينة، وتغيرت التحالفات والبرامج والأولويات. لكن النتيجة النهائية ظلت متشابهة إلى حد بعيد. فكل تجربة كانت تبدأ بوعود كبيرة للإصلاح والنهضة، ثم تنتهي إلى أزمة سياسية جديدة أو صراع جديد أو انقلاب جديد.
وهذا التكرار يدفع إلى التساؤل إذا كانت الشعارات تتغير باستمرار بينما تستمر الأزمات نفسها، فهل تكمن المشكلة حقاً في الشعارات؟ أم أن هناك خللاً أعمق يتعلق بطبيعة الدولة ومؤسساتها؟
من الصعب تجاهل حقيقة أن السودان عانى، منذ الاستقلال، من ضعف مزمن في بناء المؤسسات. فقد ظلت الدولة مرتبطة في كثير من الأحيان بالأشخاص أكثر من ارتباطها بالقواعد، وبموازين القوى أكثر من ارتباطها بالدستور، وبالولاءات السياسية أكثر من ارتباطها بالكفاءة والمؤسسية. وعندما تضعف المؤسسات تصبح الدولة نفسها عرضة للاهتزاز مع كل تغيير سياسي.
ولهذا السبب لم تكن الأزمات السودانية مجرد خلافات فكرية حول الإسلام أو العلمانية أو الهوية. فهذه القضايا موجودة في دول كثيرة حول العالم، ومع ذلك استطاعت تلك الدول أن تحافظ على استقرارها لأنها بنت مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات واحتوائها. أما حين تغيب المؤسسات المستقلة ويضعف حكم القانون، فإن أي خلاف فكري يتحول إلى صراع سياسي مفتوح.
لقد أثبتت التجربة أن الدولة التي ترفع شعارات دينية ليست محصنة تلقائياً ضد الاستبداد أو الفساد أو سوء الإدارة. كما أن الدولة التي تتبنى شعارات مدنية أو علمانية ليست محصنة تلقائياً ضد الإقصاء أو الفشل السياسي. فالنجاح أو الفشل لا يرتبط بالاسم الذي تطلقه الدولة على نفسها بقدر ما يرتبط بمدى احترامها لحكم القانون، وقدرتها على حماية الحقوق، وضمانها للمساواة بين المواطنين.
ومن هنا تبدو ثنائية الإسلام والعلمانية، على أهميتها الفكرية، أقل قدرة على تفسير الأزمة السودانية من بعض العوامل الأخرى الأكثر تأثيراً، مثل ضعف المؤسسات، وهشاشة النظام الدستوري، وتسييس أجهزة الدولة، وتكرار اللجوء إلى القوة لحسم الخلافات السياسية.
ولعل الحرب السودانية الراهنة تقدم المثال الأكثر وضوحاً على ذلك. فهذه الحرب لم تندلع لأن السودانيين حسموا خلافهم حول الإسلام والعلمانية، ولم تنشأ بسبب نقاش دستوري حول هوية الدولة. بل جاءت في سياق أزمة أعمق تتعلق بطبيعة السلطة، وعلاقة المؤسسات العسكرية بالدولة، وغياب التوافق الوطني حول أسس الانتقال السياسي.
وهنا تتجلى أهمية إعادة صياغة السؤال الوطني. فبدلاً من أن يظل النقاش محصوراً في هوية الدولة، ربما يكون من الأجدى أن ينتقل إلى كيفية بناء الدولة نفسها. فالدولة ليست مجرد دستور أو حكومة أو انتخابات، وإنما منظومة متكاملة من المؤسسات والقواعد والعلاقات التي تنظم حياة المجتمع وتحمي استقراره.
إن بناء الدولة يبدأ من الاتفاق على مبدأ المواطنة المتساوية، بحيث لا يشعر أي فرد أو جماعة بأن حقوقه مرتبطة بانتمائه الديني أو العرقي أو الجهوي. ويبدأ أيضاً من استقلال القضاء، وحياد الخدمة المدنية، واحترافية المؤسسات العسكرية والأمنية، واحترام التداول السلمي للسلطة، وسيادة حكم القانون على الجميع دون استثناء.
ولا يعني ذلك تجاهل قضايا الهوية أو الدين أو الثقافة، فهذه كلها مكونات أساسية في الحياة العامة. لكن الفرق كبير بين أن تكون هذه القضايا جزءاً من حوار وطني مفتوح، وبين أن تتحول إلى أدوات للصراع والاستقطاب ووسائل لاحتكار الدولة.
إن الانتقال من معركة الشعارات إلى معركة بناء الدولة يتطلب شجاعة فكرية وسياسية في آن واحد. شجاعة للاعتراف بأن جميع الأطراف ارتكبت أخطاء بدرجات متفاوتة، وأن أياً من المشاريع التي طُرحت خلال العقود الماضية لم يتمكن وحده من تقديم حل شامل للأزمة السودانية. كما يتطلب استعداداً للبحث عن مساحات مشتركة بدلاً من التركيز الدائم على نقاط الخلاف.
وربما يكون السؤال الذي لم يحسن السودانيون طرحه منذ الاستقلال هو كيف نبني دولة تتسع للجميع قبل أن نختلف حول من يحكمها؟ وكيف نضمن أن تبقى الدولة ملكاً لجميع مواطنيها لا أداة في يد أي تيار سياسي أو فكري مهما كانت شعاراته؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يحتل مركز النقاش الوطني في السنوات القادمة. فالدول لا تنهض عندما تنتصر الشعارات، وإنما عندما تنتصر المؤسسات. ولا تستقر عندما يختفي الاختلاف، وإنما عندما تجد طريقة عادلة وسلمية لإدارته. وعندما يصل السودانيون إلى هذه القناعة، ربما يكتشفون أن الطريق إلى المستقبل يبدأ من إعادة صياغة السؤال قبل البحث عن الإجابة.





