الدبة تغرق في الظلام… هجوم على الكهرباء يفاقم معاناة المدنيين

أفق جديد
لم يكن انقطاع التيار الكهربائي في مدينة الدبة بالولاية الشمالية مجرد عطل طارئ، بل تحول في لحظات إلى مصدر قلق جديد يضاف إلى سلسلة الأزمات التي يعيشها المدنيون في السودان منذ اندلاع الحرب. ففي مدينة أصبحت ملاذًا لعشرات الآلاف من النازحين الفارين من جبهات القتال في دارفور وكردفان، جاء استهداف محطة الكهرباء ليضع السكان أمام واقع أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع المخاوف الأمنية مع تحديات الحياة اليومية، من الحصول على المياه والرعاية الصحية إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
تعرضت مدينة الدبة بالولاية الشمالية، أمسية الأربعاء الماضي، لهجوم بطائرة مسيّرة يُرجح تبعيتها لقوات الدعم السريع، استهدف المحطة التحويلية للكهرباء وعددًا من المواقع العسكرية، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة، كما أوقع مصابًا واحدًا.
ووفق شهود عيان فإن طائرة مسيّرة يرجح تبعيتها للدعم السريع أطلقت نحو 4 صواريخ أصابت المحطة التحويلية للكهرباء ومواقع عسكرية للجيش والقوة المشتركة.
وأفادت بأن الهجوم تسبب في اشتعال النيران في المحطة التحويلية وانقطاع التيار الكهربائي بشكل كامل.
من جهتها قالت لجنة أمن محلية الدبة في بيان إن الدعم السريع استهدفت محطة الكهرباء، مما أدى إلى نشوب حريق وإصابة حارس بجروح طفيفة، حيث جرى نقله إلى المستشفى.
ورأت أن الهجوم “ممنهج ويستهدف الأعيان المدنية وخدمات المواطنين العزل.”
وأضافت: “نؤكد أن مثل هذه الأعمال الإجرامية من قبل هذه المليشيا المتمردة لن تثنينا عن القيام بدورنا في الدفاع عن هذه الأرض والعرض، بل تزيدنا قوة وصلابة حتى استئصال هذه المليشيات من جذورها لينعم السودان بالأمن والأمان.”
يقول موسى مصطفى، وهو مواطن يقيم بمدينة الدبة، لـ”أفق جديد”: “منذ انقطاع الكهرباء في الفترة الماضية وحاليًا بسبب المسيرات أصبحت حياتنا شبه متوقفة. لا نستطيع تشغيل مضخات المياه، ومع ارتفاع درجات الحرارة بات الأطفال وكبار السن يعانون داخل المنازل. أكثر ما يخيفنا هو أن يستمر الانقطاع لأيام، لأننا لا نملك بديلًا”.
أحمد عز الدين، وهو أحد أصحاب المتاجر في المدينة، فيقول لـ”أفق جديد”: “الثلاجات توقفت بالكامل، وكميات من المواد الغذائية والألبان معرضة للتلف إذا استمر الانقطاع. الخسائر تتزايد، والناس بالكاد يستطيعون شراء احتياجاتهم بسبب الظروف الاقتصادية.”
بينما رأى أحد العاملين في القطاع الصحي أن “انقطاع الكهرباء يضاعف الضغط على المرافق الصحية، خاصة إذا طال أمده. الاعتماد على المولدات ليس حلًا دائمًا في ظل صعوبة الحصول على الوقود، وأي خلل قد يؤثر على حفظ الأدوية وتشغيل بعض الأجهزة الطبية.”
بدوره يقول فهمي دفع الله، وهو شاب متطوع في أعمال الإغاثة، إن “أكبر المخاوف الآن تتعلق بالمياه. كثير من الأحياء تعتمد على المضخات الكهربائية، وإذا استمر الانقطاع سيضطر السكان إلى البحث عن مصادر بديلة، وهو ما يزيد معاناتهم، خاصة مع وجود آلاف النازحين في المدينة.”
مواهب عبد الرحمن، وهي ربة منزل، فتقول لـ”أفق جديد”: “كنا نظن أن الدبة ستكون بعيدة عن الحرب، لكنها وصلت إلينا أيضًا. اليوم لا نفكر في السياسة أو المعارك، بل نفكر فقط في الماء والكهرباء وكيف سنقضي الليلة في هذا الحر. أصبح هم الناس هنا هو البقاء على قيد الحياة يومًا آخر.”
وتعد الدبة من أهم مدن الولاية الشمالية، نظرًا لموقعها الاستراتيجي القريب من إقليمي دارفور وكردفان، كما أصبحت منذ اندلاع الحرب محطة رئيسية لاستقبال الفارين من مناطق النزاع، لا سيما من مدينة الفاشر عقب سيطرة الدعم السريع عليها في أكتوبر من العام الماضي.
وتستضيف المحلية أكبر تجمع للنازحين في الولاية الشمالية، حيث يضم مخيم بلدة العفاض الواقعة شرقي المدينة عشرات الآلاف من النازحين القادمين من ولايات دارفور وكردفان، الأمر الذي يضاعف المخاوف من التداعيات الإنسانية لأي تصعيد عسكري يستهدف المنطقة.
وتكتسب الدبة كذلك أهمية عسكرية إذ تحتضن قيادة اللواء 73 مشاة التابع للجيش السوداني، إلى جانب انتشار تشكيلات من القوات المساندة للجيش تشمل القوة المشتركة للحركات المسلحة، علاوة على عناصر تابعة للزعيم القبلي موسى هلال، فضلًا عن وحدات من المقاومة الشعبية.
ويعكس الهجوم على الدبة اتساع رقعة الحرب لتشمل مدنًا كانت حتى وقت قريب تُعد أكثر استقرارًا، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استهداف البنية التحتية الحيوية التي يعتمد عليها المدنيون. ومع وجود عشرات الآلاف من النازحين في المدينة، فإن أي تعطيل للخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء، لا يقتصر أثره على الأضرار المادية، بل يمتد إلى المستشفيات ومحطات المياه ومراكز الإيواء، ليضيف فصلًا جديدًا إلى الأزمة الإنسانية التي تتفاقم في السودان، حيث باتت معاناة المدنيين تتجاوز خطوط المواجهة لتطال كل تفاصيل حياتهم اليومية.





