الروائي والقاص أحمد الملك لأفق جديد: عوالمنا السودان زاخرة بالواقعية السحرية

خسارة المكان كانت صدمة بالنسبة لي، ومثّلت الذاكرة بديلًا.

الرواية تعيد فهم الإنسان من الداخل لا من الخارج.

تلقى أحمد محمد حمد الملك دراسته في أرقو ودنقلا الثانوية، ثم واصل دراسته الجامعية في جامعة القاهرة فرع الخرطوم. عمل مدرسًا للغة الإنجليزية، ويقيم في هولندا منذ عام 1998، حيث عمل مع عدد من المنظمات المهتمة بالأدب وحوار الثقافات.

له العديد من الروايات والمجموعات القصصية التي تُرجم بعضها إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والهولندية، ومن مؤلفاته: «الفرقة الموسيقية»؛ «الخريف يأتي مع صفاء»؛ «سبعة غرباء في المدينة»؛ «الزمن قبل غارة الأنتينوف». وقد تُرجمت أغلب رواياته إلى عدد من اللغات الأجنبية.

يتميز الروائي أحمد الملك بخط سردي مختلف في الرواية السودانية، لفت إليه انتباه النقاد، ويمتلك قدرة على نسج وإعادة تكييف الأحداث الواقعية والمتخيلة والفانتازيا، وتوزيعها داخل ثنايا النص الروائي والقصصي.

حول تجربته الروائية ومسيرته الأدبية، كان لنا معه هذا الحوار.

حوار: محمد إسماعيل

كيف يعرّف أحمد الملك نفسه للقارئ؟

أسمي أحمد محمد حمد الملك، كتبت عددًا من الروايات والقصص القصيرة، وجد بعضها حظًا من النشر، بينما بقي البعض الآخر حبيس الورق أو الذاكرة الصناعية. حاولت في كتاباتي أن أكون إلى جانب الإنسان في طموحه للحرية والكرامة ولقمة الخبز وحبة الدواء. صارعت دون هوادة الاستبداد، وأقف ضد الحرب وضد تقسيم بلادنا أو تهميش مكوناتها.

ما هي المصادر التي شكّلت وعيك بالكتابة الإبداعية؟

القراءة والعيش مع الناس البسطاء في مجتمعات شهدت تحولات كثيرة بسبب الهجرة والفقر والحروب وعدم الاستقرار. التجارب الحياتية نفسها والهجرة كان لها أثر كبير في تشكيل وعيي بالكتابة.

تابعت منتوجك السردي أدبيًا، هل تدين لأحد؟

أحببت الكثيرين، أذكر منهم جوركي وماركيز والطيب صالح. قرأت «بندر شاه» و«ضو البيت» عشرات المرات بمتعة لا تضاهى، ربما لأنني شاهدت أناسًا يشبهون شخصياتها، ويتحدثون مثلهم، ويتشاركون الهموم نفسها، ويعيشون أساطيرهم الخاصة.

في الجانب الآخر، يقدم جوركي وتشيخوف صورًا أكثر واقعية، وربما بنفس مستوى قرب روايات الطيب صالح من بيئتها الحقيقية. أما ماركيز فهو مدرسة يتعلم منها الناس الكثير.

أنت منحاز لمن في عوالمك السردية؟

أنا منحاز للإنسان البسيط الطامح إلى الحد الأدنى من حياة كريمة. للناس الذين وصفهم الطيب صالح بأنهم أشبه بنبتة صحراوية تتحول أوراقها إلى أشواك، وتمتد حياتها وتستمر بالاقتصاد والتقدير فيها.

هل تعتقد بوجود ما يسمى بالرواية السودانية الحديثة؟

نعم، في تقديري أن الكثير من الكتابات الأدبية في السنوات الأخيرة يمكن أن نطلق عليها صفة الرواية الحديثة، كونها تحاول الابتعاد عن المألوف، وتجريب قوالب جديدة تركز على النفس البشرية، وتخاطب هموم الناس العاديين، وتسعى إلى إشراك القارئ.

في عام 1991 صدرت لك رواية من دار جامعة الخرطوم للنشر، وكانت رواية صغيرة بعنوان «الفرقة الموسيقية». ما ظروف كتابتها؟ وماذا كنت تريد أن تقول فيها؟

كتبت هذه الرواية في ظل المناخ الذي أعقب انقلاب الإنقاذ، بعد أن أُجهضت التجربة الديمقراطية الثالثة في السودان. كان ذلك زمنًا مثقلًا بالخوف، تراجعت فيه الحريات، وتعرّض آلاف السودانيين للقمع والملاحقة والاعتقال، وأصبح مجرد التعبير عن الرأي فعلًا محفوفًا بالمخاطر.

كانت تلك محاولة من نوع ما للمقاومة من خلال الكتابة، ومحاولة لتقديم شهادة على زمن تحولات صعبة، وضعت البذرة، في تقديري، لما تعانيه بلادنا حتى الآن.

منذ أن غادرت السودان عام 1998 إلى هولندا، هل غادرت المكان واللغة؟ وهل شكّل المنفى هويتك ككاتب؟

لم أغادر المكان ولا اللغة. خسارة المكان كانت صدمة بالنسبة لي. مثّلت الذاكرة بديلًا للمكان، قبل أن تقرّب العولمة المسافات.

تجربة العيش في مكان جديد ستضع، دون شك، آثارها عليك. هناك إيجابيات كثيرة، مثل الحرية التي تغنيك، على الأقل، عن الاختباء وراء الرمز، وهناك تحدي التعرف إلى مجتمع جديد يزخر بثقافات متنوعة.

لكن المكان الجديد سيسلبك أدواتك القديمة التي اعتدت على استخدامها في بيئة مختلفة، ويتركك نهبًا لذاكرة تهدد بالانفتاح على عوالم أخرى.

روايتاك «سبعة غرباء في المدينة» و«العودة إلى مدرسة فاطمة» تدور أحداثهما في أجواء الحرب والمآسي التي شهدها السودان خلال السنوات الماضية. هل يمكن تصنيفهما ضمن أدب الحرب؟

عاش السودان طوال عقود في حروب متواصلة شنتها السلطة لتثبيت أقدامها وأفكارها، وتركت تلك الحروب آثارها العميقة على بلادنا وشعبها.

لكن، في تقديري، حاولت دائمًا أن يكون اهتمامي منصبًا في المقام الأول على الإنسان: كيف يقاوم الخوف والتسلط، ويحافظ على كرامته، ويتمسك بالأمل وسط الخراب.

وإذا كانت الحرب حاضرة في رواياتي، فهي تبقى في تقديري خلفية تكشف جوهر الشخصيات، وتضعها أمام أسئلتها الوجودية والأخلاقية.

البعض يرى أننا نعيش عصر الرواية.. هل غطّت الرواية على الأجناس الأدبية الأخرى؟

لا شك أن الرواية أصبحت الجنس الأدبي الأكثر حضورًا وانتشارًا في العقود الأخيرة، سواء من حيث النشر أو الترجمة أو الجوائز أو اهتمام القراء. لكنني لا أعتقد أن هذا يعني أنها غطّت على الأجناس الأدبية الأخرى أو ألغت ضرورتها.

فلكل جنس أدبي مجاله الجمالي وقدرته الخاصة على التعبير. هناك تجارب إنسانية لا تستطيع الرواية أن تقولها بالكثافة التي يقولها الشعر، كما أن القصة القصيرة والمسرح والسيرة الذاتية تمتلك أدواتها وأسئلتها التي لا يمكن للرواية أن تحل محلها.

أظن أن الحديث عن عصر الرواية يعكس ازدهار هذا الفن أكثر مما يعني أن زمن الفنون الأخرى قد انتهى. فالأدب يظل، في تقديري، فضاءً تتجاور فيه أشكال التعبير المختلفة، ويثري كل منها الآخر، ويبقى المعيار في النهاية هو جودة العمل وقدرته على ملامسة هموم الإنسان وتطلعاته، لا الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه.

كيف ترى مستقبل الكتابة الإبداعية في عالم الصورة والوسائط الحديثة، خاصة أن هذا الجيل لم يعد يقرأ الكتب الكبيرة؟

نحن، دون شك، أمام تحولات عميقة؛ فالصورة أصبحت أكثر تأثيرًا وحضورًا من الكلمة المكتوبة، كما أن الإيقاع السريع للوسائط الحديثة يزاحم الوقت الذي تتطلبه القراءة، خاصة قراءة النصوص الكبيرة.

ومع ذلك، في تقديري، فإن هذا لا يعني نهاية عصر الكتابة الإبداعية أو تراجع ضرورتها. فالرواية، على سبيل المثال، تقدم شيئًا مختلفًا عن الصورة؛ فهي تتأمل وتبني عوالم داخلية، وتعيد القدرة على فهم الإنسان من الداخل لا من الخارج فقط. وهذه وظائف لا تستطيع الوسائط البصرية، مهما بلغت قوتها، أن تحل محلها بالكامل.

أما فكرة أن هذا الجيل لم يعد يقرأ الكتب الكبيرة، فهي، وإن بدت صحيحة إلى حد ما، فإنها لا تعني اختفاء القارئ. هناك قارئ جديد يقرأ بشكل مختلف، وبوسائط متعددة، لكنه لا يزال يجتهد باحثًا عن العمق وعن المعنى.

أعتقد أن مستقبل الكتابة الإبداعية لن يكون في الصراع مع الصورة، بل في التعايش معها، وربما الاستفادة منها أيضًا. فالأدب الذي سيبقى حيًا هو ذلك القادر على التجديد وفتح منافذ جديدة، دون أن يتخلى عن جوهره في إضاءة التجربة الإنسانية وإثرائها وسط هذا الضجيج البصري المتسارع.

البعض يرى أن القصة القصيرة فن أوشك على الانقراض، كيف ترى ذلك؟

بالعكس، أرى أن سرعة إيقاع العصر تمنح القصة القصيرة أفضلية وأبعادًا إضافية تجعلها أكثر قدرة على المنافسة والتعايش مع الزخم البصري المتصاعد، ومع إيقاع الحياة الحديثة، كونها أشبه بومضة مكثفة تختزن تجربة إنسانية في مساحة زمنية محدودة.

إلى أي مدى تعتبر أن تجربتك السردية أخذت حقها من النقد؟

وجدت تجربتي اهتمامًا مقدرًا من عدد من النقاد، كتب عنها الأخ هاشم ميرغني، والأخ بكري جابر، والأخوان الروائيان الحسن بكري وأحمد ضحية، وكانت هناك إشارات متعددة إلى تلك الأعمال.

لكن بصورة عامة، أعتقد أن تقصير النقد مرتبط بتقصير النشر نفسه. فتعقيدات نشر الكتاب معروفة، وقد أعاقت نشر الكثير من الأعمال لشباب كان يمكن أن يقدموا الكثير.

لقد وضعت سلطة الثلاثين عامًا الماضية الكثير من القيود على نشر الكتب وتوزيعها. كما أن نشر كتاب في الخارج لا يضمن وصوله إلى القارئ في الداخل. وللأزمات الاقتصادية دورها أيضًا في إعاقة انتشار الكتاب.

ربما يكون الأمل في الثورة المعلوماتية، لكن، في تقديري، لا يزال أثرها محدودًا.

لديك ميل إلى الواقعية السحرية في الكتابة، ونلاحظ ذلك في روايتك «الخريف يأتي مع صفاء» المنشورة عام 2003. ما الذي دفعك إلى هذا الاتجاه؟

في رواية «الخريف يأتي مع صفاء»، كانت الحاجة إلى هذا النوع من التداخل بين الواقعي والمتخيل نابعة من طبيعة العالم الذي تحاول الرواية مقاربته، ومن الشخصيات التي سعت الرواية إلى وضعها في دائرة الضوء.

عوالمنا السودانية زاخرة بما يمكن وصفه بالواقعية السحرية السودانية، فالأسطورة تبقى جزءًا من حياتنا. وروايات كتاب الطبقات لم تنشأ من فراغ.

إن الميل إلى الأسطرة في الروايات السودانية، في تقديري، ليس هروبًا من الواقع، بل ربما محاولة لجعله أكثر واقعية، باعتبار أن العجائبي قد يكون أحيانًا أقرب إلى تفسير الحقيقة الداخلية للإنسان.

أذكر أنني كنت منشغلًا قبل سنوات بكتابة عمل ما، فجاءت جارتنا المسنة لتجلس بجانب والدتي، وترمي بقطع الودع أرضًا لتقرأ من خلالها أفكارنا. غرّد طائر فوق شجرة النيم، فأعلنت جارتنا أن مسافرًا سيصل اليوم، وبالفعل توقف البص القادم من أم درمان، وأخبرها أحدهم أن ابنها الذي يعمل في الخرطوم قد وصل في البص القادم من أم درمان.

أخيرًا، ماذا عن مشاريعك القادمة؟

أنا دائمًا مشغول بكتابة جديدة. لكن مشاكل بلادنا التي تدور في حلقة دائرية بلا نهاية، تجعلنا نراوح مكاننا في الهموم نفسها التي انطلقنا منها قبل قرابة أربعة عقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى