لا تجعلوا الضحية متهمًا
أسوأ ما يمكن أن يفعله الخطاب الديني في زمن الحروب هو أن ينزع المسؤولية عن أكتاف من أشعلوا النار، ويلقيها على رؤوس الذين احترقوا بها.
هذا بالضبط ما يفعله كل خطاب يفسر حرب السودان بأنها نتيجة “ابتعاد الناس عن الله”. إنه خطاب يبدو للوهلة الأولى وعظيًا، لكنه في حقيقته يؤدي وظيفة سياسية وأخلاقية بالغة الخطورة؛ إذ يبرئ الفاعل، ويجرّم الضحية.
حين يقول شيخ أو داعية إن سبب الحرب هو فساد الناس أو بعدهم عن الدين، فهو يتجاوز عمدًا سلسلة طويلة من الوقائع: من خطط للحرب؟ من حشد لها؟ من سلّح؟ من حرّض؟ من رفض إيقافها؟ من استثمر في استمرارها؟ هذه الأسئلة تختفي فجأة، ليصبح المواطن البسيط، الذي فقد منزله وأطفاله ومصدر رزقه، هو المتهم الأول.
أي منطق هذا؟
هل المرأة التي تلد في خيمة نزوح مسؤولة عن الحرب لأنها لم تكن قريبة من الله؟ وهل الطفل الذي مات جوعًا أو بالكوليرا أو تحت الأنقاض هو الآخر يدفع ثمن ذنوبه؟ وهل الملايين الذين فروا من بيوتهم يستحقون ما أصابهم لأنهم لم يكونوا صالحين بما يكفي؟
إن هذا المنطق لا يسيء إلى الضحايا وحدهم، بل يسيء إلى الدين نفسه. فالله سبحانه وتعالى أقام العدل، وأمر بمواجهة الظالم، ولم يجعل الأبرياء شماعة يعلق عليها المجرمون جرائمهم.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب يوفر غطاءً مريحًا لكل من يحمل السلاح أو يحرض عليه. فإذا كانت الحرب عقوبة إلهية، فلماذا نسأل عن المسؤولين عنها؟ وإذا كان الخراب سببه ذنوب الناس، فلماذا نحاسب من أصدر الأوامر، ومن خطط، ومن قتل، ومن نهب، ومن منع السلام؟
بهذه البساطة يتحول القاتل إلى هامش، بينما تصبح الضحية هي القضية.
كان الأولى بالدعاة أن يقفوا أمام المنابر ليقولوا كلمة واحدة: إن دم المسلم على المسلم حرام، وإن من يؤجج الفتنة بين أبناء الوطن آثم، وإن التحريض على استمرار الحرب كبيرة من الكبائر، وإن كل من يملك قرارًا يوقف القتل ثم يمتنع عنه يتحمل مسؤوليته أمام الله والتاريخ.
لكن هذا الخطاب يغيب غالبًا، لأن قول الحق في وجه أصحاب القوة مكلف، أما محاسبة الشعب المنكوب فلا تكلف شيئًا.
لقد دفع السودانيون ثمنًا يفوق الوصف. ملايين النازحين، عشرات الآلاف من القتلى، مدن دُمرت، ومستقبل أمة كاملة أصبح معلقًا. ثم يأتي من يقول لهم إن المشكلة فيكم أنتم!
ليس هذا وعظًا، بل قسوة. وليس دعوة إلى التوبة، بل تهرب من تسمية الجناة بأسمائهم.
الدين لا يُختزل في تفسير الكوارث بأنها عقوبات، وإنما يظهر في الانتصار للمظلوم، وكبح يد الظالم، والوقوف في وجه المحرضين على الدماء، ولو كانوا أصحاب سلطان أو نفوذ أو جماهير.
إن السودان لن يخرج من محنته بخطاب يجلد الضحايا، بل بخطاب يعيد الاعتبار للمسؤولية الإنسانية والأخلاقية والسياسية. فالحروب لا تنشأ لأن المواطنين ابتعدوا عن الله، وإنما لأن هناك من اتخذ قرارًا بإشعالها، وهناك من وجد مصلحة في استمرارها، وهناك من يخشى قول الحقيقة كاملة.
ولذلك، فإن أقل ما يمكن أن يفعله أصحاب المنابر هو ألا يضيفوا إلى مآسي السودانيين مأساةً أخرى: أن يُقال لهم إنهم هم سبب ما أصابهم، بينما يقف صناع الحرب خارج دائرة الاتهام.