عصية على النسيان؟؟

السر السيد
إشارة:
كتبت هذا المقال عن الممثلة القديرة فتحية محمد أحمد، ونشرته في صحيفة الرأي العام عام 2014، وأستعيده اليوم مع بعض التعديلات، لا لمجرد استعادة ذكرى، بل مقاومةً لذاكرةٍ اعتادت أن تنسى مبدعيها؛ بعضهم بعد الرحيل، وبعضهم وهم أحياء.
بين قوسين:
إنها امرأة من عامة أهل السودان؛ طيبة القلب، صبورة، وتتمتع بحضور آسر في قلوب زملائها وأبنائها وبناتها من المسرحيين. ولدت بمدينة الأبيض عام 1948، وتقول سيرتها المسرحية إنها التحقت بالعمل في المسرح القومي عام 1970، كما شاركت ممثلة، منذ المواسم المسرحية الأولى في المسرح القومي مع نهاية الستينيات، في العديد من الأعمال الدرامية الإذاعية والتلفزيونية.
وهنا نشير إلى أنها دخلت هذا المجال الصعب، خاصة في ذلك الوقت، لتلحق بركب السابقات من الفنانات الرائدات؛ الفقيدات، لهن الرحمة والرضوان: آسيا عبد الماجد، وفوزية يوسف، ومنيرة عبد الماجد، ونعمات حماد، وبلقيس عوض.
عندما أراها في دهاليز الإذاعة أعود إلى الوراء، وأستحضر أعمالها: الحيطة المايلة، ذلك المسلسل الإذاعي الشهير، والنار والرماد، ومشاركاتها في ركن المرأة، وانسى همومك، ودكان ود البصير، وغيرها. وفي دراما التلفزيون حضرت في مسلسلات الدلالية، وبائع السموم، ومهمة خاصة جدًا، وموت الضان، وحكايات سودانية، وغيرها، كما شاركت في تمثيليات المرق المكسور وفي انتظار الرحمة وغيرهما.
أما في المسرح فقد شاركت في مسرحيات على عينك يا تاجر، وخطوبة سهير، وعريس لقطة، وساعة الصفر، وحالة طوارئ، وغيرها، وفي مسرح الطفل قدمت سندريلا، وود أم حجر، والديك الشاطر. لذلك فهي صاحبة سجل عظيم ومتنوع في مجال التمثيل.
عندما ألتقيها أكاد ألمس الحنان والمحنة، وأرى للشموخ أجنحة، وفي الوقت نفسه أرى النكران والجحود، إذ لم تجد فتحية الاهتمام الذي تستحقه، ومع ذلك ظلت صامدة في مشوارها، برغم المرض والمعاناة، بعزة وشموخ.
وقد يكون هذا الاعتزاز بالنفس هو ما حدَّ من فرصها في سوق التكريم الاستعراضي الذي نشهده من حين إلى آخر، ومن أعلى المستويات. فهذا السوق، باستعراضيته ومباهاته المسيَّسة، لم يكن قادرًا على أن يرى أمثال الفنانة فتحية، مع كل حضورها الفصيح الذي يقدره جمهورها من رجال ونساء السودان.

وأتساءل هنا: كيف جاز لنا ألا نعطي هذه الفنانة العظيمة ما تستحقه من تكريم؟
ومع ذلك يجدر بي أن أذكر أن شبكة مبادرات نساء القرن الأفريقي «صيحة» قد كرمتها، ذات مساء بهيج، بالمسرح القومي في سبتمبر 2009، تقديرًا لريادتها الاستثنائية في مجال استثنائي.
ويتكامل الحديث عن الممثلة فتحية عندما نتوقف عند دورها في خطوبة سهير، وتجسيدها لشخصية سكينة، والدة سهير وزوجة خليل.
هنا يمكن القول إن فتحية كانت الخيط الذي ينتظم به إيقاع العرض؛ فهي مشدودة إلى عملاقين من عمالقة التمثيل: مكي سنادة في دور خليل، وتحية زروق في دور سهير.
وشخصية سكينة هي شخصية الزوجة المغلوبة على أمرها؛ المقهورة التي تقاوم القهر بالكلام، حتى ولو كان كذبًا ومحض خيال، في مسرحية يحتل فيها الحوار حيزًا مقدرًا.
سكينة: يعني هسة ياها سهير الرابطاك بالبيت دا… ما كدى؟ طيب كويس، لكن كلامك دا ما تنكرو… وكدى في الأول خلى اليوم دا يمر بسلام، وبعدين تعال ردد لي كلامك دا تاني… شن دايرة عندك بعد دا؟ وشن داير عندي؟ كان قبيل كنت مجبورة، وبعد بتي تتعرس ما في شي بجبرني… وما تقول دي أنا ما كنت منتظراها منك!! من يومي عارفاك ما راجل عديلة ولا راجل طويلة… لكن القسمة. ثم في حنق: والزمن دا كلو ما تقول إنت الكنت ماسكني… وهي تدق صدرها بيدها: أنا الكنت ماسكاك… وما ماسكاك ريدة فيك، لكن مراعاة لي خاطر بتي… وياريتني ما كنت راعيت لي خاطرها…
الخاتمة:
هذه هي الممثلة فتحية محمد أحمد؛ فنانة بهذا العطاء الثر والمتميز، عطاء بدأ منذ ستينيات القرن الماضي، واستمر حتى وفاتها في مايو 2022.
أفليس من حقها علينا جميعًا أن نكرمها، وأن نضعها في المكانة التي تستحق، وأن نجعلها عصية على النسيان؟





