جنوب أم درمان يواجه أزمة مياه بعد توقف محطة الصالحة

أفق جديد
مع الساعات الأولى من الصباح، يتفقد سكان الأحياء والقرى جنوب محلية أم درمان صنابير المياه على أمل أن تعود إليها الحياة، لكن الانتظار يطول يومًا بعد آخر. فالانخفاض الحاد في مناسيب مياه النيل أدى إلى توقف المضخات الساحبة بمحطة مياه الصالحة، لتدخل آلاف الأسر في أزمة عطش جديدة، وتضطر إلى البحث عن مصادر بديلة للمياه في وقت تتفاقم فيه الأعباء المعيشية بفعل الحرب وتراجع الخدمات الأساسية. وبين جهود السلطات لإعادة تشغيل المحطة، ومعاناة المواطنين اليومية، تتجدد الأسئلة حول قدرة مرافق المياه على الصمود أمام المتغيرات الطبيعية والظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد.
تسبب الانخفاض الكبير في مناسيب مياه النيل في توقف المضخات الساحبة بمحطة مياه الصالحة عن العمل، ما أدى إلى شح في إمدادات مياه الشرب بعدد من الأحياء والقرى الواقعة جنوب محلية أم درمان.
وكشفت صور أقمار صناعية حديثة عن انحسار حاد في مناسيب النيل، مما أدى إلى خروج محطة مياه الصالحة الرئيسية عن الخدمة. وتُظهر صور القمر الصناعي الأوروبي “سنتنيال-2” التغير في مجرى النهر خلال شهر واحد، حيث توضح الصور بين 2 يونيو الماضي و12 يوليو الجاري ضيقًا في المجرى المائي الرئيسي وظهور مساحات جافة شاسعة كانت مغمورة بالمياه سابقًا.
وأعلنت حكومة ولاية الخرطوم عن خطة طوارئ شاملة لاحتواء الأزمة، تركزت على استنفار كافة آليات وحفارات الولاية للعمل على مدار الساعة بهدف إزالة الإطماء وفتح مسار مائي جديد نحو المضخات، مع توقعات بإعادة تشغيل المحطة خلال 48 ساعة.
كما وجه والي الخرطوم بإعادة تموضع المضخات الرئيسية ونقلها إلى مواقع أقرب للمجرى العميق للنهر لتفادي تقلبات المناسيب، بالإضافة إلى الشروع فورًا في حفر بئرين جوفيين عاليَي الإنتاجية كمصدر احتياطي للتشغيل في حالات الطوارئ.
وفي ظل انهيار البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وجد آلاف السكان أنفسهم مضطرين لشراء المياه بأسعار تفوق قدرتهم. وبينما تتفاقم المعاناة الإنسانية، تتصاعد المخاوف من الأمراض المرتبطة بتلوث المياه وغياب البدائل، في وقت يواجه فيه المواطنون ظروفًا اقتصادية ومعيشية بالغة القسوة.
وخلال جولة ميدانية واسعة في عدد من الأحياء السكنية جنوبي مدينة أم درمان، بدت آثار أزمة المياه واضحة في تفاصيل الحياة اليومية؛ طوابير طويلة أمام مصادر المياه، وأطفال ونساء يحملون الأواني لمسافات بعيدة، فيما تتوقف بعض الأنشطة لساعات بسبب انعدام المياه.

يقول هاشم حمد النيل، أحد سكان منطقة الصالحة، لـ”أفق جديد”: “منذ أيام لا تصل المياه إلى منزلنا إلا لساعات قليلة، وأحيانًا تنقطع تمامًا. أصبحنا نشتري المياه من عربات الكارو التي تجرها الدواب، لكن الأسعار ترتفع يومًا بعد آخر، وهذا يشكل عبئًا كبيرًا على الأسرة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة”.
أما عائشة يوسف، ربة منزل من جنوب أم درمان، فتقول لـ”أفق جديد”: “نقضي جزءًا كبيرًا من اليوم في البحث عن المياه. عندما لا نجدها في الشبكة نضطر إلى شراء براميل المياه من أصحاب الكارو، وأحيانًا ننتظر لساعات حتى تصل العربة إلى الحي. أكثر ما يقلقنا هو الأطفال وكبار السن الذين يحتاجون إلى المياه باستمرار”.
بدوره، يقول حسن يوسف، عامل يومية، لـ”أفق جديد”: “أعمل بالأجر اليومي، وما أكسبه بالكاد يكفي الطعام، لكن الآن أصبح جزء من الدخل يذهب لشراء المياه. لم نكن نتوقع أن نصل إلى مرحلة ندفع فيها مبالغ كبيرة مقابل شيء أساسي مثل مياه الشرب”.
من جهتها، تقول فاطمة إبراهيم، من إحدى القرى جنوب أم درمان، لـ”أفق جديد”: “بعد توقف محطة المياه، أصبح الاعتماد بالكامل على عربات الكارو. أحيانًا لا نجد من يبيع المياه، وإذا وجدناها تكون الكمية قليلة والسعر مرتفعًا. أصبح الحصول على المياه أصعب من الحصول على كثير من الاحتياجات الأخرى”.
عبد الرحمن الطيب، متقاعد، فرأى في حديثه لـ”أفق جديد” أن “هذه الأزمة ليست مجرد انقطاع للمياه، بل أزمة حياة يومية. نستيقظ مبكرًا في انتظار وصول عربة الكارو، وإذا تأخرت نقضي اليوم كله في تدبير احتياجاتنا بأقل كمية ممكنة من المياه. نأمل أن تعود المحطة إلى العمل سريعًا لأن المواطنين لم يعودوا يحتملون مزيدًا من المعاناة”.
وفيما تواصل الفرق الفنية أعمال الحفر وفتح مجرى جديد لإعادة تشغيل محطة مياه الصالحة، يبقى هم السكان منصبًا على عودة المياه إلى منازلهم في أسرع وقت. غير أن الأزمة تكشف في الوقت نفسه عن الحاجة إلى حلول أكثر استدامة، تعزز قدرة محطات المياه على مواجهة تقلبات مناسيب النيل، وتحمي واحدة من أكثر الخدمات حيوية من الانقطاع المتكرر. ففي بلد أنهكته الحرب وتراجعت فيه الخدمات، لم تعد المياه مجرد خدمة عامة، بل أصبحت شريان حياة يحدد تفاصيل يوم المواطنين ومعاناتهم.





