السودان الذي كان موجوداً.. دولة وشعب ومجتمع في الحقبة التي غابت عن الصورة الأميركية

محمد أحمد شبشة

حين كانت الصحافة الأميركية تتحدث عن السودان بين عامَي 1885 و1918، كانت تتحدث في الغالب عن حروب لم يخترها السودانيون، وأزمات دبلوماسية لم يكونوا طرفاً فيها، وأبطال أوروبيين لم تكن أرض السودان في نظرهم أكثر من مسرح لملاحمهم. غير أن خلف تلك الصورة المُصنَّعة كان ثمة بلد حقيقي يعيش ويتحول ويتصارع ويبني، بلد لم يكن غائباً عن الخريطة، بل كان غائباً عن عيون من كتبوا عنه، وهذا الغياب هو الذي يستدعي اليوم أن نعيد رسم الصورة من حيث يجب أن تُرسم، من داخل السودان نفسه.

في السادس والعشرين من يناير 1885، اليوم ذاته الذي سقطت فيه الخرطوم وقُتل فيه غوردون، لم يكن الحدث في عيون السودانيين أنفسهم مأساةً بريطانية، بل كان تحرراً وطنياً. كان محمد أحمد المهدي قد أشعل ثورته منذ 1881 في جزيرة أبا جنوبي الخرطوم، مستنداً إلى خطاب ديني-سياسي جمع بين رفض الاحتلال التركي-المصري الذي امتد منذ 1821، والنزوع نحو استعادة الكرامة والسيادة. وحين سقطت الخرطوم وانتهى الحصار، لم يستقر المهدي في العاصمة القديمة، بل أسس عاصمة جديدة في الضفة المقابلة من النيل؛ أم درمان، التي ستتحول خلال سنوات قليلة من قرية صغيرة إلى مدينة كبيرة تضم مئات الآلاف من السكان القادمين من أرجاء السودان كلها.

كانت أم درمان في زمن المهدية تجربة حضرية استثنائية بمعايير أي حقبة، إذ شهدت نمواً سكانياً متسارعاً لم تعرفه المنطقة من قبل؛ تدفق إليها المقاتلون وذووهم، والتجار، والعلماء، والحرفيون من كل أقاليم السودان، فأصبحت بحق مدينة جمعت في شوارعها تنوع السودان القبلي والجغرافي في مكان واحد. وقد أدار الخليفة عبد الله التعايشي، الذي خلف المهدي بعد وفاته في يونيو 1885، شؤون هذه الدولة الوليدة بنظام إداري وقضائي يستند إلى تفسيره للشريعة الإسلامية، وإن تضمن ذلك النظام قسوة في التطبيق وصراعات داخلية مع بعض القبائل والفصائل التي لم تقبل سلطته، إلا أنه أثبت قدرة على إدارة دولة موحدة امتد سلطانها على مساحات شاسعة لأكثر من ثلاثة عشر عاماً.

ولم تكن تلك السنوات الثلاث عشرة سنوات استقرار هادئ، بل كانت حقبة من الضغوط المتراكمة التي اختبرت قدرة الدولة المهدية على الصمود؛ حروب على الحدود الإثيوبية في الشرق، وصراع مع القوات المصرية في الشمال، ومقاومة داخلية من سلطنة دارفور التي حاولت استعادة استقلالها في الغرب، فضلاً عن كارثة المجاعة الكبرى بين عامَي 1888 و1892 التي حصدت ما يُقدَّر بمليون ونصف مليون روح سودانية، وكانت نتاج تضافر الجفاف والحرب والهجرة الداخلية. هذه المجاعة وحدها كانت حدثاً إنسانياً من الحجم الذي يستحق عناوين الصفحات الأولى في أي صحيفة تحترم نفسها، لكنها مرت في الصحافة الأميركية كهامش إن ذُكرت أصلاً، لأن الإطار الذي وُضع فيه السودان لم يكن يتسع للمعاناة الإنسانية السودانية بمعزل عن شخصية أوروبية تقودها.

وفي سبتمبر 1898 سقطت الدولة المهدية في معركة أم درمان، وانتهت بذلك حقبة من أكثر حقب التاريخ السوداني الحديث استثنائيةً. لكن ما لم تنقله الصحافة الغربية هو أن تلك الهزيمة لم تكن في وجدان كثير من السودانيين مجرد خسارة عسكرية، بل كانت نهاية تجربة استقلال حقيقية عاشها جيل كامل وورث ذاكرتها للجيل التالي، وهي ذاكرة ستظل تتردد في الوعي السوداني الجمعي لعقود طويلة حتى بعد أن أحكم البريطانيون قبضتهم على البلاد. وقد جرى توثيق الحكم الجديد في اتفاقية يناير 1899 التي أسست ما عُرف بالحكم الثنائي البريطاني-المصري — ثنائي على الورق، بريطاني في الجوهر — فيما واجهت الإدارة الجديدة سوداناً أنهكته الحرب والمجاعة، تراجع عدد سكانه من نحو سبعة ملايين قبل المهدية إلى ما بين مليونين وثلاثة ملايين بعدها.

ومن داخل هذا الواقع المُثقَل بدأت الإدارة البريطانية تُعيد رسم ملامح السودان وفق أولوياتها هي، لا وفق احتياجات أهله؛ فأسست عام 1902 كلية غوردون التذكارية التي ستصبح لاحقاً حاضنة النخبة المثقفة السودانية الأولى، وبدأت التخطيط لمشروع الجزيرة الزراعي الذي سيتحول إلى أكبر مشروع ري في العالم تحت إدارة واحدة، وذلك كله بهدف تحويل السودان إلى مورد للقطن يخدم مصانع لانكشاير البريطانية، لا بناء اقتصاد سوداني مستقل. وبينما كانت آلة الإدارة الاستعمارية تُعيد تشكيل البلد وفق منطقها الخاص، كان السودانيون يجدون طريقهم بهدوء نحو صياغة وعي جديد بذاتهم، وكان أبلغ دليل على هذا الوعي الناشئ ما جرى عام 1917 حين تأسس نادي الخريجين في أم درمان؛ لم يكن مجرد نادٍ اجتماعي، بل كان المساحة الأولى التي جلس فيها السودانيون المتعلمون ليتحدثوا عن بلدهم بأصواتهم هم، لا بأقلام المراسلين الأجانب، وليطرحوا أسئلة لم تطرحها عنهم أي صحيفة غربية: من نحن؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟.

كل هذا كان يجري في الوقت ذاته الذي كانت فيه منظمة الشراينرز في كارولاينا الشمالية تُسمي فرعها الجديد باسم “السودان”، غير مدركة أن البلد الذي استعارت اسمه كان يصنع في تلك اللحظة بالذات نخبته المثقفة الأولى، وأن وراء ذلك الاسم الذي بدا لهم رمزاً للفروسية الصحراوية والغموض الشرقي شعباً حقيقياً يبني مؤسساته ويُعيد تشكيل هويته ويمشي ببطء نحو وعي وطني سيقوده لاحقاً نحو الاستقلال. وهذه الهوة بين ما كان يُرى وما كان يجري فعلاً هي جوهر ما تحاول هذه السلسلة معالجته، وما تسعى المقالة الخاتمة إلى ربطه بالحاضر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى