الإسلام والعلمانية وأزمة الدولة لا أزمة الشعارات (5)

الدولة أولًا… ثم يختلف السودانيون كما يشاؤون

محمد عمر شمينا

بعد خمسة وسبعين عامًا من الاستقلال، وعشرات الانقلابات والانتفاضات، واتفاقيات السلام، والحوارات الوطنية، والحروب الأهلية، يبدو أن السودان يقف مرة أخرى أمام السؤال ذاته الذي ظل يطارده منذ نشأة الدولة الوطنية: كيف يمكن بناء دولة تستوعب هذا التنوع، وتحمي الجميع، وتبقى مستقرة مهما تبدلت الحكومات واختلفت التوجهات السياسية؟

لقد حاولت هذه السلسلة أن تنطلق من فرضية بسيطة، لكنها ربما كانت غائبة عن جانب كبير من النقاش السوداني، وهي أن الأزمة ليست في وجود الإسلام أو العلمانية في المجال العام، وليست في اختلاف السودانيين حول الهوية أو الثقافة أو المرجعيات الفكرية، وإنما في عجز الدولة عن إدارة هذا الاختلاف داخل إطار دستوري ومؤسسي يحظى بثقة الجميع.

ولذلك، فإن السؤال لم يكن يومًا: أي المشروعين ينتصر؟ بل كيف تبقى الدولة قائمة أيًّا كان المشروع الذي يختاره الشعب عبر الوسائل الدستورية؟

إن المجتمعات لا تصبح مستقرة لأنها تخلصت من الاختلاف، وإنما لأنها تعلمت كيف تديره. فالتعدد ليس عيبًا في تكوين الدولة السودانية، بل هو أحد أهم معطياتها التاريخية والاجتماعية. والخلل لم يكن في وجود هذا التنوع، وإنما في غياب القواعد التي تحول دون تحوله إلى صراع على السلطة أو إلى تنازع حول شرعية الدولة نفسها.

ومن هنا، فإن المستقبل لا يتوقف على الوصول إلى اتفاق سياسي جديد فحسب، بل على بناء ثقافة سياسية جديدة. ثقافة تؤمن بأن الدولة ليست ملكًا للحاكم، ولا للحزب، ولا للأغلبية، ولا لأي تيار فكري، وإنما هي ملك لجميع المواطنين. وأن الحكومات تتبدل، بينما تبقى الدولة مسؤولة عن حماية حقوق الجميع دون تمييز.

ولعل من أهم ما تحتاج إليه التجربة السودانية هو الانتقال من شرعية الأشخاص إلى شرعية المؤسسات. فقد أثبتت العقود الماضية أن التعويل على القيادات، مهما بلغت شعبيتها أو إخلاصها، لا يغني عن وجود مؤسسات مستقلة وقوية. فالأشخاص يرحلون، أما المؤسسات فهي التي تحفظ استمرارية الدولة وتمنع انهيارها عند كل أزمة.

كما أن بناء الدولة لا يكتمل من دون ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، باعتباره الأساس الذي تنتظم حوله بقية المبادئ الدستورية. فالمواطنة لا تطلب من الناس التخلي عن أديانهم أو ثقافاتهم أو انتماءاتهم، وإنما تضمن ألا تكون تلك الانتماءات سببًا للتمييز بينهم أمام القانون. وعندما يشعر كل مواطن أن الدولة تحمي حقوقه بالقدر نفسه الذي تحمي به حقوق غيره، تتراجع دوافع الصراع على هوية الدولة، لأن الجميع يصبحون شركاء فيها.

ولا يقل أهمية عن ذلك ترسيخ استقلال القضاء، ومهنية الخدمة المدنية، وحياد المؤسسات النظامية، واحترام التداول السلمي للسلطة، وخضوع الجميع لحكم القانون. فهذه ليست مبادئ قانونية مجردة، وإنما هي الضمانات العملية التي تمنع احتكار الدولة، وتجعل الانتقال السياسي ممكنًا من دون أن يتحول إلى تهديد لكيان الوطن.

ولعل الخطأ الذي تكرر كثيرًا في التجربة السودانية هو الاعتقاد بأن الوصول إلى السلطة يمثل نهاية الطريق، بينما أثبتت الوقائع أن الوصول إليها ليس سوى بداية اختبار أصعب، هو كيفية إدارتها وفق قواعد عادلة ودائمة. ولذلك، فإن بناء الدولة لا يبدأ بعد حسم الخلافات الفكرية، بل يبدأ قبل ذلك، حين يتفق المختلفون على أن خلافهم يجب أن يبقى داخل إطار الدولة، لا أن يتحول إلى صراع عليها.

وهذا ما يجعل العلاقة بين الإسلام والعلمانية، على أهميتها الفكرية والسياسية، جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بطبيعة الدولة الحديثة. فالدولة القادرة على حماية الحريات، وصيانة الحقوق، وضمان سيادة حكم القانون، تستطيع أن تستوعب التعدد في الاجتهادات والرؤى، لأن قوتها لا تستمد من فرض تصور واحد، بل من قدرتها على تنظيم التعدد بعدالة.

إن السودان اليوم في حاجة إلى مشروع وطني يتجاوز منطق الغلبة، سواء كانت غلبة السلاح أو غلبة العدد أو غلبة الأيديولوجيا. فالدول لا تستقر عندما ينتصر فريق على آخر، وإنما عندما يقتنع الجميع بأن الاحتكام إلى الدستور وحكم القانون هو البديل الوحيد عن الاحتكام إلى موازين القوة.

وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من العقود الماضية. فالحروب لم تبدأ لأن السودانيين اختلفوا، وإنما لأنهم لم يمتلكوا مؤسسات قادرة على إدارة اختلافهم. والاتفاقيات لم تتعثر لأنها افتقرت إلى النصوص وحدها، وإنما لأنها قامت، في كثير من الأحيان، على توازنات سياسية أكثر مما قامت على قواعد دستورية راسخة.

لقد حاولت هذه السلسلة أن تنقل النقاش من سؤال الهوية إلى سؤال الدولة، ومن سؤال السلطة إلى سؤال المؤسسات، ومن سؤال الشعارات إلى سؤال القواعد التي تجعل الدولة قادرة على البقاء مهما تغيرت الحكومات. وليس المقصود التقليل من أهمية النقاشات الفكرية، بل وضعها في مكانها الصحيح. فالأفكار تزدهر في ظل الدولة المستقرة، أما الدولة فلا يمكن أن تقوم على انتصار فكرة واحدة.

ويبقى الأمل معقودًا على أن تكون التجربة القاسية التي يمر بها السودان فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وأن يدرك السودانيون أن بناء الدولة ليس مشروع حكومة، ولا مهمة حزب، ولا مسؤولية جيل واحد، وإنما هو مشروع وطن بأكمله.

فإذا نجح السودانيون في بناء دولة يكون فيها الدستور فوق الجميع، وحكم القانون حاكمًا للجميع، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، فلن يكون اختلافهم حول الإسلام والعلمانية، أو غيرهما من القضايا الفكرية، سببًا لانقسامهم، بل سيصبح تعبيرًا طبيعيًا عن حيوية مجتمع يتنافس أبناؤه في إطار وطن واحد.

وعندها فقط، ربما يكتشف السودانيون أن السؤال الذي تأخروا كثيرًا في طرحه لم يكن: من يحكم السودان؟ ولا أي الشعارات تنتصر؟ وإنما: كيف نبني دولة تبقى لجميع السودانيين، قبل أن تكون لأي حكومة أو أي تيار؟ فحين تصبح الدولة هي المشروع المشترك، يمكن للاختلاف أن يبقى، لكن الوطن لن يكون هو ثمن ذلك الاختلاف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى