من نيو برن إلى الخرطوم.. حين يصبح النمط القديم مرآة للحاضر

محمد أحمد شبشة

في أبريل 2023 اندلعت الحرب في السودان. لم يكن ذلك مفاجئًا لمن يتابع السياسة السودانية عن كثب، لكنه كان مفاجئًا لوسائل الإعلام الغربية والأميركية التي وجدت نفسها فجأة أمام بلد لم تكن تعرف عنه شيئًا يُذكر منذ عقود، فلجأت إلى ما هو أسهل وأسرع: الإطار القديم ذاته الذي صنعته صحافة غوردون وكيتشنر وبوليتزر وهيرست. عاد السودان إلى الصفحات الأولى بوصفه أرض فوضى وصراع وكارثة إنسانية، وعادت معه الأسئلة التي لم تتغير في جوهرها منذ مئة وأربعين عامًا: من يُسيطر؟ ومن يتقدم؟ وكم عدد القتلى؟ أما السؤال الذي لم يُطرح، فكان كالعادة هو الأهم: من هم السودانيون الذين يعيشون هذه الحرب؟

هذا ليس حكمًا على النوايا، بل هو رصد لنمط. فالصحفي الغربي الذي غطّى الحرب السودانية عام 2023 لم يكن يحمل، في أغلب الأحيان، خلفية كافية عن تاريخ البلد وتركيبته الاجتماعية وجغرافيته السياسية وتعقيدات علاقاته الإقليمية، لأن مؤسساته الإعلامية لم تكن تستثمر في هذه الخلفية أصلًا في سنوات السلم، وحين اندلعت الحرب لم يكن الوقت يتسع لبناء ما لم يُبنَ. وهكذا جرى ما يجري دائمًا في أوقات الأزمات: اختزال البلد في معادلة بسيطة تُتيح تغطية سريعة، وإطار جاهز يُغني عن الفهم العميق، وشخصيتان أو ثلاث في المقدمة تحمل الرواية كلها على أكتافها، بينما يبقى الشعب في الخلفية رقمًا في إحصاء النازحين والقتلى.

والمقارنة مع ما رصدناه في المقالات السابقة ليست مجازية، بل هي حرفية في بعض تجلياتها؛ فكما انصبّ اهتمام الصحافة الأميركية عام 1884 على غوردون المحاصر لا على السودانيين المحيطين به، انصبّ اهتمام قدر كبير من التغطية الغربية لحرب 2023 على شخصية البرهان وشخصية حميدتي وحساباتهما وتنافسهما، بينما ظل المجتمع السوداني، بتاريخه ونسيجه وقدرته على المقاومة والصمود، في الهامش. وكما لم تسأل الصحافة القديمة عن معنى الثورة المهدية للسودانيين أنفسهم، لم تسأل كثير من التغطيات الحديثة عن معنى هذه الحرب للمدني السوداني الذي يعيشها يوميًا، عن الطواقم الطبية التطوعية التي ظلت تعمل تحت القصف، وعن لجان المقاومة التي حوّلت الأحياء إلى شبكات دعم، وعن المثقفين والكتّاب والفنانين الذين واصلوا توثيق ما يجري وسط الدمار.

ثمة فارق شكلي ينبغي الإقرار به، لكن دون المبالغة في أثره: الصحافة الغربية والأميركية في عام 2023 لم تكن نسخة طبق الأصل من صحافة 1884؛ فبعض الصحف الأميركية الكبرى باتت تُوظّف مراسلين سودانيين يكتبون بمعرفة داخلية وحساسية مختلفة، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي تتيح للسودانيين أنفسهم إيصال صوتهم مباشرة، بما لم يكن متاحًا في أي حقبة سابقة. بل إن الولايات المتحدة كانت تبث قبل الحرب إذاعة موجهة للسودان باسم “سوا”، تتحدث العربية وتخاطب السودانيين بأصواتهم وبلغتهم. غير أن هذا التطور الشكلي لا يُغيّر البنية الداخلية للمشروع؛ فالمراسل السوداني يعمل في مؤسسة تحكمها أولويات تحريرية لا يصنعها هو، وإذاعة “سوا” كانت، في نهاية المطاف، أداة في السياسة الخارجية الأميركية لا منبرًا للتعبير السوداني الحر. تغيّرت الوجوه والأدوات، لكن المنطق الذي يضع المصلحة الأميركية أولًا، ومصلحة الشعب السوداني في مرتبة تالية، ظل هو ذاته الذي حكم تغطية بوليتزر وهيرست قبل أكثر من قرن، وهو المنطق الذي يجعل التطور الشكلي في التغطية تحسينًا في الأداء لا تحولًا في الجوهر.

وهنا تلتقي نقطة البداية بنقطة النهاية. حين هُدم معبد السودان في نيو برن عام 2026 ليحل محله موقف سيارات، لم يكن أحد في المدينة يعلم أن البلد الذي يحمل الاسم ذاته كان يعيش واحدة من أشد كوارثه الإنسانية في تاريخه الحديث. لم يكن ثمة رابط في وعي سكان نيو برن بين الاسم المنقوش على المبنى القديم وبين الحرب الدائرة على بعد آلاف الأميال. وهذا الانفصال التام بين الاسم والحقيقة، بين الرمز والإنسان، هو ما تحاول هذه السلسلة أن تقوله في نهاية المطاف: أن بناء الصورة الذهنية عن الشعوب والبلدان ليس عملية محايدة، بل هو فعل ذو ثمن يدفعه أصحاب الأرض حين تُختزل حياتهم في رمز يُستعار ويُوظَّف ثم يُهدم ليحل محله موقف سيارات.

والسؤال الذي تتركه هذه السلسلة مفتوحًا ليس سؤالًا عن الماضي، بل عن الحاضر: هل يمكن لصحافة اليوم، بأدواتها الجديدة وإمكاناتها غير المسبوقة، أن تنجح أخيرًا في رؤية السودان كما يراه أهله، أم أن الإطار الذي صنعته صحافة غوردون وكيتشنر وبوليتزر وهيرست أعمق وأرسخ مما نتخيل؟

ملاحظة منهجية

يستند هذا المقال في مادته إلى المصادر المتاحة مفتوحة الوصول على الشبكة، من موسوعات أكاديمية ومراجع تاريخية ودراسات منشورة تتناول تلك الحقبة، فضلًا عن نماذج موثقة من أرشيف Chronicling America التابع لمكتبة الكونغرس الأميركية، ومنها صحيفة Cheyenne Transporter بتاريخ أغسطس 1884، وصحيفة The Evening Herald بتاريخ يناير 1899، وصحيفة The Pensacola Journal بتاريخ يونيو 1922. غير أن البحث المنهجي الكامل في ذلك الأرشيف يتطلب الدخول المباشر إلى قواعد بيانات متخصصة لم يتسنَّ الوصول إليها في إعداد هذه السلسلة، كقاعدة ProQuest Historical Newspapers. لذا فإن ما يُقدَّم هنا قراءة صحفية تحليلية تطرح أسئلة تستحق أن يتولاها باحث متفرغ بأدواته الكاملة، وكل استنتاج وارد فيها مفتوح للمراجعة والتصحيح في ضوء ما قد يكشفه البحث الأرشيفي المباشر مستقبلًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى