خديجة آدم.. قصة امرأة أنهكتها الحروب
"كريادنقو".. حكايات لا يسمعها دعاة القتال لكنهم يصنعونها

كريادنقو – سمر سليمان
قبل أن تبدأ الحاجة خديجة آدم حديثها، كانت تحدق في الأفق البعيد، كأنها تبحث بعينيها عن شيء ضاع منها منذ زمن طويل. حولها كان الأطفال يملأون فناء المأوى حركةً وضجيجًا؛ بعضهم يركض حافي القدمين، وآخرون ينتظرون دورهم للحصول على الماء أو وجبة الطعام. أما هي، فكانت تجلس أمام كرنك صغير صنعته من المشمع وسيقان الأشجار، لا يصد حر الشمس، ولا يقوى على مقاومة المطر.
داخل ذلك الكرنك لم يكن هناك ما يروي حكاية بيت كان يومًا عامرًا بالحياة. لا أثاث، ولا مقتنيات، فقط فرشات مبسوطة على الأرض، وبضعة أوانٍ للطهي، وجركانات ماء، وأطفال يحاولون النوم ليلًا رغم الحر والخوف ولسعات الحشرات.
الحاجة خديجة ليست امرأة دفعتها حرب واحدة إلى اللجوء، بل امرأة ترى أن حياتها كلها كانت سلسلة متصلة من الحروب. قالت وهي تستعيد سنواتها الطويلة:
“أنا خديجة آدم… قضيت عمري كلو في الحروب. من أول حرب قامت في دارفور لحدي الحرب الحالية، ما عرفنا الراحة.”

تتوقف قليلًا، ثم تضيف بحسرة:
“بس الحرب دي زلتنا زلة… والحرب ما فيها خير، أفقرتنا وأخذت كرامتنا.”
لم تكن كلماتها مجرد وصف لمعاناة عابرة، بل خلاصة عمر طويل من الفقد. فقدت زوجها، ورحل كثير من أقاربها، ثم جاءت الحرب الأخيرة لتفتح جرحًا جديدًا حين اختفت ابنتها وزوجها قبل ثلاث سنوات، ومنذ ذلك اليوم لم يصل عنهما أي خبر.
تحاول أن تتمالك دموعها وهي تقول:
“بقيت وحيدة… بنتي وزوجها مفقودين، وما عارفين هم وين.”
لكن الغياب ليس أكثر ما يؤلمها. ما يكسر قلبها حقًا هو أسئلة حفيدها الصغير، الذي يستيقظ كل صباح منتظرًا أن يعود والداه.
“كل يوم يسألني: وين أمي؟ وين أبوي؟ وأنا ما عندي جواب. مرات أسكت، ومرات أقول ليه ربنا يجمع بيهم قريب.”
تنكس رأسها قليلًا، ثم تضيف بصوت خافت:
“وجع الطفل ده أصعب من وجعي.”

ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد. فابنتها الأخرى فقدت زوجها أيضًا، وأصبحت مسؤولة عن خمسة أطفال، بينما احتضنت الأسرة أربعة أطفال آخرين فقدوا والديهم. وهكذا تحول المأوى الصغير، رغم ضيقه، إلى ملاذ لتسعة أطفال جمعتهم المأساة ذاتها.
تقول الحاجة خديجة:
“ما عندنا زول يعولنا. الأولاد لسه صغار، وما في شغل وما في دخل. معتمدين على الوجبة المجانية، وإذا وقفت الله أعلم ناكل شنو تاني.”
كانت تتحدث بهدوء، لكن ملامح التعب كانت واضحة على وجهها. فهي لا تواجه الفقر وحده، بل المرض أيضًا.
“أنا عيانة، وما عندي حق العلاج. دعم المنظمات وقف، والدواء ما بقدر أشتريه عشان ما عندي قروش.”
حتى الماء، أبسط حقوق الإنسان، أصبح بالنسبة إليها رحلة يومية شاقة. فالمصدر القريب مياهه مالحة، لا تصلح للشرب ولا حتى للاستحمام، ولذلك تضطر إلى السير مسافات طويلة وهي تحمل الجركانات فوق رأسها.
“كل يوم بشيل خمسة أو ستة جركانات. رقبتي وظهري بقوا يوجعوني، لكن ما في زول يشيل مكاني.”
ثم تبتسم ابتسامة صغيرة وتقول:
“الجسم خلاص تعب.”
داخل المأوى تحاول الأسرة أن تتأقلم مع حياة لم تخترها. فعندما تشرق الشمس يتحول المشمع إلى مصدر للحرارة، وعندما يهطل المطر تتسرب المياه إلى الداخل.
“بالنهار حر شديد، وبالليل برد، والمطر يصب علينا. بننام كلنا في الأرض، ونخاف من الحشرات، لكن نقول الحمد لله.”
وحين يُسأل الإنسان عما يفتقده أكثر، قد يتحدث عن بيت أو أرض أو عمل. أما الحاجة خديجة فتستحضر أشياء تبدو بسيطة، لكنها أصبحت بالنسبة إليها رفاهية بعيدة.
“والله ما بتذكر آخر مرة شربت فيها شاي بسكر، ولا أكلت لحمة، ولا ذقت فاكهة.”
ثم تضحك بخجل، كأنها تعتذر لأنها تتحدث عن أحلام صغيرة لم تعد في متناولها.
لكن الذكرى الأقسى ما تزال تسكنها. تتذكر يوم خرجت مع أسرتها هاربة من الموت. لم يكن لديهم وقت لجمع أمتعتهم، ولا حتى لتوديع بيتهم. كل ما فعلوه أنهم مشوا.
“مشينا حوالي عشرين يومًا على رجلينا… كنا ما عارفين نمشي وين.”
وخلال الرحلة لم يكن الطعام متوفرًا.

“كنا نشرب الدقيق مع الموية عشان نسكت الجوع ونواصل المشي.”
تصمت لحظات، وتنظر إلى الأرض، كأنها تستعيد وجوه الذين فقدتهم أو الطريق الطويل الذي عبرته. ثم تقول:
“خلينا بيوتنا وأرضنا ومزارعنا وكل تعب السنين.”
وتضيف بصوت يكاد لا يُسمع:
“طلعنا وما معانا إلا أرواحنا.”
ورغم كل ذلك، ما زالت تؤمن بأن الأمل آخر ما يمكن أن يخسره الإنسان. لا تطلب الكثير، فقط تريد أن تعرف أين ابنتها. هل ما زالت على قيد الحياة؟ وهل ما تزال، هي الأخرى، تنتظر من يبحث عنها؟
تقول:
“أتمنى أسمع أي خبر عنها… أي خبر. تعبت يا بتي.”
ثم تضيف أمنيتها الثانية، وهي الأمنية التي تختصر كل شيء:
“وأتمنى الحرب تقيف… تعبنا.”
وقبل أن ينتهي الحديث، تنظر الحاجة خديجة إلى الأطفال الذين يلعبون أمام الكرنك، ثم تطرح سؤالًا لا يبدو أنه موجه إلى شخص بعينه، بل إلى كل من يحمل السلاح:
“هل الناس المتحاربين ديل حاسين بينا؟”
ساد الصمت للحظات، قبل أن تختم حديثها بمثل شعبي يلخص رحلة عمرها كلها:
“الطلع من دارو قل مقدارو.”
الحاجة خديجة ليست سوى واحدة من آلاف النساء السودانيات اللواتي دفعن ثمن الحرب مضاعفًا. فقدن الأزواج والأبناء، وتحولن من أمهات وربات بيوت إلى معيلات لأسر كاملة، يحملن الماء على رؤوسهن، ويبحثن كل يوم عن وجبة تكفي الأطفال، فيما يترقبن خبرًا عن مفقود، أو نهايةً للحرب، أو بابًا يفتح نحو حياة أكثر كرامة.
وفي نهاية الحوار، لم تطلب الحاجة خديجة مالًا، ولا منزلًا جديدًا، ولا تعويضًا عما فقدته. كانت أمنيتها أبسط من كل ذلك، وربما الأصعب تحقيقًا:
“يا بتي… بس عايزين الحرب تقيف.”





