شباب السودان… أحلامٌ مؤجلة ومستقبلٌ مجهول

طارق فرح
دعيتُ إلى مناسبة زفاف، وجلستُ إلى جوار صديق. وبينما كان العريس يدخل تتقدمه كوكبةٌ من أصدقائه وأقاربه، أخذنا نتأمل وجوه الشباب الذين ملؤوا المكان حيويةً وفرحًا.
وبينما كنا نتابع دخولهم، قادنا الحديث إلى ما آلت إليه أحوال جيلهم بعد الحرب؛ جيلٍ كان يستعد للحياة، فإذا به ينشغل بالنجاة.
عندها قال صديقي بهدوء: “هؤلاء هم في عمر العطاء.”
كانت جملةً قصيرة، لكنها فتحت بابًا واسعًا للتأمل.
فأمامنا شبابٌ بذل آباؤهم وأمهاتهم أعمارهم في تربيتهم وتعليمهم، وحلموا أن يروهم أطباء ومهندسين ومعلمين ومبدعين ورواد أعمال، يقودون نهضة السودان، ويسهمون في إعادة بناء وطنهم.
هذا هو العمر الذي يُفترض أن تُبنى فيه الأحلام، وتُؤسَّس فيه الأسر، ويُسهم فيه الشباب بعلمهم وعملهم في صناعة مستقبل بلادهم.
لكن الحرب جاءت لتقلب المشهد كله.
دمرت المدن والقرى، وعطلت الأحلام، وأوقفت الدراسة، وأغلقت أبواب العمل، وفرقت الأسر، وحولت آلاف الشباب إلى نازحين داخل وطنهم أو خارجه. حمل كثيرون شهاداتهم في حقائب السفر، وتركوا خلفهم بيوتًا وذكرياتٍ ومستقبلًا كانوا يرسمون ملامحه.
واليوم، يتوزع شباب السودان بين مخيمات النزوح، ومدن الاغتراب، ومطارات الغربة. بعضهم يعمل في مهن لا تمت إلى تخصصه بصلة، وبعضهم لا يزال ينتظر فرصةً ليبدأ من جديد، وآخرون يعيشون على أمل أن يعودوا يومًا إلى وطنٍ يسع أحلامهم.
وفي وسط هذا المشهد القاسي، ثمة شباب فرضوا على الظروف إرادتهم. بعضهم فتح مشروعًا صغيرًا في بلد النزوح، وبعضهم قبل عملًا بعيدًا كل البعد عن تخصصه، غير آبهٍ باختلافه عن مجاله، لأن الحياة لا تنتظر. جمعهم جميعًا أمل واحد: أن يعودوا يومًا إلى وطنهم. وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
لم يخسر هؤلاء الشباب وحدهم، بل خسرت معهم أسرٌ بذلت أعمارها في تربيتهم وتعليمهم، وكانت ترى في نجاحهم ثمرة سنواتٍ من التضحية. وخسر السودان كذلك عقولًا وسواعد كان في أمسّ الحاجة إليها، في لحظةٍ كان أحوج ما يكون فيها إلى كل يدٍ تبني، وكل عقلٍ يبدع.
إن أخطر ما تفعله الحروب ليس أنها تُسقط المدن، بل إنها تستنزف الإنسان. فهي تسرق من الشباب أجمل سنوات أعمارهم؛ سنوات كان ينبغي أن تُستثمر في الدراسة والعمل، وتأسيس الأسر، وبناء الوطن. وما يُنتزع من عمر الإنسان لا تعوضه السنوات اللاحقة مهما طال الزمن.
رغم كل هذا الألم، فإن الحرب لا ينبغي أن تنتصر مرتين؛ مرةً حين تقتلع الشباب من أوطانهم، ومرةً حين تقتلع الأمل من نفوسهم.
ولذلك، فإن أكبر تحدٍ أمام شباب السودان اليوم هو ألا يسمحوا للحرب بأن ترسم نهاية قصتهم. قد لا تكون الظروف التي يعيشونها من اختيارهم، لكن ما يصنعونه من هذه الظروف هو خيارهم. فمن واصل التعلم كلما سنحت الفرصة، ومن طوّر مهاراته، ومن قبل بالعمل الشريف حتى إن لم يكن في مجال تخصصه، إنما كان يقاوم الحرب بطريقته الخاصة. فكل خبرة تُكتسب، وكل معرفة تُضاف، هي خطوة نحو المستقبل، واستثمار في اليوم الذي يعود فيه السودان إلى النهوض من جديد.
وفي المقابل، تبقى مسؤولية الجميع أن يعملوا من أجل إنهاء هذه الحرب، لأن استمرارها يعني استمرار نزيف الوطن، وضياع المزيد من أحلام شبابه. فلا سلام والملايين بعيدون عن ديارهم، ولا نهضة والجامعات معطلة، والعقول مهاجرة، والشباب منشغلون بالبحث عن الأمان بدلًا من صناعة المستقبل.
ربما تستطيع الأوطان، مع مرور الزمن، أن تعيد بناء ما هدمته الحروب من طرقٍ وجسورٍ ومدارسٍ ومبانٍ، لكن أصعب ما يمكن استعادته هو سنوات الشباب التي ضاعت، والأحلام التي أُجِّلت، والطاقات التي تفرقت في المنافي، والعقول التي كان مكانها الطبيعي أن تكون في ميادين البناء، لا على طرقات النزوح.
وأنا أغادر قاعة الزفاف، ظلت عبارة صديقي تتردد في ذهني: “هؤلاء هم في عمر العطاء.”
وتمنيت، كما يتمنى كل سوداني، أن يأتي اليوم الذي يعود فيه شبابنا إلى وطنهم، لا يحملون حقائب النزوح، بل يحملون علمهم، وخبراتهم، وأحلامهم… ليكتبوا بأيديهم الفصل الأجمل في تاريخ السودان.





