إعادة إعمار السودان: استعادة ما نُهب واستحقاق ما دُمّر

مقال تحليلي في اقتصاديات وسياسات إعادة الإعمار بعد الحرب

عمر سيد احمد

|باحث في الاقتصاد السياسي السوداني |خبير مصرفي ومالي مستقل

Email:  o.sidahmed09@gmail.com

يوليو 2026

 

مقدمة: عدّاد لا يُصفَّر بالحرب وحدها

هناك فرضية شائعة في أدبيات ما بعد الحرب مفادها أن الحروب “تصفّر العداد” وتمنح فرصة للبدء من جديد. هذه الفرضية صحيحة جزئياً وخطيرة جزئياً. صحيحة لأن الحرب فعلاً تكسر الجمود المؤسسي وتفتح الباب لإعادة تصميم العقد الاقتصادي والاجتماعي. وخطيرة لأنها قد تُستخدم لتبرئة أربعة عقود من سوء الإدارة والنهب المنظم، وكأن الحرب هي التي خلقت الأزمة لا أنها كشفتها وضاعفتها.

الأصحّ أن السودان اليوم أمام مهمتين متداخلتين لا مهمة واحدة: إصلاح ما خلّفته الحرب من دمار مادي غير مسبوق، واستعادة ما راكمته عقود من غياب العدالة والتخطيط من نهب واختلال بنيوي. من يخلط بين المهمتين سينتج حلولاً جزئية؛ ومن يفصل بينهما تماماً سيعيد إنتاج نفس الشروط التي أنتجت الحرب.

طبيعة الدمار ولماذا التاريخ وحده لا يكفي

مقارنة الدمار الحالي بحروب تاريخية كبرى — غزوات المغول، حروب القبائل الجرمانية على الإمبراطورية الرومانية — ليست مبالغة بلاغية بقدر ما هي محاولة لقياس حجم الكارثة بمقياس يتجاوز الذاكرة السياسية القريبة. لكن هذه المقارنة تكشف أيضاً حدود الاستفادة من التاريخ: تلك الحروب دُمِّرت فيها ممالك ولم تُعِد بناء نفسها بأدوات القرن الحادي والعشرين من نظم مصرفية وصناديق سيادية وتمويل دولي مشروط.

الدرس المفيد من خطة مارشال ليس تفاصيلها التقنية، بل مبدأها التأسيسي: الاعتراف الصريح بالخطأ قبل الشروع في البناء، والتخطيط المركزي لكنه موزَّع التنفيذ عبر العمل الجماعي واللامركزية. هذا مبدأ قابل للاستعارة، وله أيضاً جذر في المرجعية الدينية والتاريخية المحلية: فقه اعتبار الناس شركاء في الماء والنار والكلأ، وممارسات الخلفاء الراشدين في إدارة الموارد المشتركة كأساس للتكافل الاجتماعي، يحمل المنطق نفسه الذي قامت عليه خطة مارشال لاحقاً بقرون: أن الموارد الحيوية لا يجوز احتكارها من فئة على حساب الجماعة، وأن إعادة البناء تبدأ بالاعتراف بالخطأ قبل أي شيء آخر. أما آليات التمويل والتوزيع العملية فيجب أن تُبتكر لخصوصية الحالة السودانية: اقتصاد ريعي، تهريب موارد منظم عبر عقود، انقسام طبقي وجهوي استُثمر فيه سياسياً، ومديونية خارجية ضخمة سبقت الحرب أصلاً.

المهمات الثلاث لإعادة الإعمار

جبر الضرر والعدالة الانتقالية

جبر الضرر ليس بنداً محاسبياً فقط، بل هو الأساس الذي يمنع تحوّل المرارة إلى مخزون رغبة في الانتقام. ثلاثة عناصر متلازمة هنا:

التعويض المادي (عيني ونقدي) للمتضررين مباشرة من القتل والتهجير وتدمير الممتلكات.

قضاء عادل يمنع الإفلات من العقاب، لأن غياب المحاسبة هو ما يحوّل الضحايا إلى خزّان غضب طويل الأمد.

معالجة الجذر الطبقي والجهوي للانقسام، أي الاعتراف بأن الفجوة بين “مترفين ومعدمين” لم تكن قدراً طبيعياً، بل نتاج سياسات ومصالح، بعضها محلي وبعضها له امتداد تفسيري تدخّل لصياغته على أسس إثنية ومناطقية وخدم أطرافاً استغلت هذا الانقسام في تأجيج الحرب.

العدالة الانتقالية هنا وظيفتها مزدوجة: قانونية (محاسبة) واقتصادية (كسر آلية إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال).

إعادة إعمار المرافق والمنشآت

هذه هي المهمة الأكثر وضوحاً من الناحية الهندسية والأصعب من ناحية التمويل: مرافق الخدمات، المنشآت الإنتاجية، الأعيان المدنية للقطاعين العام والخاص. المسؤولية الأولى هنا على الدولة، لكن دورها الحاسم ليس التنفيذ المباشر لكل شيء، بل تحديد أدوار الشركاء: أين يتدخل القطاع الخاص القادر اقتصادياً، وأين يتدخل المجتمع المدني، وأين تبقى الدولة الفاعل الوحيد (كالبنية التحتية الاستراتيجية والخدمات الأساسية التي لا يجوز تسليعها بالكامل، كالتعليم والصحة).

خطة تنمية متوازنة قطاعياً وإقليمياً

هذه هي المهمة التي تمنع تكرار الدورة: توازن بين قطاع الخدمات وقطاع الإنتاج والبنية التحتية والتنمية البشرية، وتوازن جغرافي بين المركز والأقاليم وبين الأقاليم نفسها. غياب هذا التوازن تحديداً — تركّز الاستثمار والخدمات في الخرطوم على حساب الأطراف — هو أحد الجذور البنيوية للحرب، وليس نتيجة عرضية لها. لذلك فإن اقتراح إنشاء بنية إنتاجية أساسية (مطاحن، مسالخ، صوامع غلال) في كل ولاية من الولايات الثماني عشرة ليس شعاراً لامركزياً فحسب، بل تصحيح لمسار اقتصادي ظل لعقود يكافئ المركز ويعاقب الأطراف.

التمويل — الترتيب المنطقي للمصادر

الفكرة الأهم في أي تصور واقعي لإعادة الإعمار هي ترتيب أولويات التمويل، لا فقط تعدادها. التسلسل المقترح منطقي: استنفاد الموارد الوطنية أولاً (بالجنيه والعملة الصعبة)، ثم اللجوء للتمويل الدولي. هذا الترتيب مهم لسببين: يقلل الاعتماد على شروط خارجية قد تكون مكلفة سياسياً، ويمنح السودان موقفاً تفاوضياً أقوى حين يتفاوض من موقع من استنفد أدواته الذاتية لا من موقع العاجز الكامل.

الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي

من أبرز عناصر هذا الملف ما يُعرف بـ”الشركات الرمادية” — كيانات عملت خارج السجل التجاري الرسمي ودون التزامات ضريبية معلنة. بحسب ما أورده البروفيسور شيخون في تسجيل مصوَّر متداول، ظهرت هذه الشركات في أواخر عهد نظام الإنقاذ، وقُدِّر عددها وقتها بنحو 500 شركة، بينما صرّح من وصفه بـ”عرّاب الاقتصاد” في ذلك النظام بأن العدد الفعلي وصل إلى نحو 8000 شركة.

وبحسب المصدر نفسه، أظهرت لجنة اقتصادية وطنية بعد سقوط النظام أن ما لا يقل عن 95% من الكتلة النقدية للبلاد كان خارج النظام المصرفي الرسمي، مخزَّناً لدى فئة محدودة، بقيمة تُقدَّر بنحو 900 تريليون جنيه سوداني. ويربط الطرح ذاته هذه الكتلة بثلاثة مسارات: السيطرة على نحو 70% من إنتاج الذهب وتهريبه، والاستيلاء على تحويلات مغتربين سودانيين بعيداً عن القنوات الرسمية، وتمويل صادرات زراعية دون إعادة عائداتها للخزينة العامة.

هذه الأرقام تصريح منسوب لمصدر واحد (فيديو متداول لبروفيسور شيخون) ولم تخضع بعد لتدقيق رسمي مستقل أو تحقيق حكومي معلن النتائج، وتستحق أن تُعامل كحجة مطروحة للنقاش لا كبيانات رسمية مؤكدة. لكن جوهر الظاهرة التي تشير إليها — اقتصاد موازٍ كبير الحجم، تهريب موارد سيادية كالذهب، وتحويلات مغتربين تسير خارج القنوات الرسمية — موثّق بما يكفي في تقارير مؤسسات دولية ومحلية متعددة ليكون نقطة انطلاق جادة لأي إصلاح، بصرف النظر عن دقة الأرقام بعينها.

والأهم من الأرقام نفسها هو الأثر المباشر الذي يربطه الطرح ذاته بحياة المواطن: فقدان الدولة لمصادر تمويل كانت تغطي مجانية التعليم والصحة ودعم سلع أساسية كالخبز والدواء، وتحوّل السودان -بحسب هذا الطرح- إلى استيراد ما يقارب 95% من احتياجاته حتى في سلع زراعية بسيطة كالثوم والبن، رغم أن البلاد تمتلك أصلاً مقومات الاكتفاء الزراعي. ويُنسب لنفس المصدر تقدير أن نحو 75% من السكان باتوا يعيشون تحت خط الفقر نتيجة هذا المسار. هذا الربط هو ما يحوّل ملف “الشركات الرمادية” من قضية مالية تقنية إلى قضية عدالة اجتماعية مباشرة: فجوة الفقر لم تنشأ من ندرة الموارد، بل من احتكار عائداتها.

أدوات مقترحة لإعادة إدماج هذه الموارد:

تبديل العملة كأداة لإجبار جزء من الكتلة النقدية غير المصرفية على العودة للنظام الرسمي. المهم هنا أن الطرح المنسوب للمصدر لا يقدّم نسبة الـ50% كهدف مالي مجرّد، بل يؤطّرها كمسألة عدالة بالدرجة الأولى: أموال خرجت من الاقتصاد الرسمي عبر التهريب والتهرب الضريبي ونهب الموارد العامة على مدى عقود، فمن العدل أن يُعاد جزء منها -عبر آلية إلزامية كتبديل العملة- لتمويل جبر الضرر الذي وقع أصلاً على الشعب الذي حُرم من عائدات هذه الموارد. بهذا المعنى فإن تبديل العملة ليس مجرد أداة نقدية لضبط السيولة، بل امتداد لمنطق جبر الضرر نفسه الذي تناولناه في المهمة الأولى: استرداد ما نُهب لتعويض من نُهب منه. وهذا التأطير يمنح المقترح شرعية أخلاقية أقوى من مجرد كونه إجراءً تقنياً، لكنه لا يلغي المخاطر التنفيذية: في سياق انهيار الثقة بالجهاز المصرفي، قد تدفع النقد للاختباء أكثر بدل عودته، وتضرب صغار المدخرين قبل كبار المتحايلين إن لم تُصمَّم بعناية فائقة (سقوف استبدال، آليات كشف تدريجي، حماية للمدخرات الصغيرة، وربط واضح بين المبالغ المستعادة وبنود إعادة الإعمار حتى لا يبدو الإجراء مصادرة بلا مقابل). فالعدالة التي يستند إليها المقترح تتحقق فعلياً فقط إذا رأى الناس أثر هذه الأموال بوضوح في إعادة بناء ما دمّرته الحرب، لا إذا تحوّلت إلى رقم في موازنة مغلقة.

اعتبار الذهب سلعة سيادية والدولة المشتري الوحيد، على نمط تجربة غانا. هذا خيار له سابقة ناجحة نسبياً، لكنه يتطلب شرطاً مؤسسياً لم يتوفر بعد في السودان: جهاز رقابي نزيه وقادر على منافسة شبكات التهريب القائمة، وإلا تحوّل الاحتكار القانوني إلى احتكار غير رسمي جديد.

المديونية الخارجية

الدين الخارجي السوداني كان قبل الحرب في نطاق يتراوح — بحسب المصدر والتاريخ — بين نحو 56 و60 مليار دولار تقريباً، مع توقعات صندوق النقد الدولي في وقتها بأن تطبيق مبادرة تخفيف ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC) كان يمكن أن يخفضه إلى نحو النصف. المسار الذي بدأته حكومة حمدوك نحو الانضمام لهذه المبادرة تعطّل بعد انقلاب 2021 ثم بالحرب. أي عودة لهذا الملف اليوم تعني التفاوض من موقع أضعف مما كان عليه السودان عام 2021، لأن الحرب أضافت دماراً يحتاج تمويلاً إضافياً في وقت تراجعت فيه القدرة التفاوضية والمؤسسية للدولة.

الدرس من مسار 2021 ليس فقط الأرقام، بل الشرط: أي تخفيف ديون أو دعم دولي جاء ويأتي مشروطاً بإصلاحات اقتصادية (توحيد سعر الصرف، ترشيد الدعم، إصلاح ضريبي، حوكمة مصرفية). التعامل الواعي مع هذا الملف يعني تفادي تكرار خطأ الماضي: قبول شروط تقشفية دون معالجة موازية لجذر الفساد وتهريب الموارد، لأن ذلك يعني ببساطة تمويل الفجوة بينما يستمر النزيف من نفس الثقوب.

صندوق سيادي موحّد كأداة تنسيق

اقتراح تجميع كل هذه المصادر — الموارد الوطنية بالجنيه والعملة الصعبة، عائدات إعادة إدماج الاقتصاد الموازي، التمويل الدولي بأنواعه — في صندوق سيادي واحد له منطق إداري قوي: يمنع تشتت التمويل بين جهات متعددة بلا تنسيق، ويسهّل المساءلة لأن مصدراً واحداً للتمويل أسهل في التدقيق من عشرات القنوات المتوازية. لكن نجاح هذه الأداة مشروط بشيء واحد لا بديل عنه: شفافية الحوكمة وآلية رقابة مستقلة، وإلا تحوّل الصندوق السيادي نفسه إلى نسخة مؤسسية جديدة من “الشركات الرمادية” التي يُفترض أنه جاء لتفكيكها.

لماذا لا يكفي إصلاح الاقتصاد وحده

يبقى سؤال جوهري: هل يكفي تصحيح الاقتصاد — تمويلاً وإعماراً وتوازناً إقليمياً — لمنع تكرار الحرب؟ الإجابة المرجّحة: لا. الانقسام الذي استُثمر فيه سياسياً واجتماعياً لم يكن اقتصادياً بحتاً، بل اقتصادياً بتفسير هوياتي أُلبس له. إصلاح البنية الاقتصادية شرط ضروري لكنه غير كافٍ؛ يحتاج أن يرافقه إصلاح سياسي (تمثيل عادل للأقاليم في القرار)، وإصلاح في الخطاب العام يفكّك ثقافة الكراهية التي استُثمر فيها الانقسام الطبقي والجهوي، بدل أن يُترك الاقتصاد وحده يحمل عبء العلاج.

تحديث: أبرز مستجدات ملف إعادة الإعمار (حتى يوليو 2026)

منذ كتابة هذا المقال، ظهرت معطيات ميدانية ورسمية جديدة تستحق أن تُدمج في الصورة العامة، سواء بتأكيد بعض التوجهات المطروحة أو بإضافة تفاصيل تعدّل بعض الأرقام والتقديرات.

حجم الاحتياجات يتضخم عن التقديرات الأولى

أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس مطلع 2026 أن هذا العام سيكون “عام التعافي وإعادة الإعمار”، مؤكداً أن البلاد بدأت بالفعل تتجاوز تداعيات الحرب. وفي المقابل، باتت السلطات السودانية تتحدث عن احتياجات إعمار تقدَّر بنحو 300 مليار دولار للعاصمة الخرطوم وحدها، و700 مليار دولار لبقية الولايات، فيما لا تزال الأمم المتحدة تُعِدّ تقديراتها الخاصة لحجم الأضرار. هذه الأرقام، إن صحّت، تتجاوز بكثير أي تقدير كان متداولاً وقت كتابة هذا التحليل، وتُبرز حجم الفجوة بين الطموح والموارد المتاحة فعلياً.

ملف الديون: تحرّك جديد وأرقام متضاربة

بحث وفد سوداني، في أبريل 2026، مع مسؤولين في البنك وصندوق النقد الدوليين استعادة الشراكة الكاملة مع البنك الدولي لتمويل برامج إعادة الإعمار وتسريع خطوات إعفاء الديون، مؤكداً التزام الحكومة باستكمال متطلبات برنامج الإعفاء والإصلاحات الهيكلية رغم ظروف الحرب. ويُذكَّر أن الدول الغربية والمؤسسات المالية الدولية علّقت، فور انقلاب 2021، خطوات إعفاء نحو 50 مليار دولار من ديون السودان، رغم وصوله وقتها إلى “نقطة القرار” في مبادرة الهيبك بعد إصلاحات اقتصادية قاسية شملت رفع الدعم عن الوقود والكهرباء والخبز — وهو بالضبط المسار الذي أشرنا إليه أعلاه بأنه “تعطّل بعد انقلاب 2021 ثم بالحرب”.

أما رقم الدين نفسه فتباينت تقديراته بين المصادر خلال 2026: تحدثت تقارير عن نحو 49.7 مليار دولار (معظمها متأخرات متراكمة)، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن الدين اقترب من 65 مليار دولار بنهاية 2024. هذا التفاوت يعزّز، لا ينفي، الملاحظة الأصلية في هذا المقال بأن أرقام الدين ينبغي أن تُعامل بحذر منهجي، وأن ما يهم أكثر من الرقم بعينه هو المسار: هل يُستأنف الطريق نحو نقطة القرار في الهيبك من موقع تفاوضي أضعف مما كان عليه السودان عام 2021 أم لا.

السوق الموازي: استمرار أزمة العملة

في أبريل 2026 سجّل الدولار في السوق الموازية مستويات قياسية، إذ تجاوز سعر الشراء 4100 جنيه سوداني وفق إفادات متعاملين في بورتسودان وعطبرة. هذا المؤشر يؤكد ميدانياً أطروحة هذا المقال حول ضخامة الكتلة النقدية الخارجة عن النظام المصرفي الرسمي، ويزيد من إلحاح مقترح إعادة إدماجها — لكنه أيضاً يُظهر أن أي أداة كتبديل العملة تحتاج اليوم إلى تصميم أكثر حذراً، إذ إن انهيار الثقة بالجهاز المصرفي في هذا السياق قد يدفع النقد للاختباء أكثر بدل عودته، كما أشرنا سابقاً.

شراكات دولية جديدة تدخل ملف التمويل والتنفيذ

برزت خلال 2026 عدة شراكات ثنائية مباشرة في ملف إعادة الإعمار، تضاف إلى مسار التمويل الدولي المشروط الذي يتناوله المقال:

منحت وزارة النقل والبنى التحتية (يناير 2026) الشركات السعودية أولوية في مشروعات إعادة الإعمار، خصوصاً السكك الحديدية وتطوير الموانئ، في سياق دور سعودي متنامٍ بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب.

اتفق اتحادا المقاولين السوداني والتركي (يونيو 2026) على تنفيذ مشروعات نموذجية في البنية التحتية وإعادة الإعمار.

أجرى وزير المالية جبريل إبراهيم (مايو 2026) محادثات مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول دعم الاستقرار والتعافي الاقتصادي وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

هذه الشراكات تدعم الترتيب المقترح في المقال (استنفاد الموارد الوطنية أولاً ثم اللجوء للتمويل الدولي)، لكنها أيضاً تطرح سؤالاً جديداً لم يكن حاضراً بنفس الحدة وقت كتابة المقال: كيف يُدار التنسيق بين شركاء متعددين (سعوديون، أتراك، أمميون، مؤسسات بريتون وودز) داخل إطار الصندوق السيادي الموحّد المقترح، بدل أن تتحول هذه الشراكات إلى قنوات تمويل متوازية جديدة تُكرّر بالضبط المشكلة التي حذّر منها المقال في مقترح الصندوق السيادي.

خاتمة: الفرصة والخطر معاً

القول إن الحرب “صفّرت العداد” صحيح بمعنى واحد ضيق: كسرت الجمود القديم وأجبرت الجميع على التفكير من جديد. لكنه خطأ إن فُهم على أنه محو للمسؤوليات السابقة. المهمة الحقيقية ليست بناء ما دمرته الحرب فقط، بل استرداد ما نهبته أربعة عقود من غياب التخطيط والعدالة، ووضع الاثنين — الجبر والاسترداد — في مسار واحد لا ينفصل. من دون ذلك، فإن أي إعمار مادي، مهما كان ضخماً، سيعيد بناء نفس الهشاشة التي انهارت أول مرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى