معركة السودان من أجل الشرعية السياسية وتشكيل النظام ما بعد الحرب

بقلم تسغااب أمار

باحث في مجلة هورن ريفيو

أصدر المصباح أبو زيد طلحة، قائد كتيبة البراء بن مالك، مقطع فيديو موجَّهًا إلى أنصاره في أم درمان مطلع مايو/أيار 2025. سخر فيه من النشطاء السودانيين الذين ظهروا بملابس عسكرية وهم يهتفون بنسخة معدلة من الشعار الثوري الذي ميز انتفاضة 2019: “الجيش إلى الثكنات”. استبدل طلحة الدعوة الأصلية للحكم المدني برسالة تضع السلطة السياسية في أيدي من وصفهم بالصالحين. واستشهد بالنائب الأول السابق للرئيس الإسلامي علي عثمان محمد طه، وحذر من وصلوا إلى الخرطوم وأم درمان بعد انتهاء أعنف المعارك من أن “كتائب الظل” لا تزال على أهبة الاستعداد.

جاء رد لجان مقاومة أم درمان سريعًا. فقد رفضت محاولة طلحة التحدث باسم القوات المسلحة، وأكدت أن الحرية التي يستخدمها الآن لإطلاق التهديدات قد انتزعتها القوى الثورية نفسها التي كان قد نبذها. وكررت المطالب الأصلية لانتفاضة 2019: جيش بمنأى عن السياسة، وتفكيك الميليشيات، ومنع أي جماعة مسلحة من تولي أي دور في حكم البلاد.

بدا النقاش وكأنه خلاف حول شعارات، لكنه كشف عن صراع أعمق حول النظام السياسي في السودان ما بعد الحرب. فبينما يعيد الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تشكيل البلاد، تسعى الأطراف المتنافسة إلى تحويل سلطة زمن الحرب إلى شرعية سياسية. وقد تحوّل السؤال المطروح منذ زمن طويل، والذي انبثق عن حرب السودان، من مسألة السيطرة على الأراضي إلى مسألة حق تحديد ملامح الدولة المستقبلية بعد انتهاء القتال.

يجسد صعود كتيبة البراء بن مالك هذا الصراع. فقد انبثقت الكتيبة من شبكات مرتبطة بقوات الدفاع الشعبي، وهي قوة شبه عسكرية أُنشئت في ظل حكومة عمر البشير الإسلامية بعد عام 1989. ورغم أن السلطات الانتقالية في السودان حلت قوات الدفاع الشعبي رسميًا عام 2020، إلا أن العديد من شبكاتها بقيت قائمة. وعندما اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، أصبحت كتيبة البراء بن مالك إحدى أبرز التشكيلات الموالية للإسلاميين التي قاتلت إلى جانب الجيش.

سدت الكتيبة حاجة ميدانية للقوات المسلحة السودانية، التي كانت تعاني من نقص في قوات المشاة خلال المراحل الأولى من الحرب. ومع مرور الوقت، أصبحت أهميتها العسكرية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا برمزيتها السياسية. فبالنسبة لأنصار الجيش، مثلت كتيبة البراء بن مالك المتطوعين الذين قاتلوا لمنع قوات الدعم السريع من الاستيلاء على السلطة. أما بالنسبة للمنتقدين، فقد مثل ارتباطها بالنظام السابق عودة الشبكات العسكرية الإسلامية التي هيمنت على السودان لثلاثة عقود.

تعكس هذه الاستراتيجية حسابات سياسية أوسع. دخلت الحركة الإسلامية في السودان الحرب وهي منقسمة بشدة. سعت بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق إلى استعادة نفوذها عبر الهياكل السياسية القائمة، بينما اعتمد آخرون بشكل متزايد على شبكات الحرب والتشكيلات المسلحة. بالنسبة لقادة مثل طلحة، يمثل الإسهام العسكري مصدرًا مختلفًا للشرعية، لا يستند إلى الهياكل الحزبية التاريخية، بل إلى التضحية والمشاركة في ساحة المعركة، فضلًا عن ادعاء الدفاع عن الدولة.

لم تقتصر العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على البراء بن مالك، ثم الاتحاد الأوروبي على طلحة، على استهداف الانتهاكات المزعومة خلال الحرب، بل عكست أيضًا قلقًا دوليًا متزايدًا من إمكانية تشكيل النظام السياسي الناشئ في السودان من قبل حركات مسلحة تسعى إلى تحويل التعبئة العسكرية إلى نفوذ سياسي دائم. ويبقى من غير المؤكد ما إذا كانت هذه الإجراءات ستحد من طموحات طلحة في نهاية المطاف، لكنها تؤكد على جهد دولي أوسع لمنع قادة الحرب من الظهور كفاعلين سياسيين محوريين في تسوية السودان ما بعد الحرب.

لكن يبدو أن طموحات طلحة تتجاوز ساحة المعركة. فقد أشار تقرير حديث لصحيفة “سودان تايمز” إلى أنه سعى إلى تأسيس منصة سياسية منفصلة عن الأحزاب الإسلامية التقليدية في السودان، ولا سيما الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المنحل. وبدلًا من الاعتماد حصرًا على الهياكل الإسلامية الراسخة المرتبطة بعهد البشير، ركز نهجه، كما ورد، على بناء علاقات مع الزعماء المحليين، بما في ذلك عناصر من الإدارة المحلية والشبكات الدينية.

يعد هذا التمييز بالغ الأهمية لأن القوى السياسية المتنافسة في السودان تعمل وفق مفاهيم مختلفة للشرعية. تستمد لجان المقاومة والحركات المدنية سلطتها من ثورة 2019، حين أطاحت الاحتجاجات الجماهيرية بالبشير وطالبت بالانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي. أما الجماعات المسلحة المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية، فتستمد شرعيتها بشكل متزايد من الحرب نفسها، بحجة أن من قاتلوا للحفاظ على الدولة يجب أن يكون لهم دور محوري في صياغة ما سيأتي بعدها. وبذلك، ترسخ هذه الفصائل نفسها كحماة مؤسسين للدولة، مدعيةً حقًا دائمًا في تحديد مستقبلها.

أصبح هذا المصدر الثاني للشرعية أكثر وضوحًا في تصريحات شخصيات مقربة من المؤسسة الإسلامية السابقة. ففي مقابلة نادرة عام 2025، جادل رئيس حزب المؤتمر الوطني السابق، أحمد هارون، بأن مستقبل السودان السياسي يجب أن يُحدد عبر انتخابات ما بعد الحرب، لكنه أكد أيضًا على ضرورة احتفاظ الجيش بدور سياسي إلى حين زوال التهديدات الأمنية. ويعكس موقفه جدلًا أوسع نطاقًا بين قطاعات من الشبكات الإسلامية والعسكرية في السودان، مفاده أن ظروف الحرب تستلزم نظامًا سياسيًا تبقى فيه القوات المسلحة ركيزة أساسية للحكم، لا مؤسسة أمنية منفصلة عن السياسة.

يظهر المنطق نفسه بين المقاتلين على الأرض. فقد قدم بعض أعضاء كتيبة البراء بن مالك أنفسهم لا كقوة تسعى لفرض حكم إسلامي، بل كمتطوعين يدافعون عن الدولة ضد قوات الدعم السريع. إلا أن هذا التصور “التطوعي” يتناقض تمامًا مع الدور التأسيسي للكتيبة كجناح مسلح لجماعة الإخوان المسلمين السودانية. فعلى الرغم من الجهود العلنية لتسويق أنفسهم كوطنيين محايدين، إلا أن اندماج الجماعة في عمليات القوات المسلحة السودانية على الخطوط الأمامية قد رسخ نفوذ الإخوان المسلمين داخل الجهاز العسكري. هذه هي المعضلة الأساسية التي تواجه المرحلة الانتقالية في السودان ما بعد الحرب. فنادرًا ما تتخلى الجهات المسلحة عن السلطة التي تعتقد أنها اكتسبتها من خلال الصراع، وغالبًا ما تسعى الحركات التي تحشد المقاتلين إلى تحويل الشبكات العسكرية إلى منظمات سياسية.

مع ذلك، فإن الطريق من النفوذ الميداني إلى السلطة السياسية ليس مضمونًا على الإطلاق. فالتيار الإسلامي في السودان لا يزال منقسمًا، ولا يمثل البراء بن مالك مشروعًا سياسيًا موحدًا. وتستمر الانقسامات العميقة بين الفاعلين الإسلاميين حول القيادة والاستراتيجية وعلاقتهم بالمؤسسة العسكرية. ولا تزال بعض الشخصيات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالهياكل القديمة للحركة الإسلامية، بينما يبدو أن آخرين يفضلون الشبكات الأحدث التي بُنيت حول قادة الحرب.

تعكس العلاقة بين البراء بن مالك وقائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان هذه التوترات أيضًا. فمع أن الجيش اعتمد على تشكيلات مسلحة متعددة خلال الحرب، إلا أن بروز القوات المستقلة بشكل متزايد أثار مخاوف بشأن القيادة والسيطرة. ويعكس تأكيد البرهان المتكرر على توحيد القوات المسلحة تحت سلطة الدولة محاولةً لمنع حلفاء الحرب من التحول إلى فاعلين سياسيين عسكريين مستقلين بعد انتهاء النزاع.

لذا، فإن الصراع المحيط بطلحة لا يمثل مجرد طموحات قائد واحد، بل يعكس تساؤلًا أوسع يواجه السودان والعديد من المجتمعات الخارجة من الصراع: هل يمكن دمج من يكتسبون النفوذ من خلال الحرب في النظام السياسي دون السماح للقوة العسكرية بالهيمنة على المؤسسات المدنية؟

يقدم التاريخ السياسي السابق للسودان تحذيرًا. فقد بُني النظام الحاكم السابق في البلاد على دمج شبكات الأحزاب والمؤسسات الأمنية والمنظمات المسلحة. وسعى الانتقال الذي بدأ عام 2019 إلى تفكيك هذا النموذج من خلال وضع الجيش تحت سلطة مدنية. إلا أن الحرب الحالية عكست هذا المسار، وأوجدت جهات فاعلة مسلحة جديدة، وعززت الشبكات القديمة التي باتت تدعي دورًا في تحديد مستقبل البلاد.

لذا، يتجاوز الصراعُ الصراعَ بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، أو حتى بين الإسلاميين والحركات المدنية. إنه في جوهره صراعٌ بين مفاهيم متنافسة للشرعية السياسية. ترى لجان المقاومة أن الشرعية تنبع من التعبئة الشعبية والمطالبة بالحكم المدني. بينما ترى الجماعات الموالية للجيش أن الشرعية تنبع من الدفاع عن الدولة في أحلك لحظاتها. أما الأحزاب السياسية، فتسعى إلى الشرعية عبر الانتخابات والتنظيم. وتتنافس كل رؤية على تحديد ملامح السودان ما بعد الحرب.

يبقى نجاح طلحة في تحويل سمعته في ساحة المعركة إلى حركة سياسية رسمية أمرًا غير مؤكد. فالتحدي الذي يواجهه لا يقتصر على إقناع الناخبين السودانيين فحسب، بل يتعداه إلى التعامل مع بيئة سياسية يسعى فيها القادة العسكريون، والفصائل الإسلامية، والحركات المدنية، والجهات الفاعلة الإقليمية إلى التأثير على تسوية ما بعد الحرب.

لا تكمن أهمية معركة البراء بن مالك في دورها الميداني فحسب، بل في كونها تجسد معضلة أوسع نطاقًا في مرحلة ما بعد النزاع. فعلى مر التاريخ، غالبًا ما تسعى الحركات المسلحة التي تدعي إنقاذ الدولة إلى ترسيخ وجودها فيها. ويواجه السودان اليوم التحدي نفسه. لم يعد السؤال المحوري مقتصرًا على كيفية انتهاء الحرب، بل يتعداه إلى ما إذا كانت الشرعية العسكرية المكتسبة عبر الصراع ستطغى على الشرعية المدنية التي طالبت بها ثورة 2019. وستحدد الإجابة ليس فقط النظام السياسي السوداني في مرحلة ما بعد الحرب، بل أيضًا مفهوم الدولة نفسه الذي سينبثق من هذا الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى